أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من الإدارة الذاتية إلى تثبيت الحقوق: قراءة تحليلية في مستقبل القضية الكوردية في سوريا بعد التحولات العسكرية والسياسية (2025-202















المزيد.....



من الإدارة الذاتية إلى تثبيت الحقوق: قراءة تحليلية في مستقبل القضية الكوردية في سوريا بعد التحولات العسكرية والسياسية (2025-202


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:38
المحور: القضية الكردية
    


ملخص
تبحث هذه الدراسة في مآلات القضية الكوردية في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد وما تلاه من اتفاقات بين السلطة الانتقالية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. وتنطلق من فرضية مفادها أن الانتقال من نموذج الإدارة الذاتية إلى مؤسسات الدولة لا يُنهي القضية القومية، لكنه ينقل ميدان الصراع من السيطرة العسكرية والإدارية إلى الضمانات الدستورية والمؤسساتية. وتخلص إلى أن الهدف الاستراتيجي الأنسب للقوى الكوردية ليس استعادة الشكل السابق للإدارة الذاتية بالضرورة، بل ضمان ألا يؤدي زوال ذلك الشكل إلى زوال الحقوق والمكتسبات التي نشأت في إطاره. وتعتمد الدراسة على الوثائق الرسمية وتقارير مؤسسات دولية وبحثية، وتميّز بين ما تحقق فعلياً حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026 وما لا يزال في إطار التعهدات السياسية.

الكلمات المفتاحية:
القضية الكوردية؛ سوريا؛ الإدارة الذاتية؛ قوات سوريا الديمقراطية؛ اللامركزية؛ الضمانات الدستورية؛ المرحلة الانتقالية.

أولاً: المقدمة وإشكالية الدراسة
تمر القضية الكوردية في سوريا بإحدى أكثر مراحلها حساسية منذ عام 2011. فبعد أكثر من عقد من التحولات العسكرية والإدارية، وما رافقها من تضحيات في مواجهة تنظيم داعش وبناء تجربة سياسية وأمنية في شمال وشرق سوريا، دخلت المنطقة طوراً مختلفاً في طبيعته وتوازناته.
فقد فرض سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وصعود سلطة جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، إعادة النظر في المعادلات التي حكمت العلاقة بين الإدارة الذاتية والسلطة المركزية. ولم يعد السؤال متصلاً بالحفاظ على مناطق النفوذ أو استمرار المؤسسات القائمة، بل بموقع الكورد في الدولة السورية الجديدة، وطبيعة الاعتراف السياسي والقانوني بهويتهم وحقوقهم.

وتتابعت المحطات الرئيسة على النحو الآتي. نص اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الشرع ومظلوم عبدي على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، والاعتراف بالكورد جزءاً أصيلاً من الدولة السورية، وضمان حقوقهم الدستورية (1). ثم تعثر التنفيذ بسبب الخلاف على آليات الدمج، واندلعت مواجهات عسكرية مطلع عام 2026. وفي 18 كانون الثاني/يناير 2026 وُقّع اتفاق لوقف إطلاق النار والاندماج (2)، أعقبه تفاهم شامل في 29 و30 من الشهر ذاته تضمن ترتيبات عسكرية وإدارية وأمنية (3). وفي 25 آب/أغسطس 2026 أعلن عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية قوةً عسكرية مستقلة بعد دمجها في تشكيلات الجيش السوري، وفق ما أوردته السلطات السورية (10).

من هنا تتحدد إشكالية الدراسة في أربعة أسئلة مترابطة:
1. هل انتهى مشروع الإدارة الذاتية أم تغيرت أدواته؟
2. ما الضمانات التي تحول دون تحول الاندماج إلى تفكيك تدريجي للمكتسبات؟
3. أي نموذج للعلاقة مع دمشق هو الأكثر واقعية واستدامة؟
4. ما التغيرات التي ينبغي أن تتحقق خلال السنوات الثلاث المقبلة ليستشعر المواطن الكوردي أن التضحيات لم تذهب سدى؟

ثانياً: الإطار المنهجي وحدود الدراسة
تعتمد الدراسة منهجاً تحليلياً استراتيجياً لا خطابياً، ولا تنحاز إلى طرف بعينه. وتستند إلى نصوص الاتفاقات والقوانين المنشورة، وإلى تقارير جهات بحثية ورقابية دولية لتحقيق قدر من التوازن بين الرواية الرسمية والتقييم المستقل.
وتقتضي الدقة التمييز بين ثلاث فئات من المعطيات.

الأولى ما تحقق فعلياً ووُثّق، كالاتفاقات الموقعة والمرسوم الرئاسي رقم 13 وإعلان دمج قوات سوريا الديمقراطية.
والثانية ما لم يخضع بعد لتقييم مستقل، وفي مقدمته نتائج الدمج على الأرض وعودة المهجرين وأوضاع الممتلكات.
والثالثة ما لا يزال تعهداً سياسياً، كالاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والتحول إلى نظام لامركزي.

ويُلاحظ أن إعلان انتهاء قوات سوريا الديمقراطية استند إلى ما أعلنته السلطات السورية، ولذلك لا يصح عدّه دليلاً كافياً على نجاح الاندماج؛ فهو يحتاج إلى تقييم مستقل لآثاره الفعلية. وتقع الدراسة في إطار زمني ينتهي بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وقد تستجد بعده وقائع تقتضي مراجعة بعض الاستنتاجات.

ثالثاً: الأطروحة المركزية: الإدارة الذاتية بوصفها وسيلة لا غاية
كثيراً ما يجري الخلط بين مفهومين متمايزين:
الإدارة الذاتية صيغةً للحكم والإدارة،
والقضية القومية الكوردية قضيةَ حقوق وهوية وشراكة سياسية.
فالإدارة الذاتية، على أهميتها التاريخية، لم تكن الغاية النهائية، بل إحدى الوسائل التي أتاحتها ظروف الحرب وانهيار مؤسسات الدولة المركزية. أما القضية القومية فأوسع من أي تجربة إدارية أو عسكرية، لأنها تتصل بالاعتراف بالهوية واللغة والثقافة، والتمثيل السياسي، والحقوق الدستورية، وإدارة الشؤون المحلية، وعدم العودة إلى سياسات الإقصاء والإنكار القومي.

وعليه تقوم الأطروحة المركزية للدراسة على ما يأتي:
لا ينبغي أن يكون الهدف السياسي للكورد استعادة شكل الإدارة الذاتية السابق بالضرورة، وإنما ضمان ألا يؤدي انتهاء ذلك الشكل إلى انتهاء الحقوق والمكتسبات التي نشأت من خلاله.
وهذا التمييز يفصل بين الدفاع عن تجربة سياسية بعينها والدفاع عن القضية القومية التي مثّلت تلك التجربة أحد تعبيراتها التاريخية.
ويقتضي هذا التحول، كي ينجح، الحفاظ على ثلاثة عناصر:

الهوية القومية، بالاعتراف الدستوري الصريح بالكورد مكوّناً قومياً أصيلاً وبالكوردية لغةً وطنية؛ والخصوصية الإدارية، بضمان حق المناطق ذات الغالبية الكوردية في إدارة شؤونها المحلية والتعليمية والثقافية والاقتصادية عبر مؤسسات منتخبة وصلاحيات محددة دستورياً؛ والشراكة السياسية، بالانتقال من التمثيل الرمزي إلى المشاركة الفعلية في صياغة الدستور والقوانين والسياسات الوطنية. وبذلك يكون جوهر المشروع الكوردي في المرحلة المقبلة بناء شراكة دستورية متكافئة، لا الاندماج الوظيفي في دولة مركزية جديدة.

رابعاً: المرسوم الرئاسي رقم 13: الإنجاز وحدوده
مثّل المرسوم الرقم 13 الصادر في 16 كانون الثاني/يناير 2026 خطوة مهمة؛ إذ أقر بأن المواطنين الكورد جزء أصيل من الشعب السوري، واعترف بالكوردية لغةً وطنية وأجاز تدريسها في المناطق ذات الكثافة الكوردية، وألغى الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء الحسكة لعام 1962، ومنح الجنسية للمشمولين بأحكامه، وأقر عيد نوروز عطلةً رسمية (4).
غير أن أهميته لا تجوز أن تحجب حقيقة تحليلية أساسية: الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية لا يعادل الاعتراف الدستوري المتكامل بالحقوق القومية والسياسية. فالمرسوم صكّ تنفيذي يمكن تعديله بأداة قانونية من المرتبة نفسها، ولا يحسم شكل المشاركة السياسية الكوردية، ولا يضمن تمثيلاً عادلاً في مؤسسات الدولة، ولا يعالج مسألة اللامركزية وصلاحيات السلطات المحلية. وقد خلصت دراسة وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادرة في تموز/يوليو 2026 إلى أن المرسوم واتفاقات الاندماج لم تتضمن اعترافاً دستورياً صريحاً بالحقوق الكوردية، مع إقرارها جملة من الحقوق الثقافية والمدنية (6). ومن ثم لا يصح عدّ المرسوم ضمانة دستورية نهائية؛ فهو يحتاج إلى تحصين دستوري وتنفيذ كامل.

خامساً: إشكالية الضمانات: من حسن النية إلى الإلزام المؤسسي
لا ينبغي التعامل مع مخاوف الشارع الكوردي بوصفها هواجس سياسية أو انعدام ثقة مجرداً بالسلطة الجديدة؛ فهي تستند إلى تجربة تاريخية من التهميش والتمييز، وإلى واقع لم تتضح فيه بعد الضمانات النهائية. والتجربة السورية تدل على أن الاعتراف السياسي غير المحصّن دستورياً عرضة للتراجع مع تغير موازين القوى. ولذلك فإن المعيار ليس حسن نوايا الأطراف، بل وجود منظومة قانونية ومؤسساتية تجعل احترام الحقوق التزاماً لا يتوقف على طبيعة السلطة القائمة. ويمكن تحديد الضمانات المطلوبة في خمسة مستويات مترابطة.
1. الضمانة الدستورية. ينبغي أن يتضمن الدستور الدائم نصوصاً صريحة تعترف بالتعدد القومي والثقافي واللغوي وبالهوية القومية الكوردية، وتمنع إلغاء هذه الحقوق أو الانتقاص منها بقوانين أو قرارات إدارية عادية. ويلاحظ أن الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 يؤكد وحدة الأراضي السورية، ويحظر التشكيلات العسكرية خارج إطار الدولة، وينص على المساواة أمام القانون، لكنه لا يقدّم تصوراً واضحاً لنظام لامركزي سياسي ولا يتضمن اعترافاً قومياً محدداً بالكورد (5). وهذه فجوة دستورية ينبغي معالجتها عند صياغة الدستور الدائم.
2. الضمانة السياسية. يتطلب الأمر أن يكون الكورد طرفاً فاعلاً في صياغة مستقبل الدولة لا مجرد مكوّن اجتماعي ممثَّل تمثيلاً محدوداً، وذلك عبر تمثيل عادل في البرلمان والحكومة والهيئات الدستورية والقضائية. وتزداد أهمية ذلك في ضوء الانتقادات الموجهة إلى مستوى التمثيل الكوردي في مجلس الشعب الانتقالي الذي بدأ اجتماعاته في تموز/يوليو 2026، بحسب تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني (7).
3. الضمانة الإدارية. لا يكفي دمج المؤسسات المدنية في الوزارات المركزية إذا أفضى ذلك إلى إلغاء صلاحياتها المحلية وتحويلها إلى أجهزة تنفيذية محدودة. والمطلوب الحفاظ على قدرة مجالس محلية منتخبة على إدارة التعليم والصحة والخدمات والبلديات والتنمية، ضمن إطار قانوني يحدد اختصاصاتها ومواردها وآليات الرقابة عليها.
4. الضمانة الأمنية. يجب ألا يتحول توحيد المؤسسة العسكرية إلى إقصاء للكوادر المحلية أو تجاهل لخصوصية المناطق الكوردية. وقد تضمنت تفاهمات كانون الثاني/يناير 2026 ترتيبات لدمج القوات، وتشكيل وحدات من عناصر قوات سوريا الديمقراطية، والإبقاء على قوات أمن محلية في بعض المناطق مرتبطة بمؤسسات الدولة (3). غير أن الاختبار الحقيقي يتعلق بما بعد الدمج: هل تضمن هذه الترتيبات الأمن المحلي وتراعي خصوصية المجتمع، أم تتحول إلى حضور أمني مركزي قليل المعرفة بالمنطقة؟ وهذا سؤال تجيب عنه المتابعة المستقلة لا الإعلانات الرسمية.
5. الضمانة الدولية والرقابية. من المفيد إيجاد آليات متابعة دولية، بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لرصد تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالحقوق والحريات وعودة المهجرين وحماية الممتلكات. ولا يعني ذلك تدويل القضية أو ربطها بتدخلات خارجية، بل توظيف الآليات الدولية لحماية الاتفاقات ومنع الانتهاكات.
وخلاصة هذا المحور أن الاندماج لا يغدو شراكة وطنية بمجرد نقل المؤسسات من إدارة إلى أخرى، وإنما حين يحتفظ المواطن بحقوقه، وتحتفظ المجتمعات المحلية بصلاحياتها، ويصبح القانون مرجعاً ملزماً لجميع الأطراف.

سادساً: النموذج المقترح للعلاقة مع دمشق
ينبغي ألا يبقى النقاش محصوراً بين خيارين متقابلين: الانفصال من جهة، والعودة إلى المركزية التقليدية من جهة أخرى. فقد أظهرت التجربة السورية أن المركزية المفرطة لم تنتج دولة مستقرة ومتماسكة، بل أسهمت في تعميق الأزمات القومية والمناطقية واحتكار القرار السياسي والاقتصادي. وفي المقابل، فإن أي صيغة لا تراعي وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية تواجه رفضاً داخلياً وإقليمياً، وتصبح عرضة لصراعات جديدة. ومن ثمّ يبدو الخيار الأكثر واقعية واستدامة هو دولة سورية موحدة ذات نظام لامركزي يمنح الأقاليم صلاحيات فعلية، ويُبقي المؤسسات السيادية موحدة. ويمكن تصوّر هذا النموذج على ثلاثة مستويات.
المستوى السيادي المركزي. تبقى قضايا الدفاع الوطني والسياسة الخارجية والعملة والسياسة النقدية والحدود والسيادة العامة من اختصاص الدولة المركزية وفق الدستور والقانون. وهذا ينسجم مع مبدأ وحدة الدولة دون أن يعني احتكار دمشق لتفاصيل الإدارة والحياة المحلية.
المستوى السياسي والإداري المحلي. تتمتع المناطق بصلاحيات واسعة في التعليم والصحة والثقافة والبلديات والتخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية المحلية، تمارسها مجالس محلية منتخبة ذات استقلال إداري ومالي واضح وخاضعة لرقابة القضاء والقانون.
المستوى القومي والثقافي. يتعين أن يتضمن النظام الدستوري ضمانات خاصة للمكونات القومية والثقافية، وفي مقدمتها الكورد، بما يحمي اللغة والهوية والتراث ويكفل المشاركة في المؤسسات الوطنية.
وتجدر الإشارة إلى أن اللامركزية الإدارية وحدها لا تكفي لمعالجة القضية الكوردية، لأنها قد تمنح المحافظات صلاحيات خدمية دون أن تعالج مسألتي الاعتراف القومي والتمثيل السياسي. أما الفيدرالية فليست مرادفاً للتقسيم بالضرورة، غير أنها تتطلب توافقاً وطنياً واسعاً وشروطاً دستورية ومؤسساتية قد لا تتوافر في المرحلة الانتقالية الحالية. ولذلك يبدو طرح اللامركزية السياسية والإدارية الموسّعة هدفاً تفاوضياً مرحلياً أكثر واقعية، شريطة ألا تتحول إلى صلاحيات شكلية. وقد سبقت الإشارة إلى أن الإعلان الدستوري لا يقدم تصوراً لنظام لامركزي سياسي، وهو ما يجعل الدستور الدائم الساحة الفعلية لهذا التفاوض، لا الترتيبات الظرفية.
وفي هذا السياق يمكن تحديد الحدود الدنيا التي ينبغي للقوى السياسية الكوردية التمسك بها: صون الهوية القومية واللغوية والثقافية؛ ودسترة الحقوق القومية بما يحصّنها من تقلب الحكومات؛ وعدم العودة إلى السياسات التمييزية المرتبطة بإحصاء عام 1962؛ وإدارة محلية منتخبة ذات صلاحيات فعلية وموارد مالية مستقلة نسبياً؛ وتعليم اللغة الكوردية وتطوير مؤسساتها الثقافية والتربوية؛ وحماية الملكية الخاصة وحقوق المهجرين وضمان عودتهم الآمنة؛ وضمان المشاركة في مؤسسات الدولة والقرار الوطني؛ وحماية المناطق الكوردية من التغيير الديمغرافي والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات.

سابعاً: مؤشرات الحكم على السنوات الثلاث المقبلة
لا يقيس المواطن نجاح المشروع السياسي بعدد الاتفاقات الموقعة أو التصريحات الصادرة، بل بما يلمسه في حياته اليومية من أمن وحقوق وفرص. ويمكن تحديد خمسة مسارات متزامنة يُحكم من خلالها على جدية التحول.
المسار الأول: من الاعتراف النظري إلى الحقوق القانونية الفعلية. ويشمل إدخال اللغة الكوردية في المؤسسات التعليمية وفق مناهج معتمدة، وضمان حرية العمل الثقافي والإعلامي بها، ومعالجة ملفات الجنسية والوثائق المدنية لجميع المستحقين، وضمان المساواة في التوظيف والمشاركة السياسية، وحماية الأسماء والرموز والمناسبات الثقافية. ويُعدّ ملف مكتومي القيد والمحرومين من الجنسية مؤشراً بالغ الدلالة على جدية الدولة في تصحيح المظالم التاريخية.
المسار الثاني: الأمن والاستقرار وإنهاء مخاوف العودة. لا استقرار سياسي في ظل مخاوف الاعتقال التعسفي أو الانتقام أو فقدان الممتلكات. وتظل قضايا عفرين وسري كانيه وكوباني والمهجرين اختباراً أساسياً لأي تسوية. وتفيد تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادرة في تموز/يوليو 2026 باستمرار مشكلات تتعلق بممتلكات الكورد في عفرين وبوجود فصائل مسلحة متورطة في ممارسات غير قانونية، رغم عودة أعداد من المهجرين (6). ومعنى ذلك أن العودة لا تُقاس بعدد العائدين، بل بقدرتهم على استعادة منازلهم وأراضيهم وممارسة حياتهم دون خوف.
المسار الثالث: اقتصاد محلي منتج وعادل. لا ينفصل تثبيت الحقوق القومية عن العدالة الاقتصادية؛ فامتلاك الموارد الزراعية والنفطية والمائية لا يعني بالضرورة استفادة السكان منها. وقد أصبح انتقال السيطرة على الموارد إلى مؤسسات الدولة المركزية من أبرز نتائج اتفاقات الاندماج، ما يجعل السؤال الجوهري متعلقاً بآلية مالية شفافة تضمن للمناطق المنتجة حصة عادلة من العائدات، يُخصَّص جزء منها لإعادة الإعمار والبنية التحتية والتعليم والصحة والمياه والزراعة. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة لعام 2026 إلى استمرار أزمة الأمن الغذائي في سوريا وتزايد الضغوط الاقتصادية، ولا سيما في المناطق الشمالية الشرقية (9). وعليه لا يكفي دفع الرواتب وتشغيل المؤسسات، بل يلزم برنامج تنموي متكامل يشمل دعم المزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والري، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الصناعات الزراعية والغذائية، وتوفير فرص العمل للشباب والخريجين، وتوزيعاً عادلاً للاستثمارات والموارد العامة.
المسار الرابع: إعادة بناء المؤسسات المحلية على أساس الكفاءة والمشاركة. من الخطأ التعامل مع مؤسسات الإدارة الذاتية بوصفها هياكل ينبغي استبدالها بالكامل، فبغض النظر عن الانتقادات الموجهة إليها، راكمت هذه المؤسسات خبرات بشرية وإدارية وخدمية خلال سنوات طويلة. وينبغي أن يقوم الدمج على الكفاءة والخبرة والحقوق الوظيفية، مع فتح المؤسسات أمام التمثيل المجتمعي والمساءلة والانتخابات المحلية، وألا يتحول إلى تغيير للكوادر على أساس الولاء السياسي، لأن ذلك يعيد إنتاج احتكار المؤسسات الذي عانى منه السوريون لعقود.
المسار الخامس: المشاركة السياسية وصناعة القرار. لا يشعر المواطن الكوردي بأن تضحياته تحولت إلى مكاسب إذا بقيت القرارات المتعلقة بمستقبله تُتخذ في دمشق دون مشاركة حقيقية لممثليه. ويشمل ذلك مشاركة القوى الكوردية في صياغة الدستور الدائم، وتمثيلاً عادلاً في البرلمان، وانتخابات محلية حقيقية، وحضور الكفاءات الكوردية في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. وليس المقصود منح امتيازات على حساب بقية المكونات السورية، وهي مسألة تكتسب حساسية خاصة في منطقة متعددة المكونات، بل ضمان ألا تتحول الأغلبية العددية أو المركزية السياسية إلى أداة لإقصاء المكونات الأخرى.

ثامناً: التحديات الاستراتيجية
التوازنات الإقليمية والدور التركي. لا يمكن فهم مستقبل المنطقة بمعزل عن الموقف التركي الذي ينظر إلى الوجود السياسي والعسكري المرتبط بحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية من زاوية أمنية مرتبطة بملف حزب العمال الكوردستاني. وهذا يعني أن أي تسوية لا تراعي هذه التوازنات ستظل عرضة للضغوط. غير أن المخاوف الأمنية لا ينبغي أن تصبح مبرراً لحرمان الكورد السوريين من حقوقهم القومية والسياسية؛ فالمطلوب الفصل بين الترتيبات الأمنية الإقليمية والحقوق المدنية والقومية المشروعة للمواطنين.
تعدد المرجعيات الكوردية. يتمثل أحد عوامل الضعف الرئيسة في تعدد القوى واختلاف رؤاها حول العلاقة مع دمشق ومستقبل الإدارة الذاتية وطبيعة التمثيل. وهذا التعدد ليس مشكلة بذاته، بل قد يصبح مصدر قوة إذا نُظّم في إطار مشترك. أما استمرار الانقسام في القضايا الكبرى فيُضعف القدرة التفاوضية ويتيح للأطراف الأخرى التعامل مع كل طرف على حدة. ومن ثمّ يلزم بلورة مرجعية تفاوضية مشتركة لا تلغي التعدد الحزبي، وتتفق على الحد الأدنى من الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها.
خطر العودة إلى المركزية التقليدية. لا يكمن الخطر الأكبر في اندماج المؤسسات بحد ذاته، بل في طبيعة الدولة التي يجري الاندماج فيها. فإذا كانت دولة مواطنة ولامركزية وعدالة، فقد يشكل الاندماج فرصة تاريخية؛ أما إذا أعاد إنتاج المركزية السياسية والأمنية والاقتصادية، فستبقى أسباب الأزمة التي أنتجت تجربة الإدارة الذاتية قائمة وإن تغيرت الأسماء والهياكل. وعليه ينبغي أن يكون الموقف الكوردي واضحاً: وحدة سوريا لا تتعارض مع الاعتراف بالتعدد القومي، ووحدة المؤسسات لا تستلزم احتكار القرار، وسيادة الدولة لا تعني إلغاء حق المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها.

تاسعاً: خارطة طريق مقترحة
تقتضي الدقة تحويل المطالب العامة إلى برنامج قابل للقياس. ففي المجال الدستوري، يكون الهدف تثبيت الاعتراف القومي واللغوي واللامركزية بنصوص دستورية. وفي المجال السياسي، تمثيل حقيقي في البرلمان والحكومة. وفي الإدارة، الحفاظ على صلاحيات مؤسسات محلية منتخبة وفاعلة. وفي الأمن، حماية المدنيين وإنهاء الاعتقالات التعسفية وضمان سيادة القانون. وفي التعليم، مناهج معتمدة ومؤسسات تعليمية مستقرة باللغة الكوردية. وفي الاقتصاد، توزيع عادل للعائدات يحسّن الدخل وفرص العمل والخدمات. وفي ملف المهجرين، استعادة الممتلكات وعودة آمنة وكريمة وطوعية. وفي المؤسسات، دمج الكوادر على أساس الكفاءة وحماية الخبرات والحقوق الوظيفية. ويتعين أن ترافق ذلك آلية متابعة سنوية تُنشر نتائجها للرأي العام، فالمصداقية السياسية لا تُبنى بالوعود، بل بالنتائج القابلة للتحقق.

خاتمة
لا يمكن اختزال التحولات التي شهدتها المنطقة في عامي 2025 و2026 في انتصار طرف أو هزيمة آخر. فقد انتهت مرحلة من الصراع، وتغيرت موازين القوى، وانتقلت المؤسسات العسكرية والمدنية إلى مسار الاندماج، وأُعلن انتهاء قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة مستقلة، وفق ما أوردته السلطات السورية. غير أن انتهاء مرحلة السيطرة العسكرية لا يعني انتهاء القضية السياسية، كما أن استعادة الدولة سلطتها على المؤسسات لا تعني تلقائياً قيام دولة عادلة ومتوازنة. وتؤكد الدراسة أن المرسوم رقم 13 لا يُغني عن التحصين الدستوري والتنفيذ الكامل، وأن إعلان دمج قوات سوريا الديمقراطية لا يصلح وحده دليلاً على نجاح الاندماج قبل إجراء تقييم مستقل لنتائجه.
وبذلك يتحدد المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة المقبلة في طبيعة الدولة التي ستنشأ: دولة مواطنة وشراكة وتعددية، أم دولة مركزية تعيد إنتاج الإقصاء بصيغة جديدة. فإذا نجح الكورد في تحويل تضحياتهم إلى حقوق دستورية وضمانات سياسية وإدارة محلية فاعلة وتنمية اقتصادية عادلة، انتقلت قضيتهم من الدفاع عن الوجود إلى تثبيت الحقوق والمشاركة في صناعة المستقبل. وإن اكتُفي باتفاقات غير محصّنة دستورياً، ظل خطر إعادة إنتاج الأزمة قائماً مهما تبدلت الظروف. وعلى دمشق في المقابل مسؤولية إثبات أن الاعتراف بالكورد خيار استراتيجي لبناء دولة تتسع لجميع مكوناتها، لا خطوة تكتيكية لتجاوز مرحلة عسكرية.
لقد كانت معركة السنوات الماضية معركة حماية الوجود، أما معركة المرحلة المقبلة فهي معركة ضمان الحقوق؛ والفارق بينهما هو الفارق بين امتلاك واقع مؤقت وبناء مستقبل لا يستطيع طرف مصادرته أو إلغاءه.
++++++++++++++++++&&&
المراجع
1. اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الرئاسة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وكالة الأنباء السورية (سانا): https://sana.sy/en/syria/349228/
2. اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، 18 كانون الثاني/يناير 2026، سانا: https://sana.sy/en/syria/2291194/
3. الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، 29-30 كانون الثاني/يناير 2026، سانا: https://sana.sy/en/politics/2293263/
4. المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 بشأن حقوق المواطنين الكورد، سانا: https://sana.sy/en/politics/2290787/
5. الإعلان الدستوري السوري، 13 آذار/مارس 2025: https://syrianassembly.com/documents/constitutional-declaration-2025
6. وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، سوريا: التركيز على البلد، الكورد، تموز/يوليو 2026: https://dip-aws.euaa.europa.eu/syria-country-focus/271-kurds
7. مكتبة مجلس العموم البريطاني، سوريا عام 2026: الحكومة الانتقالية والاندماج الكوردي، أيلول/سبتمبر 2026: https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10430/
8. البرلمان الأوروبي، تقييم اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا، 16 تموز/يوليو 2026: https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/document/EPRS_BRI%282026%29791451
9. منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، التقرير القطري حول الأمن الغذائي في سوريا، 2026: https://cb.apps.fao.org/country.jsp?code=SYR
10. سانا، مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، 27 آب/أغسطس 2026: https://sana.sy/en/syria/2338758/



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوة الوظيفية الكوردية (5/5) بناء الداخل ودروس المأسسة: من ...
- القوة الوظيفية الكوردية (4/5) من تعدد المشاريع إلى التوافق: ...
- القوة الوظيفية الكوردية (3/5) ثلاثة ملفات جغرافية: النفط وال ...
- جرح شنگال (سنجار): السلطة المركزية ومأزق البيت الكوردي قراءة ...
- جغرافيا الدموع والهندسة الديموغرافية: رۆژآڤا بين ...
- القوة الوظيفية الكوردية (2/5) الجغرافيا ليست قدرًا: ما تعلّم ...
- القوة الوظيفية الكوردية (1/5) من داعش إلى دمشق: البيشمركة وق ...
- القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟ الجزء الثالث م ...
- القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟ الجزء الثاني م ...
- القضية الكوردية: أزمة قوة أم أزمة استراتيجية؟ الجزء الأول من ...
- كوردي أم من أصل كوردي؟ سؤال التسمية الذي يختبر أمانة المؤرخ
- عبد الرحمن باشا اليوسف: سيرة أمير الحج الشامي ونهاية مأساوية ...
- الواقعية السياسية وإعادة تشكيل العقد الاجتماعي السوري: قراءة ...
- قدور بك ملي زادة ودوره في نشأة القامشلي قراءة تاريخية نقدية ...
- الأصول الجغرافية والعرقية للأسرة العلوية في مصر: قراءة نقدية ...
- سفير الكلمة والصلابة: سيرة المناضل والأديب الكوردي أوصمان صب ...
- كورد دمشق سنة 1919: العشائر وزعماؤها وأعداد البيوت وفق إحصاء ...
- زلزال المنطقة المرتقب: ماذا وراء زوايا اللقاءات السرية في أر ...
- من يمثّل الشعوب التي لا تمثّلها الدول؟ أزمة الشرعية في النظا ...
- ما بعد البندقية: ماذا تكشف مقابلة قرايلان عن شروط السلام؟


المزيد.....




- التلفزيون الإيراني: اعتقال جاسوس زود العدو بإحداثيات مراكز إ ...
- الأمم المتحدة: أكثر من 300 ألف شخص فرّوا من المعارك في غرب ا ...
- كيف يبدو واقع حرية الصحافة والصحافيين في العالم العربي؟
- الأمم المتحدة تحذر: موجة نزوح واسعة في اليمن مع اشتداد القتا ...
- أسرار سجن الرملة تثير غضبا عربيا.. اتهامات لإسرائيل بالتعذيب ...
- اعتقال أكثر من 300 شخص خلال تظاهرة تدعم منظمة -فلسطين آكشن- ...
- فرانكفورت تحت وقع أعمال شغب واسعة: نهب متاجر وإصابة أكثر من ...
- الجامعة العربية تدين جرائم التعذيب الممنهج بحق أسرى غزة في س ...
- مكبلة اليدين ومعصوبة العينين.. جندي إسرائيلي يتباهى باعتقال ...
- -بدء تصفية- بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية عقب عدم تج ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - من الإدارة الذاتية إلى تثبيت الحقوق: قراءة تحليلية في مستقبل القضية الكوردية في سوريا بعد التحولات العسكرية والسياسية (2025-202