أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات














المزيد.....

-صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 11:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال

اليومَ مساءً في صالون "الخراط"، أناقش هذه الرواية الجميلة "صديقي أو أي لقب آخر" للكاتبة الفلسطينية "ميرا عماد"، عطفًا على رواية "رقرقة الأحلام الملحية"، للخالد "إدوار الخراط" مهندس الرواية العربية. الروايةُ التي كتبتُ عنها هنا في عمودي الاثنين الماضي.
ومنذ عتبة العنوان، تُلقي بنا الرواية الفلسطينية في مأزق التعريف. كيف تُسمّي ما لا اسمَ له؟ عنوانٌ مخاتلٌ، مرتبكٌ، ومُربِك؛ يترك القارئ معلّقًا بين اليقين والفراغ، تمامًا مثل "بلقيس"، بطلة الرواية، المُعلّقة بين وطنٍ لم تعشه ومنفًى لا تألفه. الرواية عن صبيّة فلسطينية تعيش في بيروت بلهجتها ومفرداتها، تدخل مخيم "عين الحلوة" في مهمة بحث اجتماعي، بينما تُخفي وراء هذي المهمة بحثًا أعمق: عن أبٍ غائب، وعن هُويةٍ تنقصها قطعةٌ حيّة حتى تتنفس. تلتقي "نضال"، ابن المخيم، وتنشأ بينهما علاقة تبدأ بالصداقة والمراسلات، وتنتهي، كما تُحسم حكايا الشتات عادةً، بالفراق، فيمضي كلٌّ في طريق. الرواية ليست عن قصّة حب، الحبُّ مجرد طُعْمٍ جميل وفخٍّ أنيق تقنصُ به الكاتبةُ قارئها لتضعه في مواجهة سؤال موجع: ماذا يعني أن تكون فلسطينيًا: لا حضن وطن تعود إليه، ولا هويّة واحدة تنتمي إليها، ولا حتى صورة واضحة متصالحة عن ذاتك؟ عندئذ يتفكّك الحبُّ، وترتبك المشاعرُ، مثلما تتشظى الهوية.
هنا ندرك كيف رُسمت شخصية "بلقيس" بريشة الوجع الحارق. فهي ليست فتاة مخيّم تتوق للخروج منه، بل فلسطينية تعيش في لبنان، فيراها أهلُ المخيم "بيروتية" أكثر من كونها فلسطينية، وفي المقابل ترسم "بلقيس" صورةً نمطية جاهزة عن المخيّم قبل أن تختبره بنفسها، لتكتشف عوار الصورة الوهمية. هنا تتحول الرحلة إلى عبورٍ بين فلسطينيين متشظّين داخل هوية واحدة. بين صفحات الرواية يطلُّ برأسه سؤالٌ قاس: من هو الفلسطيني؟ أهو من يسكن المخيم ويحرس الذاكرة، أم من يحمل فلسطين في صدره مهما نأى عنها؟ أتكفي اللهجة؟ أم تكفي بطاقة الهوية؟ أم يكفي الحلم بوطن حرّ تأخر إشراقُ فجرِه؟
في المخيم، تكتشف "بلقيس" فلسطينيتَها تدريجيا. لا كخانة في وثيقة، بل كجرحٍ في الوعي وتشظٍّ في الهوية، وتمزّق في الانتماء. غريبةٌ في لبنان لأنها فلسطينية وافدة، وغريبةٌ في المخيم لأنها "بيروتية" دخيلة. فإذا الغربةُ ليست مكانًا تُهاجِر منه أو إليه، بل حالٌ دائمة تسكن الجسد أينما حلّ وارتحل. هنا يتضخّم غيابُ الأب ليصير معادلًا موضوعيًا لغياب الوطن: لماذا رحل أبي ـ لماذا رحل الوطن؟ لماذا تركني أبي ـ لماذا لم يجمعنا وطن؟ أين أبي وأين الوطن؟ أسئلة تتوالد من بعضها كموار موجٍ لا يهدأ.
حين يبدأ الحبُّ على استحياء بين الصديقين/العاشقين، يأخذ "نضال" شكل الوطن، وتتجلّى رمزية الاسم. ويأخذ "المخيم"، شكل "فلسطين" المصغّرة. لكن الرواية تنجو من فخ "الأدب السياسي" الذي يحوّل الإنسان إلى رمز أصمّ. بل تبثّ الدم في عروق الرمز، فتجعله يحب ويغار ويشتاق ويتعذب. كذلك يتفجّر الرمزُ بالحياة في "مملكة النساء" بالمخيم: أم هادي والأرامل اللواتي يرمّمن الحياة بالحكايا والتطريز، ليتهاوى أمامنا ذلك التصور الجاهز للمخيم بوصفه مرادفًا للبؤس والموت والذخيرة والصمت الحزين. وكأن الرواية تقول إن للمخيم وأهله حقًا في الحياة، أو شبه الحياة.
المكان في الرواية ليس مسرحًا صامتًا، بل شخصية تتنفس. أزقة المخيم المتلاصقة، وبيوته العشوائية التي تُصادر الخصوصية، تتحول إلى عمارة نفسية للاغتراب: جدرانٌ تبدو سترًا وهميًّا، وهي في الحقيقة شاهدٌ يومي على القيد الإداري والاجتماعي الذي يُطبق على الجيل الجديد. أما الرسائل فهي فعلُ تشييد لفضاء تعجز الجغرافيا عن بنائه. وهي كذلك فعل استعادة للزمن. فالهاتف يقول: "أنا معك الآن"، أما الرسالة فتقول: "كنتُ هنا، فكّرتُ فيك، أنتظر ردك". وهي بذلك أداة مقاومة تليق بشعبٍ مأساته الكبرى اقتلاع المكان والذاكرة والزمن. وبين جيلٍ يحمل مفاتيح بيوت مهجورة كرمز للعودة، وجيلٍ يبحث عن معنى حيّ هنا والآن، تُقيم الرواية فجوتها الأعمق: قضيةٌ لا تُنسى، وسؤالٌ مشروع عن كيفية الحب والعيش واكتشاف الذات وسط هذا الكم المخيف من القسوة والشتات؟
"صديقي أو أي لقب آخر" ليست رواية لجوء وحب، بل حكاية إنسان يشيّد من شتاته وطنًا من الكلمات، وينتزع من ضيق المخيم متسعًا للحب والإبداع، حتى وإن ظل الحب بلا لقب يحدّه أو يسجنه. الصديق، الرفيق، ابن الوطن، جميع الألقاب جائزةٌ إلا لقب: الحبيب. فإذا كانت "بلقيس" لا تعرف معنى أن تكون فلسطينية، فهل يعرف الحبيبان معنى أن يكونا عاشقين وسط هذا الإقصاء؟

