أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري














المزيد.....

-مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 11:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

اختلف الفلاسفةُ في تعريف الإنسان. أما أنا، فكلما احتجتُ إلى تعريف جديد، اقتنصتُه من قصة جميلة. ونحن اليومَ أمام قصة لامست قلوب المصريين. “مينا يوسف" شاب مثقف، وجد جارته السيدة "منى مختار" منهمكة في الإجابة على أسئلة إسلامية، أملاً في الفوز برحلة عُمرة، طالما حلُمت بها. فما كان منه إلا أن اشترك في المسابقة معها، ليُزيد من فرص الفوز. وبالفعل، فاز بالعُمرة، فأهداها إلى جارته، التي تتأهب لزيارة البيت الحرام. وأترك لكم تخيّل حجم فرحتها بهذه الهدية الغالية.
انتهت القصةُ القصيرة، لكنها فتحت نافذة هائلة للسؤال: ما الذي يجعل إنسانًا يرى حُلمًا في عيني إنسانٍ، فيعتبر تحقيقَه هدفًا شخصيًّا؟ ما الذي يجعلُ الجارَ امتدادًا للنفس، لا مجرد ساكن وراء الجدار؟ ما الذي يجعلُ الفرحةَ في عيني الآخر، ترقصُ في عيوننا نحن؟ الإجابة ببساطة: المحبة، التي لم تخِب يومًا، ولا تسقط أبدًا. المحبة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة". وهي المحبة التي أوصى بها السيد المسيح عليه السلام حين قال: “تحبُّ قريبَك كنفسك". هكذا السماءُ دائمًا أكثر بساطةً ورحمة من ضجيج البشر.
كان "أرسطو" يرى أن الفضيلة ليست فكرة جميلة نتغنّى بها، بل عادة تتكرر حتى تصبح طبيعة في النفس. أما "إيمانويل ليفيناس"، فجعل "وجه الآخر" بؤرةَ الوجود ومركزَه؛ فالآخرُ ليس خصمًا يُخشى، ولا حتى موضوعًا للحياد، بل هو نداءٌ أخلاقي مقدسٌ يفرض علينا مسؤوليةً تجاه الآخرين. فوجه الآخر هو التجلي الأنبل للإنسانية. هكذا رأى "مينا" حُلمًا في وجه السيدة، فاعتبر تحقيقه نداءً مقدسًا واجب النفاذ.
وأنا أقرأ هذه القصة الجميلة، عادت بي الذاكرةُ إلى رُسغ فتاة جميلة قدمت لي تمرةً وكوب ماء لأكسر صيامي على منصّة الاتحادية في رمضان 2013، يوم 26 يوليو، في تظاهرة المصريين للتفويض بمواجهة الإرهاب. كان الرُّسغُ موشومًا بصليب أزرق. وعادت بي الذاكرة كذلك إلى ذلك النهار الحزين بعد الجريمة الإرهابية التي استهدفت الكنيسة البطرسية. ذهبتُ يومها لأواسي أهالي الشهداء. وكنتُ أبكي وأنا أنظر إلى النعوش البيضاء المتراصّة، مغطاةً بالزهور البيضاء، التي تُطلُّ من بينها صورُ صبايا في مقتبل العمر، اغتالتهم رصاصاتُ الخِسّة. اقتربتْ مني راهبةٌ جميلة اسمها "رِفقة"، وهمست في أذني معاتبةً: “نحن لا نبكي على الراحلات، فهنّ عرائسُ السماء، هذا يوم زفافهنّ إلى الفردوس". عانقتُ سيدةً فقدت ابنتيها في التفجير، ففوجئتُ بها تواسيني وتُهديني مصحفًا. في بيتي عشراتُ المصاحف، بعضها اشتريته، وبعضها من ميراث أبي، وهدايا الأصدقاء. لكن أكبر مصحف في بيتي أهدته إليّ أمٌّ مسيحية خرجت لتوها من قلب الفاجعة! رفعتُ عيني إليها فرأيت وجه مصر التي أعرفها، مصر التي لا تُختصر في ضجيج مراهقات الطائفية، بل تلك التي تكتب كل يوم قصصًا جميلة وصامتة كهذه.
لهذا لم أعد أندهش من وجاهة النسيج المصري الذي يتجسّد في مثل هذه القصة، فقد شهدتُ مئات القصص المشابهة. ولم تكن قصة العُمرة إلا حلقةً جديدة في سلسلةٍ نورانية طويلة عمرها عشرات القرون، تؤكد دائمًا أن هذا الوطن قادرٌ على إنجاب بشرٍ يعرفون أن الإنسان هو الطريق الأقصر إلى الله.
لستُ أرى ما فعله "مينا يوسف"صفحةً من دفتر الوداعة الذي نعرفه عن أشقائنا المسيحيين، بقدر ما أراه تعبيرًا عن طبقةٍ عميقة من الشخصية المصرية الأصيلة. تلك الطبقة التي كثيرًا ما يحجبها صخبُ الطائفية، وضجيجُ مواقع التواصل، وفنون صناعةُ الكراهية التي تتغذى على الاستثناءات المريضة. فالاستثناءُ أبدًا لا يصنع هويةَ وطن، وإنما تصنعها ملايينُ الأفعال الصغيرة التي لا تلتفت إليها الكاميرات، ولا هي أصلا مشغولة بالكاميرات. يدٌ تمتد إلى محتاج. جارٌ يحمل عن جاره بعضَ همّه. أمٌّ ثكلى تدعو لقاتل ابنتها بالرحمة. شبابُ الأقباط يصنعون جدارًا بشريًّا يحيط بالمسلمين أثناء صلاتهم في ميادين الثورة…. وغيرها الكثير.
الإرهابي لا يقتل الجسد، بل يحاول اغتيال فكرة النبل المتجذّرة فينا. يحاول إقناعنا بأن بين المصري والمصري بحرًا من الريبة، وأن اختلاف العقيدة أقوى من رباط الإنسانية والمواطنة. لكنه يخسر أمام مثل هذه القصص الجميلة التي تهزم خطاب الكراهية. فهي لا تجادله، بل تنقضه بالفعل والعمل. هذه القصص أعظمُ من الخطب والشعارات. فالأفكار تُقنع العقول، أما الأخلاق فتهزُّ القلوب. وما يمسُّ القلبَ أبقى أثرًا من كل جدال.
في هذه الأيام يحتفل أشقاؤنا بعيد السيدة العذراء، عليها السلام، فكل عام وأقباط مصر بخير. وكل عام ومصرُ نبيلةٌ بشرفائها.
مقام السؤال:
هل سيأتي زمنٌ نقرأ فيه خبرًا جميلا كهذا فلا نندهش، لا لأن الفعل فقد جماله، بل لأن النبل صار عادة طبيعية، كما أخبرنا أرسطو؟
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع
- الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء
- الاختلافُ… وفنُّ بناء الجسور (3)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)
- الاختلافُ… وفن بناء الجسور (1)


المزيد.....




- المسيحية تتراجع والأصولية تتقدم.. أي مفارقة هذه يا أمريكا؟
- الفاتيكان يدعو موسكو وكييف إلى استئناف المفاوضات وإنهاء الحر ...
- منتدى دولي بطشقند يبحث دور الإعلام في التعريف بالحضارة الإسل ...
- لافروف وغالاغر يؤكدان استمرار الحوار بين روسيا والفاتيكان وي ...
- بدأت بمكبرات الأذان ووصلت إلى وقف نهائي.. ما قصة أزمة دينا ا ...
- عبدول السيد ينأى بنفسه عن جدل حول تصريحات عن اليهود وإسرائيل ...
- حين تهدم -جرافات العدالة- المساجد في الهند
- الخارجية الروسية: كييف تواصل عمليات الاستيلاء على الكنائس ال ...
- خلال بطولة أوروبا لألعاب القوى..هل أثّر الإسلام في طريقة عرض ...
- الخارجية الروسية تحدد دولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن الأزمة ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري