أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات














المزيد.....

اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 10:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين نبحثُ في سرِّ الحضارة، نذهب فورًا إلى ما خلّفه الإنسانُ من خوالد الأثر: حجرٍ مُعشّقٍ في حجر، معبدٍ مُمتشق على أعمدة تشقُّ عنان السماء، خزائنَ عامرةٍ بالمخطوطات، جدارياتٍ تحكي وحفائرَ تتكلم، وتماثيلَ استعصت على الزمان أن يناوئها. لكن هذه الآثار الفخمة ليست إلا الجسدَ المرئيَّ للحضارة. أما روحُها فتتخفّى في خبيئة آخرى. خبيئة لا تُرى، لكنها العمود الراسخ الذي إن تهاوى، سقط الحجرُ وتداعى الأثر. إنه "القانون". فكيف تَخلُد حضارةٌ لو لم يدرك ساكنوها أن للآخر حقًا يساوي حقهم؟ ما الذي يبقى من دولة، لو كان بوسع الأقوى أن يظلم الضعيف ويغتصب ما ليس له؟ تلك هي فوضى الغابة التي استبدلت بها الحضاراتُ: الحقَّ والعدلَ، فنشأ الجمالُ واستقامت الحضارة على عودها. القانون هو صخرةُ الحضارات الذي يجعل الغرباء يعيشون معًا، دون أن يتحول الاختلافُ إلى معركة، والنوازعُ إلى اغتصاب، والقوةُ إلى بطش.
من العسير أن تفكر في الحضارة بعيدًا عن القانون. فالحضارة ليست أن يعرف المهندسون كيف يصممون المساقط ويشيدون العمارة، بل أن يسكنَ المرءُ دون أن يهدم بيت جاره. الحضارةُ ليست أن يخترع الإنسانُ السلاح ليحمي نفسه، بل ألا يبطش به إن تمكّن. القانون هو مساحة مثلث شريف من أسماء الله الحُسنى: الحقّ-العدل- الحَكَم. الحقُّ غايةُ القانون، و
العدلُ ميزانُه، والحُكم يدهُ الفاعلة وسلطانه. إذا سقط ضلعٌ من هذا الثالوث النبيل، انهدمت المعادلة، وصار القانون نصًّا بلا روح، أو سلطة بلا عدل، أو عقوبة دون حق.
وكانت حضارتُنا المصرية من أعمق الحضارات القديمة إدراكًا لهذا. “ماعت"لم تكن ربّة الضمير والعدالة وحسب، بل كانت رمزًا للحق والأخلاق واتزان النظام الكوني. لهذا زيّنت هامتَها ريشةُ "نعامة"؛ حيث "رمزية التناظر". إذ يتماثلُ عددُ الشعيرات على جانبي القصبة المركزية لريشة النعامة، فأضحتْ رمزًا للنظام الكوني والتوازن بين الخير والشر، والحق والباطل، العدل والظلم. ولم يكن غريبًا أن تنشأ على ضفاف النيل واحدة من أعظم التجارب الإنسانية في تحويل الأخلاق إلى قواعدَ وقوانينَ تنظم المجتمع. فقد أدرك المصريُّ القديم مبكرًا أن المجتمع لا يستقيم بالقوة بل بالعدل. فابتكر "قانون ماعت"، قانون الضمير والأخلاق بالغ الرقي، ليجعل الإنسان مسؤولًا عن علاقته بالنبات والحيوان والنهر، وبالمستضعفين من البشر: اليتيم، والكسيح، والمشلول، والأعمى. وكانت اعترافات المتوفى أمام محكمة العالم الآخر تصوّرًا لمحاسبة الإنسان يوم الفصل.
في ١٩٦٥ عُقد مؤتمرُ "السلام عبرَ القانون" واختير يوم ١٣ سبتمبر من كل عام ليكون "اليوم العالمي للقانون"، لتكريس فكرة أن يحل القانونُ محلَّ السلاح، والمحكمةُ محلَّ ساحة القتال، والعدلُ محلَّ غريزة التجبر والاستقواء.