مقام السؤال:
حين تُقتلع من الإنسان أرضُه، وتتشظى هويته، هل يصبح الحبُّ وطنه الأخير، أم أن الوطن الغائب يظل حاضرًا حتى في أكثر القلوب حبًّا، وإنكارًا للحب؟

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشارعُ … مقياسُ الحضارة
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!


المزيد.....




- وردة المسيح والعندليب: قصة القديسة تريز الطفل يسوع وسر لوحة ...
- تمويل المعابد وتكثيف التاريخ اليهودي بالمدارس.. تفاصيل خطة م ...
- حين غنّت أصالة لسوريا التي تتسع للجميع دمشق تغنّي من جديد.. ...
- إسرائيل تلغي هجرة اثنين من الناشطين اليهود لدفاعهما عن الفلس ...
- انتهاكات متواصلة بدعوى الاحتفال بـ-عيد العرش- اليهودي
- ماذا يعني -السجود الملحمي- بالمسجد الأقصى ورفع سعف النخيل؟
- آلاف المستوطنين يقتحمون المسجد الإبراهيمي والأقصى بحماية مشد ...
- إسرائيل.. المعارضة اليهودية تشكل 3 فرق لإسقاط نتنياهو وتشكيل ...
- -البنوك كلها مملوكة لليهود-.. كتابات بارديلا تشعل عاصفة سياس ...
- تسريبات -ميديابار- تُحرج جوردان بارديلا وتُعيد فتح ملف معادا ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات