أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الهروبُ من الاستنزاف1














المزيد.....

الهروبُ من الاستنزاف1


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 11:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
ماذا لو استيقظتَ صباحًا، ووجدتَ المدينة خاوية، لا بشر إلا أنت؟ إشارات المرور تومض، أبواب البيوت مواربة، المحالُ مفتوحة، النوافذُ مُشرعة وشاغرة من العيون، والسيارات تركها أصحابها في عرض الطريق مفتوحة الأبواب. لا صوت، لا ظل، لا أثر لحياة، ولا حتى لموت. تنادي ولا مجيب، فقط صدى صوتك يعود إليك. هل انتهى العالم، وصعد البشرُ إلى خالقهم، وتُركتَ على الأرض وحدك؟
هذا الحلم يطاردني ويُخيفني منذ قرأت مسرحية "فاوست"-جوته وأنا صغيرة. أصحو من النوم، فأجد العالم قد أُفرغ. لا جثامين، ولا خراب، ولا تفسير. فقط أنا، وكونٌ صامت.
الغريب أنني أحب الوحدة. قد يمر شهرٌ لا أرى فيه أحدًا، إلا ابني الصموت. أكتب، وأقرأ، وأستمع إلى الموسيقى، وأناجي الله، ولا أفتقد الزحام. حرمني القدرُ وظروفي الأسرية من أن يكون لي أصدقاء؛ بالمعنى الاصطلاحي لمفهوم الصداقة: الحديث يوميًّا، الخروج معًا والسفر، بث الهموم، واللجوء إلى الصديق حين تضيقُ السبل. هذا الحرمانُ جعل وحدتي ملاذي الوحيد، ومساحتي الخاصة التي أرمّم فيها ما يتكسر. لكن وحدتي هذه اختيارٌ وقرار، لا إجبار وقسر. فالناسُ دائمًا هناك. والاستغناءُ عنهم لعبةٌ وجوديةٌ أُجيدُها. الوحدةُ فردوسٌ فقط حين تذهب إليها مُختارًا. لكنْ أن تُرغم عليها، فشيءٌ يشبه الجحيم. لهذا يصيبني هذا الحلم المتكرر بالهلع.
والحقُّ أنني لا أهرب من الناس؛ فحبّي للناس جارف. لكنني أهرب من الاستنزاف. فأنا أحبُّ الآخرين إلى الحد الذي يرهق ويستنزف. في الندوات، أتفاعل مع الناس، أضحك، وأصافح، وأبتهج كطفلة بقارئ يحمل كتابًا لي يريد توقيعًا، أو صورة يقتطعها من زحام يومه ليحتفظ بها في ذاكرته. ثم أعود إلى البيت ممتنة لهذا الحب العظيم الذي لا يُشترى. ثم يحدث شيء لا أفهمه. في اليوم التالي، يهبط عليَّ حزنٌ كثيف! كأن كل الطاقة التي أضاءت الأمسية قد انسحبت من روحي دفعة واحدة. كأن بهجة الأمس مخصومة من رصيد الغد. ليس اكتئابًا، ولا مزاجًا متقلبًا، بل هي الفاتورة التي يدفعها الجهاز العصبي بعد أن يمنح نفسه كاملة للآخرين. بعض البشر يتحدثون مع الناس بألسنهم. وبعضهم يتحدث بكامل القلب والجهاز العصبي. وأخشى أنني من الصنف الثاني. لهذا لا أحتمل الضجيج طويلًا، ولا أطيق البقاء في قلب الحشود يومين متتابعين، رغم أنني أخرج منها محمولة على أجنحة المحبة.
لهذا أفهم جيدًا لماذا تشبث "توم هانكس" بطل فيلم Cast Away بكُرةٍ رسم عليها وجهًا، وحاورها كما لو كانت إنسانًا. لم يكن يبحث عن لعبة، بل عن شاهد. عن عين أخرى تؤكد له أنه ما زال موجودًا. ولهذا انهار وظل يصرخ حين ضاعت منه الكُرة في عرض المحيط، بعدما رافقته 1500 يوم، وكانت صديقه الأوحد في تلك الجزيرة المنسية. ظل يبكي صديقَه "الكرةَ"، كما لم يبكِ صديقٌ صديقًا.
لماذا اختار اسم "ولسن" ليمنحه لصديقه الصامت: الكرة؟ لأنها اسم الشركة الرياضية المنتجة. ولكن بوسعي أن أراها إلماحة إلى "كولن ولسن" صاحب كتاب "اللامنتمي" The Outsider الذي يحلل طبيعة الشخصية النافرة عن السياقِ المجتمعيّ، الطامحة في عالم مثاليّ، غير موجود، ومستحيلٌ أن يوجد. اللامنتمي ليس شخصًا معزولا عن المجتمع بالصدفة. بل هو إنسانٌ يتمتع برؤية حادة ووعي زائد يتجاوز السطحية التي يعيش بها معظم البشر. شخص يدرك حجم الفوضى وانعدام المعنى في العالم، فيرفض الانسجام مع قوالب المجتمع الجاهزة. وأشار الكتاب إلى نماذجَ من مشاهيرَ "لامنتمين" مثل نيتشه، ديستوفسكي، فوكنر، كافكا، سارتر، فان جوخ، برنارد شو، وآخرين من أفذاذ هذا الكوكب ومجانينه المبدعين. أليس أولئك متروكين جانبًا مثل بطل الفيلم الناجي الوحيد من الطائرة المحطمة الذي سقط في جزيرة معزولة؟ جميعهم نفروا من المجتمع بعدما أخفقوا في التكيف معه؛ لأن شروطَ المجتمع "الصعبة" لا تتفقُ مع شروطهم "الصعبة". وانعكس هذا "اللانتماء" بالطبع في أعمالهم الفنية والفكرية والإبداعية.
الإنسان قد لا يحتاج إلى الناس طوال الوقت، لكنه يحتاج دائمًا إلى أن يعرف أنهم موجودون. ثم نختارُ فردوس الوحدة، بإرادتنا الكاملة، لا مرغمين عليها. نغلق الباب، ونحن مطمئنون إلى أن المدينة لاتزال تتنفس خارج النافذة. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم، والمقاهي تضج بالأحاديث، ودور العبادة عامرة بالمُصلّين، وامرأة تشتري الخبز لأطفالها، وعاشقان يرسمان المستقبل بخيالهما. يطمئنني أن كل ذلك يحدث، حتى لو لم أشارك فيه. وجوده يكفيني لأشعر بالأمان. هذا سرُّ خوفي من حلمي القديم، الذي يزورني بين الحين والحين. ليس الخوف من الوحدة، بل من اختفاء نبض الإنسانية.
مقام السؤال:
ما الذي يمنح وجودنَا معناه: الناسُ، أم يقيننا أنهم موجودون؟ هل نخاف الوحدة، أم نخاف أن ينطفئ العالمُ من حولنا؟
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها
- شجرةُ الأقدارِ البديلة… الغصنُ الأعوج
- مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة
- 90 دقيقة من الأمل… والهدف الرابع


المزيد.....




- الحردلية.. من المدرسة الدينية إلى ساحات الحرب
- تصعيد في الأقصى: 40 ألف مستوطن اقتحموا المسجد منذ مطلع العام ...
- 300 مستوطن يقتحمون الأقصى تزامنا مع بدء موسم الأعياد اليهودي ...
- ألمانيا.. استقالة مفاجئة لنائبة الأمين العام للحزب الديمقراط ...
- كتلة صويانا ترفض تدخل القوى السياسية في الشأن الداخلي للمكوّ ...
- الفاتيكان: تعيين رئيس أساقفة معاون لأبرشية الرباط خلفا للكار ...
- ترمب واليهود المناهضون للصهيونية: هل بدأ يتصدع احتكار إسرائي ...
- المشكلة اليهودية ومشروعات الاستيطان بين إسرائيل -العبرية- وب ...
- تاريخ موجز لإنحسار الوجود المسيحي المعاصر في العراق
- الشيخ عكرمة صبري: جيش الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية للانقض ...


المزيد.....

- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الهروبُ من الاستنزاف1