وشهدنا قبل أيام الدورة السادسة من الاحتفال السنوي بيوم القانون الذي تنظمه "المؤسسة العربية للسلام والتنمية" برئاسة المستشار الجليل "كمال خليفة عبد الرحمن"، بالتعاون مع "المركز الأممي للقانون" و"مركز كميت للتحكيم الدولي"، بحضور نخبة من رجالات القانون والشخصيات العامة، بينهم الفرائد: "إبراهيم محلب"، و"عمرو موسى"، و"علي عبد العال"، و"محمد العرابي"، وعدد من القضاة ورؤساء المحاكم والنيابات من مصر والعالم العربي، بالإضافة إلى الفنان "خالد الصاوي" خريج كلية الحقوق، الذي نشأ في بيتٍ عريقٍ في القانون؛ فأبوه وجدّه من رموز القضاء. وغاب عن الحفل هذا العام المستشار "أحمد الزند" لمرضه، لكنه كان حاضرًا على شاشات القاعة وفي كلمات المكرمين من رعيل حملة لواء القانون والقضاء. شكرًا لصناع هذا اللقاء السنوي الذي يجتمع فيه أهل القانون، وتُستعاد سِيَرُ الرواد، ويُكرَّم أصحابُ العطاء، فالوفاءُ برد الجميل رافدٌ من روافد الحق. في هذا اللقاء، نتذكر أن القانون ليس موادَّ جامدة على صفحات التشريع، ولا سيفًا مُشهرًا فوق أعناق البشر، بل هو أحد أعظم اختراعات الإنسان لتنظيم نوازعه وحمايته من نفسه ومن الآخر.
من الأحاديث القدسية التي علينا تأملُها كل نهار قوله تعالى على لسان رسولنا عليه الصلاة والسلام: “يا عبادي إنّي حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرّمًا، فلا تظالموا.” أمرٌ جلل أن يُحرّم اللهُ تعالى شيئًا على نفسه، قبل تحريمه على عباده! لهذا ففكرة "العدل" في قاموسي ليست كلمة شريفة، وقيمة عليا فحسب، بل هي هولٌ عظيم واختبارٌ دقيق. لهذا نذرتُ له قلمي. وكم كنتُ أتوق لدخول كلية الحقوق، ولكن رغبة جدي أن أدرس الهندسة مثله، حالت دون تحقيق هذا التوق. لهذا كانت سعادتي بالغة بتكريمي في "اليوم العالمي للقانون" ومنحي لقب "سفيرة فوق العادة" ضمن قامات رفيعة من المنشغلين بفكرة العدالة، في مصر والوطن العربي.
مقام السؤال:
إذا حرّم اللهُ تعالى الظلمَ على نفسه، كيف يتجاسر إنسانٌ على ظلم إنسان؟!



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة
- أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!
- المونودراما
- انتصرت مصرُ… وغادرتْ
- لغةُ -الأعلام-… وبلاغتُها


المزيد.....




- -سبقتني إلى الجنة-.. منير البرش يودع نجله ويروي آخر حديث جمع ...
- قداسة البابا يدشن الكاتدرائية الجديدة ويفتتح مبنى الخدمات وي ...
- بحضور محافظ بني سويف.. قداسة البابا يضع حجر أساس كاتدرائية ا ...
- مصر.. اكتشاف مقابر أثرية منحوتة في الصخر بتل اليهودية
- حين يُصدر خبير الأمن فتوى في اللاهوت.. عن استحالة الظلم الإل ...
- سبقتني إلى الجنة.. البرش يودع ثاني أبنائه من شهداء الإبادة ا ...
- الأعياد اليهودية تغلق معابر غزة وتفاقم ارتفاع أسعار السلع
- منصة رقمية لرصد الاعتداءات على المساجد في هولندا
- فوق السلطة.. أمريكا تنتظر المسيح الدجال وطحالب مصرية تقطع ما ...
- ألمانيا: دعوات لحماية أكبر لليهود بعد محاولة إحراق كنيس قبيل ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات