أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - صلاتان إلى سماء واحدة














المزيد.....

صلاتان إلى سماء واحدة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 10:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

أحمقُ مَن يظنُّ أن هدمَ بيت جاره سوف يُثبّت أعمدة بيته، ويُرسّخ أساساته. يقول قانونُ البناء إن هدمَ بيتٍ قد يُخلخل التربةَ، ويُعرّض البيوت المجاورة لخطر التصدّع والانهيار. لا عاقلَ يُحصّن بيتَه بتقويض بيوت الآخرين، فلا سلامة لإنسان وسط خراب جيرانه. فالبيوتُ، كما البشر، لا تنجو فرادى؛ إنما تتساند لتتقوّى، أو تتهاوى معًا.

من العبث اختصامُ البشر حول الطريق إلى الله. فالسماءُ ليست ساحةً تتنافسُ فيها الأبواب، والخالق العظيم قد وسعت رحمتُه "كلَّ شيء"، وما ضاقت حكمتُه عن استيعاب اختلاف عباده. لغاتُ القلوبِ التي ترفع نجواها إلى السماء، ملتمسةً الرحمة والغفران والنور، لا حصر لها. الله واحدٌ أحد، مهما اختلفت الصلوات، وتباينت الطقوس، وكذلك القلب البشري، في جوهره، واحدٌ في حاجته إلى الطمأنينة، وفي توقه إلى الرحمة والمحبة والخلاص. أجمل ما في الإيمان أنه يحررنا من الخوف، ويفتح نوافذ الروح لنحبَّ جميع خلق الله. الُله واسعٌ، والطريقُ إليه رحبٌ لا متناهٍ، لا يحتكره أحدٌ، ولا يضيّقه أحدٌ على أحدٍ.

ذات مساء طيب، قبل سنوات عديدة، شهدتُ مشهدًا فاتنًا، ظلّ محفورًا في ذاكرتي، جمع بين صلاتين من كتابين مقدسين، على خشبة مسرح مصرية واحدة. في حفل تدشين مجلةٍ كنتُ مديرَ تحريرها، دعوتُ اثنين من أحب فناني مصر إلى قلبي: أحدهما مطرب استثنائي، ذو حنجرة عزّ نظيرها، والثاني موسيقار استثنائي، سابقٌ عصره. كلاهما مثقف العقل، رفيع الخلق. في ختام الحفل، أمسك المطرب الميكروفون ليشدو، فسارع الموسيقار الكبير وصعد إلى المسرح ليعزف له، وهو مؤلف موسيقي كبير. فما كان من المطرب المسلم إلا أن ختم أغنياته بالصلاة الربّانية تحيةَ لصديقه الموسيقار المسيحي. "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا من الشرير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين”.

فما كان من الموسيقار المسيحي إلا أن سارع واختطف الميكروفون من يد صديقه، ثم قرأ فاتحة الكتاب: "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين”. كلاهما اختتما الجمال بقولة: “آمين". فالله تعالى واحدٌ مهما تعددت زوايا النظر إليه، ومهما تباينت طرائق الوصول إليه. اشتعل تصفيق الجمهور، إذ وصلته رسالةُ الصديقين المثقفين. الله نورٌ صافٍ خالصٌ، يسعى إليه البشرُ عبر دروب عديدة، كلٌّ وفق معتقده.

المطربُ الجميل هو "سمير الإسكندراني"، والموسيقار الجميل هو "هاني شنودة”. خيوطٌ عديدة تجمعُ بين هذين الهرمين الشاهقين. زميلا مهنة راقية ورفيقا مشوار طويل، التقيا على النغم العذب والفن الرفيع. والأهم أنهما مصريان. ولدا فوق هذه الأرض المباركة، وكبرا في حضنها الواسع. هي الأمُّ الطيبة التي تتسعُ لجميع أبنائها ولا تفرق بينهم، بينما نحن، بغفلتنا، الذين نُفرّق! ارتويا من نيلها الخالد، وأكلا من ثمرها الحلو، الذي أطعم من قبلهما الأنبياء والرسل عليهم جميعًا السلام. وآوتهما غصونُ أشجار حنون، آوت من قبلهما أطهرَ نساء الأرض، العذراء البتول مريم وطفلَها، رسول المحبة والسلام، عليهما السلام. أما أقوى تلك الخيوط، فهو كونهما “إنسان”. قيمةٌ عليا أن تكون إنسانًا. فالإنسانية هي المظلّة الواسعة التي تجمع البشرية، على اختلاف أديانها ومعتقداتها وألوانها وثقافاتها.

مقالي ليس دعوة إلى محو الاختلاف، بل إلى احترامه وتوقيره، فهو ثراءٌ وغِنى. وليس مطالبة بالتساهل في العقيدة ولا التفريط في الإيمان، بل بتحريره من التعصب. أن تكون إنسانًا يعني أن تعرف حدودَك، وتتأدب مع خالقك، فلا تنتحل لنفسِك مقامًا ليس لك، ولا تنصّب روحك قاضيًا على أرواح الآخرين وعقائدهم.

حين ندرك أننا بشرٌ، فقراءُ إلى الله، نتوق إلى خلاص أرواحنا من الدنس، لن نُدين الآخرين في عقائدهم، ولن نصادر حقهم في اختيار طريقهم. ليس من حق أحد أن يقول لأخيه: أنت كافر، وكأنه شقَّ عن قلبه، ولا أن يسم عقائدَ الآخرين بأنها (…)، [ تعفّفَ قلمي ولم يقو على خط الكلمة المشينة التي قالها أحد الشخوص بالأمس]. فلا أحد يمتلك مفاتيح السماء. ولا أحدَ يملك إهانة إنسان أو استباحة كرامته. هو اللهُ، وحده لا شريك له، الذي يفصل بيننا برحمته وعدله. فلنلتقِ حول محبته، ونسكب أمامه قلوبنا، علّنا نحظى بغفرانه تعالى.


مقامُ السؤال:
إذا كانت صلاتان طيبتان قد التقتا في تلك الليلة فوق خشبة مسرح، فكيف يعجز أبناءُ الأرض الواحدة عن الالتقاء تحت صفحة سماء واحدة؟


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صعوبات التعلم... أم (صعوباط) التعلّم؟!
- -منتدى مصر-…وسؤال الغد
- جريمة على طرف اللسان
- “فجأةً- … في -مهرجان الجونة-
- نظرية الغباء
- قلبي يُحلِّقُ... فوق سفح الهرم!
- “نجيب محفوظ-… تاجٌ ونصلٌ... وخلود
- “شعبان يوسف-… غارسُ الزيتون
- حكاية الورقة الأولى
- -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات
- الشارعُ … مقياسُ الحضارة
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري


المزيد.....




- -شماش-.. أول متحف يوثق ذاكرة يهود العراق في قلب بغداد
- الفاتيكان يؤكد جاهزية البابا الصحية لجولته المرتقبة في أمريك ...
- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء وارتداء ملابس شركة نايكي بسبب ...
- -تحالف غير مقدس-.. كيف رأت أمريكا الإخوان المسلمين منذ تأسيس ...
- -الطلاق الصامت-.. هل يتفكك الإجماع الصهيوني بين اليهود الأمر ...
- بزشكيان: المرشد الأعلى منح الحكومة صلاحيات حل الأزمات عبر ال ...
- ميرتس يواجه قواعد الحزب المسيحي الديمقراطي وسط أزمة متصاعدة ...
- بحماية قوات الاحتلال.. مستوطنون يؤدون طقوساً تلمودية و«انبطا ...
- مستوطنون يغلقون طرقاً حيوية في سلفيت ويعرقلون حركة المواطنين ...
- دار الإفتاء الليبية تحرم شراء ملابس -نايكي- بسبب شعارها ودعم ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - صلاتان إلى سماء واحدة