مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:28
المحور:
القضية الكردية
لا يمكن للدولة التركية أن تتقدم خطوة حقيقية نحو حل القضية الكوردية ما لم تحسم خلافها التاريخي مع تقاليدها القومية ودستورها الذي جعل من الهوية التركية إطاراً إلزامياً للانتماء إلى الدولة. فالمشكلة ليست في الكورد وحدهم، ولا في التنظيمات التي حملت السلاح، بل في بنية سياسية لم تستوعب بعد حقيقة التعدد القومي والثقافي داخل حدودها.
منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ظلت القضية الكوردية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الدولة الحديثة. فعلى امتداد قرن كامل، تعاقبت الانتفاضات والثورات والمواجهات المسلحة، من ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، مروراً بثورة آرارات بقيادة إحسان نوري باشا، وانتفاضة درسيم بقيادة السيد رضا عامي 1937-1938، وصولاً إلى الصراع الطويل الذي خاضه حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984.
تغيرت الحكومات، وتبدلت التحالفات السياسية، وتعاقب رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزراء، لكن جوهر المشكلة ظل قائماً: دولة تتمسك بمفهوم مركزي أحادي للهوية الوطنية، وشعب يطالب بالاعتراف بوجوده القومي وحقوقه السياسية والثقافية واللغوية.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس ما إذا كانت تركيا مستعدة لإنهاء الصراع المسلح مع الكورد، وإنما ما إذا كانت مستعدة لإعادة النظر في الأسس الفكرية والدستورية التي جعلت هذا الصراع ممكناً ومستمراً طوال مئة عام.
أولاً: المشكلة في عقيدة الدولة وليست في السلاح الكوردي وحده
من الأخطاء السياسية والمنهجية اختزال القضية الكوردية في حزب العمال الكوردستاني أو في أي تنظيم سياسي أو عسكري آخر.
فالحركة الكوردية، بمختلف تياراتها وتوجهاتها، لم تظهر من فراغ، وإنما تشكلت في سياق تاريخي ارتبط بسياسات الإنكار القومي، وتقييد اللغة والهوية، ومركزية السلطة، والتعامل الأمني مع المطالب السياسية والثقافية.
لقد أثبت التاريخ أن القضاء على تنظيم مسلح لا يعني القضاء على القضية التي أنتجته، وأن الانتصار العسكري لا يتحول بالضرورة إلى انتصار سياسي دائم.
فتركيا استطاعت خلال القرن الماضي احتواء انتفاضات كوردية وهزيمة حركات مسلحة، لكنها لم تتمكن من إنهاء المسألة الكوردية، لأنها تعاملت مع مظاهر الأزمة أكثر مما تعاملت مع جذورها.
ومن هنا، فإن أي مشروع سلام لا يبدأ بمراجعة فلسفة الدولة القومية التركية سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الصراع، حتى لو نجح مؤقتاً في إنهاء المواجهة المسلحة.
ثانياً: الدستور التركي.. القيد الذي يصعب تجاوزه
تكمن إحدى أهم الإشكاليات في البنية الدستورية للجمهورية التركية، ولا سيما دستور عام 1982، الذي لا يزال يشكل الإطار القانوني الأساسي للدولة.
فالمادة الثالثة منه تنص على أن الدولة التركية، بأرضها وأمتها، كيان لا يتجزأ، وأن لغتها هي التركية.
لكن الإشكالية الأكثر عمقاً تكمن في المادة الرابعة، التي تحظر تعديل المادة الثالثة أو حتى اقتراح تعديلها.
وهنا تظهر مفارقة دستورية وسياسية بالغة الأهمية: كيف يمكن بناء صيغة دستورية جديدة تعترف بالتعدد اللغوي والقومي، بينما تضع المادة الرابعة قيداً على تعديل النص الذي يكرس اللغة التركية بوصفها لغة الدولة؟
وتضاف إلى ذلك المادة السادسة والستون، التي تنص على أن كل شخص يرتبط بالدولة التركية برابطة المواطنة هو تركي.
كما تتضمن المادة الثانية والأربعون قيداً على تدريس لغات غير التركية بوصفها لغة أم في المؤسسات التعليمية.
صحيح أن الدستور يتضمن أيضاً المادة العاشرة التي تقرر المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس اللغة أو العرق أو غيرهما، لكن وجود مبدأ المساواة لا يلغي تلقائياً الإشكاليات المتعلقة بالاعتراف بالهوية والحقوق اللغوية والثقافية الجماعية.
إن هذه النصوص ليست مجرد مواد قانونية منفصلة، بل تعكس تصوراً تاريخياً لطبيعة الدولة والمواطنة والانتماء الوطني.
ولذلك، فإن إصلاح العلاقة بين الدولة التركية والكورد لا يمكن أن يقتصر على تعديلات إجرائية أو قرارات حكومية مؤقتة، وإنما يتطلب مراجعة دستورية عميقة تعيد تعريف المواطنة على أساس المساواة بين المواطنين، دون فرض هوية قومية واحدة عليهم.
فالدولة التي لا تستطيع الاعتراف بتعدد مكوناتها لا يمكنها بناء مواطنة متساوية ومستقرة على المدى البعيد.
ثالثاً: هل تريد أنقرة السلام أم إنهاء الحالة الكوردية المسلحة؟
تثير المبادرة السياسية التي بدأت ملامحها بالظهور منذ خريف 2024، والدعوة التي أطلقها عبد الله أوجلان في 27 شباط/فبراير 2025، ثم قرار حزب العمال الكوردستاني حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح في أيار/مايو 2025، أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة الجديدة.
لا شك أن إنهاء الصراع المسلح يمثل مصلحة مهمة للمجتمعين الكوردي والتركي، بعد عقود من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن المشكلة تكمن في طبيعة المقابل السياسي والقانوني الذي سيحصل عليه الكورد.
فإذا كانت الدولة التركية تطالب الحركة الكوردية بالتخلي عن السلاح، وإنهاء بنيتها العسكرية والتنظيمية، فعليها أن تقدم في المقابل ضمانات حقيقية تتعلق بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية والدستورية.
أما أن يتحول نزع السلاح إلى شرط مسبق، بينما تبقى الإصلاحات السياسية والدستورية مؤجلة أو معلقة على حسابات السلطة، فإن ذلك يخلق اختلالاً واضحاً في معادلة التفاوض.
والأخطر أن يتحول مسار السلام إلى تفاهم بين الدولة وقيادات الحركة، دون أن يكون المجتمع الكوردي شريكاً حقيقياً في تحديد مستقبله السياسي.
فالقضية الكوردية أكبر من حزب العمال الكوردستاني، وأكبر من عبد الله أوجلان، كما أن مستقبل الشعب الكوردي لا يمكن اختزاله في مصير أي قائد أو تنظيم.
إن إنهاء الكفاح المسلح ينبغي أن يكون بداية لمسار الاعتراف السياسي، وليس بديلاً عنه.
رابعاً: بين أردوغان وبهجلي.. هل تغيرت عقيدة الدولة التركية؟
من المهم التمييز بين التحولات التكتيكية في السياسة التركية والتحولات البنيوية في عقيدة الدولة.
فقد شهدت تركيا في مراحل مختلفة انفتاحات سياسية ومبادرات تفاوضية تجاه الكورد، لكنها لم تنجح في تحويل تلك المبادرات إلى تسوية تاريخية مستقرة.
وتبرز في المرحلة الراهنة مفارقة تستحق الدراسة: دولت بهجلي، المعروف بمواقفه القومية المتشددة، هو أحد أبرز الداعمين لفتح مسار سياسي جديد مع أوجلان والحركة الكوردية، بينما يقود رجب طيب أردوغان السلطة التنفيذية التي يتوقف عليها جانب أساسي من تنفيذ أي تسوية.
لكن هذا التحول في الخطاب والمواقف لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول في فلسفة الدولة التركية.
فالمعيار الحقيقي ليس ما يقوله السياسيون في خطاباتهم، وإنما ما إذا كانت الدولة مستعدة لتعديل قوانينها ودستورها، وإعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالهوية واللغة والإدارة المحلية والتمثيل السياسي.
إن استمرار البنية القومية المركزية، مع تقديم تنازلات محدودة في الملفات الأمنية والتنظيمية، قد يؤدي إلى إنهاء مرحلة من الصراع دون معالجة أسبابه التاريخية.
وهنا ينبغي مراقبة الفارق بين خطاب المصالحة ومضمون الإصلاح.
خامساً: مئة عام من الصراع.. هل يعيد التاريخ نفسه؟
من ثورة الشيخ سعيد إلى ارارات و درسيم، وصولاً إلى تجربة حزب العمال الكوردستاني، تكشف التجربة التاريخية عن نمط متكرر من العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكوردية.
ففي كل مرحلة تقريباً، كان الصراع ينتهي عسكرياً أو يتراجع بفعل موازين القوى، لكن المطالب المرتبطة بالهوية واللغة والحقوق السياسية لم تختفِ.
وهذا يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: لماذا لم تستطع الدولة التركية، رغم امتلاكها مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية قوية، إنتاج تسوية نهائية مع الكورد؟
إن الإجابة لا تتعلق فقط بموازين القوى أو التدخلات الخارجية، بل ترتبط أيضاً بطبيعة الدولة نفسها.
فحين تتحول الهوية القومية للدولة إلى معيار إلزامي للانتماء السياسي، تصبح المطالب المتعلقة بالاعتراف بهويات أخرى موضع اشتباه أمني أو تهديد لوحدة الدولة.
وهكذا تدخل البلاد في دائرة مغلقة: يطالب الكورد بالاعتراف، فتتعامل الدولة مع المطالب من منظور أمني، وتتولد مقاومة جديدة، ثم تعود الدولة إلى استخدام القوة، قبل أن تفتح باب التفاوض عندما ترتفع تكلفة المواجهة.
إن كسر هذه الدائرة لا يكون بتغيير القيادات أو التنظيمات فقط، وإنما بتغيير القواعد التي أنتجتها.
سادساً: انعكاسات المعضلة التركية على شعوب المنطقة
لا تقتصر تداعيات القضية الكوردية على الحدود التركية، بل تمتد إلى كامل الجغرافيا الإقليمية.
فتركيا التي تنظر إلى المسألة الكوردية باعتبارها قضية أمن قومي، تتعامل معها أيضاً ضمن حسابات علاقاتها مع إقليم كوردستان العراق، والقوى الكوردية في سوريا، والتطورات المرتبطة بالكورد في إيران.
وفي هذا السياق، فإن استمرار غياب التسوية السياسية داخل تركيا ينعكس على التوازنات الإقليمية، ويجعل القضية الكوردية أحد العوامل الدائمة في التوتر بين دول المنطقة.
كما أن تحويل المسألة الكوردية إلى ملف أمني عابر للحدود يفاقم تعقيد العلاقات بين أنقرة وبغداد وأربيل ودمشق.
ولا ينبغي إغفال أن استمرار هذا الصراع لا يلحق الضرر بالكورد وحدهم، بل ينعكس أيضاً على الأتراك والعرب وسائر شعوب المنطقة، من خلال عسكرة المجتمعات، واستنزاف الموارد، وإضعاف فرص التنمية والتعاون الاقتصادي والاستقرار السياسي.
فالمجتمعات التي تعيش تحت وطأة الصراعات القومية والأمنية لا تستطيع توجيه طاقاتها نحو التنمية وبناء المؤسسات وتحقيق الازدهار.
ومن هنا، فإن معالجة القضية الكوردية ليست مصلحة كوردية حصرية، وإنما ضرورة سياسية واستراتيجية للاستقرار الإقليمي.
سابعاً: السلام الحقيقي يبدأ من مراجعة الدولة لنفسها
إن المخرج من المعضلة التاريخية لا يكمن في مطالبة طرف واحد بتقديم التنازلات، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس دستورية وسياسية جديدة.
وهذا يتطلب خطوات واضحة، في مقدمتها:
1. مراجعة المواد الدستورية التي تكرس الهوية القومية الأحادية للدولة، وفتح نقاش جدي حول القيود التي تفرضها المادة الرابعة.
2. الاعتراف بالهوية الكوردية بوصفها جزءاً أصيلاً من التكوين التاريخي والاجتماعي لتركيا.
3. ضمان الحقوق اللغوية والثقافية، بما فيها التعليم باللغة الكوردية وتطوير المؤسسات الثقافية والإعلامية.
4. إعادة الاعتبار للمشاركة السياسية المحلية، واحترام نتائج الانتخابات البلدية، وإنهاء الممارسات التي تنتقص من إرادة الناخبين.
5. إصلاح التشريعات التي تسمح بتجريم النشاط السياسي السلمي تحت عناوين أمنية فضفاضة.
6. توفير ضمانات قانونية ومؤسساتية تمنع التراجع عن أي اتفاق سياسي مستقبلي.
7. فتح المجال أمام مشاركة ممثلي المجتمع الكوردي بمختلف اتجاهاتهم في صياغة التسوية، وعدم حصر القضية في تفاهمات بين الدولة وقيادة تنظيم واحد.
هذه ليست مطالب انفصالية بالضرورة، بل شروط لبناء دولة مواطنة تستطيع استيعاب تعددها القومي والثقافي ضمن إطار سياسي ودستوري مشترك.
ثامناً: تركيا أمام اختبار تاريخي
إن ما تواجهه تركيا اليوم ليس مجرد تحدٍ أمني يتعلق بحزب العمال الكوردستاني، وإنما اختبار تاريخي يتعلق بمستقبل الجمهورية وهويتها السياسية.
فإما أن تستفيد الدولة من هذه اللحظة لإعادة صياغة علاقتها مع الكورد، وتنتقل من مفهوم الدولة القومية الأحادية إلى مفهوم المواطنة المتساوية والتعددية الدستورية، وإما أن تكتفي بإنهاء المظهر العسكري للصراع، مع الإبقاء على أسبابه السياسية والفكرية.
وفي الحالة الثانية، لن يكون من المستغرب أن تستمر حالة عدم الثقة، وأن تبقى المسألة الكوردية مفتوحة أمام أجيال جديدة من التوتر والمواجهة.
فالتاريخ لا يعيد إنتاج نفسه بالضرورة من خلال الأشخاص والتنظيمات ذاتها، لكنه قد يعيد إنتاج الأزمات نفسها عندما تبقى الأسباب البنيوية دون معالجة.
إن الدولة التركية مطالبة اليوم بأن تحسم خلافها مع إرثها القومي، لا أن تطلب من الكورد وحدهم حسم خلافهم مع تاريخهم السياسي والعسكري.
فلا يمكن بناء سلام دائم بعقلية المرحلة التي أنتجت الحرب، ولا يمكن الحديث عن أخوة الشعوب بينما تبقى هوية أحد مكونات الدولة موضع خلاف أو تحفظ دستوري.
إن القضية الكوردية لن تجد طريقها إلى الحل ما لم تتصالح تركيا مع حقيقة أنها دولة متعددة المكونات، وأن وحدة الدولة لا تستلزم وحدة الهوية القومية، وأن الاعتراف بالتعدد لا يمثل تهديداً لسيادتها، بل يمكن أن يكون أحد أهم أسس استقرارها.
فالسلام الذي لا يغير بنية العلاقة بين الدولة ومواطنيها ليس سوى هدنة قابلة للانهيار.
وإذا لم تدرك أنقرة هذه الحقيقة، فإنها قد تنجح في إنهاء تنظيم مسلح، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنهاء القضية التي نشأ ذلك التنظيم في سياقها.
وبعد مئة عام من الصراع، لم يعد السؤال المطروح: هل يستطيع الكورد التكيف مع الدولة التركية؟ بل أصبح: هل تستطيع الدولة التركية أن تتكيف مع حقيقة التعدد القومي داخلها؟
هذا هو السؤال الذي يتوقف عليه مستقبل تركيا، ومستقبل الكرد، وجزء مهم من استقرار الشرق الأوسط.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