أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - حكاية الورقة الأولى














المزيد.....

حكاية الورقة الأولى


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 10:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقامُ السؤال
استكمالا لمقالي السابق: “الشارع مقياسُ الحضارة، الذي سردتُ فيه حكايا، وأرجأت بعضَها، أقصُّ عليكم اليوم حكاية "الورقة الأولى”.
في ثلاثينيات القرن الماضي، كان هناك شخصٌ يمشي في أحد شوارع القاهرة، وسقطت منه ورقة. التقطها رجلٌ كان يسيرُ خلفه، وقال له: - “يا أستاذ، وقعت منك حاجة.”، التفت إليه الشخصُ وقال بلا اكتراث: - “ لأ، أنا رميتها.” فاندهش الرجلُ وقال: - “ليه؟!”، فاندهش الشخصُ وهتف بحدّة: “رميتها عشان مش عاوزها. قمامة يعني! أنت مال حضرتك؟" وهمَّ بالانصراف غاضبًا من سماجة الرجل اللحوح. لكن اللحوحَ استمر في لجاجته وصرخ بغضب: - “يعني إيه قمامة؟! الشارع مش صندوق قمامة حضرتك!” تشاجرا. ثم مضى كلٌّ في طريق، وظلّت الورقة على الأرض لا يعبأ بها أحدٌ.
في اليوم التالي مرّ الشخصُ في الشارع نفسه، وضبطه الرجلُ يُلقي علبة سجائر فارغة، فأسرع إليه وأكمل مشاجرة الأمس: - “يا أستاذ ميصحش كده، ماترميش قمامتك في الشارع.” ردَّ الشخصُ بنفاد صبر: - “يا افندي أنت مالك ومالي؟ عيب تتدخل في شؤوني! أمرك عجيب والله!” وتركه ومضى. في اليوم الثالث، ألقى الشخصُ شيئًا، وبحث بعينيه عن غريمه، فوجده ينظرُ إليه من بعيد والشررُ يتطاير من عينيه، وكأنه يُكمل الشجارَ صمتًا. ابتسم الشخصُ ثم قهقه قهقهةَ المنتصر، ومضى. في اليوم الرابع التقى الغريمان، ألقى الأول مُخلّفةً، ونظر إليه الثاني، ولم يبدُ اهتمامًا. فنحن لا نهتم بما يجري يوميًّا، سواء كان جميلا كإشراق الشمس من غبش الضُّحى، أو خروج زهرة من برعمها، أو رقرقة صفحة النيل تحت نسمات الهوى. أو كان قبيحًا، كشابٍّ يسخر من عجوز تعبرُ الطريق على مهلٍ، أو ذكرٍ يتحرّش بفتاة. ما تعتاده عيونُنا يمرُّ دون سؤال.
في اليوم الخامس، ألقى الشخصُ شيئًا، وابتسم. فردَّ له الرجلُ ابتسامتَه، وهو يضربُ كفًّا بكف. في اليوم التالي ألقى الرجلُ الثاني ورقةً على الأرض، وضبطه الشخصُ. التقت عيونُ الخصمين، وفجأةً انفجرا في الضحك، ومضى كلٌّ إلى حال سبيله، وقد اطمأن الشخصُ أن رسالته وصلت مبتغاها، وانطلقت كوادرُ جديدةٌ من أتباعه ينشرونها في الأرض. أما الورقة المنسية، فلم تعد تعاني الوحدةَ والهجر. فقد لحقتها ورقةٌ أخرى وأوراق وعلبٌ وفوارغُ وأكياسٌ حٌبلى بالقمامة، حتى اختفت تحت أكوامٍ وهضابٍ وتلال صلدة زلقة، يرمقُها الناسُ بأطراف عيونهم دون اهتمام، وهم يغذوّنها بالمزيد حتى تعلو وتتشاهق، وتصير أحدَ المعالم المميزة لمدينة جميلة، كانت من أنظف وأجمل مدن العالم.
في الحكاية السابقة ذكرتُ أمرين. كذبتُ في واحد، وصدقتُ في الثاني. واقعة الشخصين والورقة الأولى، كانت من نسج خيالي، لكنني أكاد أراها رأي العين. فمثلما بدأ الهرمُ الأكبرُ العظيمُ بحجر أول، بدأ جبلُ القمامة بورقة صغيرة مُلقاة. أما حكاية المدينة الجميلة النظيفة، فهي حقيقة تاريخية موثّقة. ففي عام ١٩٢٥، نالت القاهرة وسامَ: "أجمل وأنظف مدينة في حوض البحر المتوسط". وكانت نظافة شوارع قاهرتنا وانتظامها جزءًا من المعايير العالمية التي أهلتها لاستحقاق ذلك الوسام الرفيع. كانت شوارعُنا تُغسل بالماء والصابون، والأرصفة خالية من الإشغالات، تحتلها أكشاكُ الموسيقى ومحالُ الزهور والمكتبات، وكان الشجرُ يُغسل ويُروى، ولا تُجزُّ جذورُه، أو تُنحرُ سيقانُه بمعاول القُساة.
لم يعد أحدٌ يعبأ بالورقة الأولى ولا يتذكّر: أين دُفنت؟ ولا بالورقة الأخيرة: مَن ألقاها؟ لم يعد أحدٌ يعبأ أصلا بالسؤال، ولا بالشِّجار غيرةً وغضبًا من تلوّث الطرقات والعيون والأنوف والصدور. صار الناس يُلقون مخلفاتهم وهم يتسامرون ويضحكون ويمرحون. ثم يفترقون بعدما يتواعدون للقاء اليوم التالي؛ ليُكملوا مشوار الحياة والإلقاء. ولم يعد للورقة الأولى أملٌ في أن يرفعها أحدٌ لكي ترى النور وتتنفس، ثم تذهب إلى حيث ينبغي.
تلك واحدة من أخطر قدراتنا البشرية وأكثرها غموضًا وعجبًا: قدرتنا على الاعتياد. نعتاد الضوضاء، فلا نعود نسمعها. نعتاد الفوضى، فلا تعود تستفزنا. نعتاد القبحَ، حتى يغدو جزءًا أصيلا من المشهد. ونعتاد الخطأ، فيصيرَ الاعتراضُ عليه هو الخطأ. ويغدو الخطأ عادةً، وتصبحُ العادةُ سلوكًا، ويضحى السلوكُ ثقافة، وتُمسي الثقافةُ عُرفًا صخريًّا صامدًا لا يُهدم. وإذا حدث وَوُوُجِه القبحُ باعتراضٍ خجول أو بقانونٍ رادع، تُحلُّ الأزمةُ بكلمة: “معلش"!
والأخطر والأعجبُ من اعتياد القبح، اعتيادُ الجمال. نعتادُ حُسن الزهور فلا تعودُ تبهجنا، نعتاد ضياءَ القمر فلا يستفز فينا القصيدة، نعتادُ عذوبةَ صدح الطيور فلا تعود تُطربنا، نعتادُ شعاع الفجر الأول، فلا نصحو من نومنا لنشاهده ونسبّح الله ونشكره على كل هذا الجمال.
مقام السؤال:
حين ترى ورقة مُلقاةً في الطريق اليوم، هل بوسعك رسم شجرة النسب، لتعرف مدى قرابتها بجدّتها الورقة الأولى التي أُلقيت قبل مائة عام؟



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -صديقي أو أي لقبٍ آخر-… عمارةُ الشتات
- الشارعُ … مقياسُ الحضارة
- الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية
- اليوم العالمي للقانون… صخرةُ الحضارات
- “وسيم السيسي-… سلامتك!
- الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!
- الهروبُ من الاستنزاف1
- في سبتمبر… أمشي على أطراف أصابعي
- -لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي
- أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!
- -مينا يوسف-... من نسيج النبل المصري
- هَيا… بسملة… جميلتان... وسؤال
- أبي… وأبي… ويدي اليسرى
- -الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-
- -فتاة المترو-… حين تتذكّرُ الحكايةُ كاتبَها
- عن الزلزال… سألوني!
- -مصنع السحاب-… خطيئةٌ اسمُها -الوعي-
- أنا... -ربَّةُ منزل-
- المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال
- هاني شنودة…الذي غنّى للحياة


المزيد.....




- دعا الى الاستثمار في مستقبل الشباب المسيحي كجزء من بنية الاق ...
- على بعد خطوات منه.. 35 قرارا إسرائيليا تفصل فلسطينيا عن المس ...
- الكنيسة الأرثوذكسية الصربية تحذر من تهميش الوجود المسيحي في ...
- مجزرة في حي الرمال تودي بحياة أكاديمية وسيدتين من رعية الكني ...
- -اليهودية الجديدة- التي تعيد تشكيل إسرائيل
- الرئيس عون يجدد دعوته إلى شيخ الأزهر لزيارة لبنان
- رئيس كتلة صويانا يستحضر مواقف -مام جلال- تجاه المسيحيين بعد ...
- دُفن بالزي الإسرائيلي ملفوفا بعلم مصر.. قصة -العميل 1001- ا ...
- اتهام رجلين إيرانيين بالتخطيط -لعمل إرهابي- ضد الجالية اليهو ...
- بريطانيا توجه اتهامات لإيرانيين بالتخطيط لهجوم إرهابي ضد الج ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - حكاية الورقة الأولى