سامي إبراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 20:34
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست كلُّ الرجال تُقاس بمواقعها، ولا تُعرف مكانتُها بما تتقلّده من ألقاب، فثمة رجالٌ تصنعهم المواقف، وتكشف معادنهم المحن، وتكتب سيرتَهم صفحاتٌ من الصبر والثبات والتضحية. رجالٌ لا يطلبون الأضواء، ولا يتصدرون المشاهد، لكنهم يتركون في ذاكرة الأوطان أثراً عصيّاً على النسيان. ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسم الشهيد القائد ناهض محمد عودة «أبو ماجد»، ذلك الرجل الذي حمل في قلبه شجاعة الأسود، وفي روحه نقاء الفرسان، وفي سلوكه حكمة المناضل الحريص، فاستحق عن جدارة أن يُلقّب بـ«عملاق العمل السري».
الميلاد والنشأة.. جذورٌ ضاربة في تراب الوطن
وُلد الشهيد ناهض محمد عودة عام 1962 في بلوك 8 بمخيم جباليا، لأسرة فلسطينية تعود جذورها إلى قرية سمسم المهجّرة، تلك القرية التي اقتُلعت من جغرافيتها، لكنها بقيت حيّة في وجدان أبنائها، شاهدةً على حكاية اللجوء والاقتلاع والحنين إلى الأرض.
نشأ ناهض في أزقة المخيم، حيث تتقاطع حكايات الصبر مع قسوة الحياة، وتتشكل ملامح الرجال في مدرسة المعاناة المبكرة. التحق بمدارس المخيم، وواصل تعليمه حتى الصف الخامس الابتدائي، غير أن ضيق الحال وقسوة الظروف الاقتصادية دفعاه إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكراً، ليحمل مسؤولية أسرته على كتفيه، وهو لم يزل في مقتبل العمر.
عمل في قطف البرتقال داخل فلسطين التاريخية، ولم يكن ذهابه إلى هناك مجرد رحلة بحث عن لقمة العيش، بل كان يحمل في داخله معنى أعمق؛ فقد كان يجد في هواء بلاده عبق الوطن الذي حُرم منه، ويتنسم من ترابها رائحة الأرض التي بقيت تسكن قلبه رغم المسافات والحواجز.
وهكذا اجتمعت في بداياته قسوة الحياة وحنين الأرض، فكان العمل كفاحاً، وكان الوطن حكايةً لا تغادر ذاكرته.
سنوات الاعتقال الأولى.. صلابةٌ لا تلين أمام التحقيق
لم يكن ناهض ممن يساومون على قناعاتهم، أو تنكسر إرادتهم أمام التهديد والوعيد. فالتحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبدأت رحلته مع المواجهة المباشرة للاحتلال.
وفي عام 1985، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأخضعته لتحقيق قاسٍ استمر خمسة وأربعين يوماً، ذاق خلالها صنوف التعذيب والضغط النفسي والجسدي، في محاولة لانتزاع اعترافات منه وتثبيت اتهامات وُجّهت إليه.
لكن ناهضاً كان أصلب من أدوات التحقيق، وأشدّ من محاولات كسر الإرادة؛ فقد واجه المحققين بثبات، ورفض الاعتراف بالتهم المنسوبة إليه، وظل متمسكاً بصمته وقناعاته حتى أُفرج عنه لعدم اعترافه.
ولم تمضِ سوى فترة حتى عادت قوات الاحتلال لاعتقاله عام 1986، وأخضعته للتحقيق مدة خمسة عشر يوماً في سجن غزة المركزي، حيث تولّى التحقيق معه ضابطان كانا يستخدمان الاسمين الحركيين «أبو خضر» و«أبو صبري»، وفق ما ورد في رواية رفاقه ومعارفه.
ومرة أخرى، لم تنل محاولات التحقيق من عزيمته، ولم تفلح الضغوط في انتزاع اعتراف منه، ليخرج من جديد حاملاً من الصلابة ما يؤكد أن إرادة الرجال لا تُقاس بطول سنوات الاعتقال، بل بقدرتهم على الثبات حين تضيق السبل.
الانتفاضة الأولى.. حين تحوّل الغضب إلى فعلٍ وطني
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وجد ناهض في ميادين المواجهة امتداداً طبيعياً لقناعاته الوطنية، فكان من أوائل المشاركين في التحركات الشعبية بمخيم جباليا.
وكان من بين الذين توجهوا إلى مدرسة الفالوجا الثانوية لإشعال جذوة الانتفاضة وتصعيد الحراك الشعبي، وشارك في المواجهات مع قوات الاحتلال، مستخدماً الحجارة والزجاجات الحارقة وقضبان الحديد، إلى جانب إشعال إطارات السيارات في شوارع المخيم.
كان حضوره في تلك المرحلة تعبيراً عن شابٍ لم يستطع أن يقف متفرجاً أمام مشاهد القهر والاحتلال، فاختار أن يكون في قلب الأحداث، حيث تتجلى مواقف الرجال وتُختبر عزائمهم.
وقد رصدته كاميرات عناصر الجيش الإسرائيلي خلال تلك المواجهات، لتتمكن قوات الاحتلال من اعتقاله وإيداعه معتقل أنصار 3.
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 1988، أُفرج عنه، فعاد إلى أهله أكثر صلابةً وأشد عزيمة، وكأن سنوات الاعتقال لم تفعل سوى أن زادته تمسكاً بقناعاته وإصراراً على مواصلة الطريق.
وعاد إلى نشاطه الوطني، لتصدر بحقه لاحقاً عقوبة بالسجن لمدة سنة ونصف أخرى.
ومن أكثر المشاهد الإنسانية التي تختصر عمق العلاقة بين ناهض وأسرته، ذلك اليوم الذي أُفرج عنه فيه، وكانت والدته مريضة، لكنها حرصت على استقباله. وحين التقاها، لم يجد أبلغ من أن يدفن رأسه في صدرها؛ وكأن سنوات الغياب والاعتقال والتعب انكسرت جميعها في لحظة احتضان أمٍّ لابنها العائد.
كان مشهداً تختصر فيه الأمومة ما تعجز عن وصفه الكلمات، وتلتقي فيه دموع الفرح بوجع السنين.
من الجبهة الشعبية إلى حركة فتح.. مسيرةٌ حملت الوفاء لقناعاتها
وبعد سنوات من تجربته النضالية في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التحق ناهض بصفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، بعدما وجد فيها الإطار الوطني والتنظيمي الذي ينسجم مع قناعاته وتطلعاته، ومع ما آمن به من ضرورة مواصلة العمل الوطني في مواجهة الاحتلال.
وكانت له علاقات أخوية وتنظيمية مميزة مع الشهيد القائد جمال عبد النبي «أبو رمزي»، والشهيد القائد أحمد أبو إبطيحان «أبو المجد»، وقد جمعته بهما محطات من العمل المشترك والثقة المتبادلة.
وعمل معهما حارساً في جامعة الأزهر، وهناك تجلّت جوانب أخرى من شخصيته؛ فلم يكن مجرد رجل يؤدي مهمة وظيفية، بل كان صاحب حضور قوي وموقف حازم، تصدى في أكثر من مناسبة لمحاولات قوات الاحتلال دخول الحرم الجامعي، وأظهر شجاعةً وثباتاً ورجولةً نادرة.
لقد كان ناهض من طينة الرجال الذين لا يتراجعون حين تستدعي المواقف حضورهم، ولا يترددون حين تصبح المسؤولية اختباراً حقيقياً للمروءة والانتماء.
عملاق العمل السري.. رجلٌ يعرف قيمة الخطوة ووزن الموقف
ولعل من أبرز المحطات التي تكشف طبيعة شخصية الشهيد ناهض، التحاقه بالمجموعات العسكرية لحركة فتح، بعدما توجه إليه الشهيدان أبو رمزي وأبو المجد، للمشاركة في تشكيل هذه المجموعات والعمل ضمن صفوفها.
وهنا بدأت مرحلة جديدة من مسيرته، مرحلةٌ احتاجت إلى رجال يمتلكون صفات استثنائية؛ من الشجاعة واليقظة، إلى الانضباط والكتمان، ومن حسن التقدير إلى القدرة على تحمّل المسؤولية بعيداً عن الأضواء.
لقد كان ناهض حريصاً في خطواته، دقيقاً في تحركاته، يدرك أن العمل السري ليس ميداناً للاندفاع غير المحسوب، بل مسؤولية تتطلب وعياً وانضباطاً وحسن تقدير، وأن قيمة الرجل في هذا الميدان لا تُقاس بكثرة ظهوره، وإنما بما يتحلى به من ثباتٍ وأمانةٍ ووفاء.
ومن هنا استحق اللقب الذي التصق باسمه في ذاكرة من عرفوه وعاشروه: «عملاق العمل السري»؛ لقب لم يكن مجرد وصف عابر، بل شهادة على شخصية جمعت الجرأة إلى الحذر، والقوة إلى الحكمة، والوفاء إلى الالتزام.
لقد كان رجلاً شجاعاً لا يخاف إلا الله، قوي الحضور، صلب الإرادة، لكنه في الوقت ذاته حريصٌ على خطواته، يعرف متى يتقدم ومتى يتريث، ويضع للمسؤولية قدرها وللثقة حرمتها.
ناهض الإنسان.. قلب الأسد ونبل الفرسان
وبعيداً عن ساحات النضال ومحطات الاعتقال، كان ناهض إنساناً يحمل من الصفات ما يجعل محبته حاضرة في قلوب من عرفوه.
كان شاباً شجاعاً، جريئاً، قوي الشخصية، لا تهزّه المواقف الصعبة، ولا تستبد به المخاوف، شهمًا كريماً، طيب القلب، أصيل المعدن، عزيز النفس، لا يتخلى عن رفاقه ولا يتنكر لمن وقفوا إلى جانبه.
كان قلبه قلب أسد، لكن في داخله قلب إنسان يعرف معنى المحبة والوفاء وصلة الرحم. اجتمعت فيه قوة الموقف ورقة المعشر، وهي خصال لا تجتمع إلا في الرجال الذين تربّوا على أصالة الأخلاق ونبل المبادئ.
ولأن الحديث عنه ليس حديثاً عن شخصية عابرة في سجل الذاكرة، فإن شهادتي فيه ليست شهادة مؤرخٍ ينقل ما قرأه، بل شهادة إنسان عرفه منذ نعومة أظافره؛ فهو ابن عمتي، وأحد أبناء العائلة الذين جمعتني بهم سنوات الطفولة والصداقة، وعشنا معاً ذكرياتٍ لا تزال تفاصيلها حاضرة في الوجدان.
عرفته شاباً شجاعاً لا يهاب المواقف، قويّاً في حضوره، جريئاً في طبعه، كريماً في أخلاقه، طيباً في تعامله، وكان من أولئك الذين تلمس فيهم أصالة الرجال قبل أن تسمع عن مواقفهم.
ولذلك حين أكتب عنه اليوم، فإن قلمي لا يستحضر اسماً فحسب، بل يستعيد وجهاً عرفه، ورفيق طفولةٍ جمعته به صلات الدم ووشائج المحبة وذكريات العمر.
الخاتمة.. رحل الجسد وبقيت سيرة الرجال
ظل الشهيد القائد ناهض محمد عودة «أبو ماجد» على عهده في مسيرته الوطنية والتنظيمية، حتى نال شرف الشهادة برفقة رفاقه الستة، الذين خُلّدت أسماؤهم في نصب الشهداء الستة وسط مخيم جباليا البطل.
وهكذا أسدل الستار على رحلة رجلٍ لم تكن حياته طريقاً مفروشاً بالراحة، بل مسيرةً تعاقبت فيها المسؤوليات والمحن والاعتقالات والتضحيات، وظل خلالها متمسكاً بما آمن به، وفياً لرفاق دربه، ثابتاً على قناعاته.
إن الرجال العظام لا يغيبون حين ترحل أجسادهم، لأنهم يتركون خلفهم ما هو أبقى من الحضور العابر؛ يتركون مواقف تُروى، وذكريات تُستعاد، وسيرةً تتناقلها الأجيال.
سلامٌ على روحك يا ناهض، يا ابن المخيم الذي حمل فلسطين في قلبه، ويا ابن العائلة الذي عرفناه شجاعاً كقلب الأسد، كريماً كأهل النخوة، أصيلاً كجذور الزيتون.
سلامٌ عليك يوم وُلدت في مخيم جباليا، ويوم مضيت في دربك، ويوم رحلت شهيداً، وستبقى حاضراً في وجدان أهلك وأحبتك ورفاق دربك.
رحمك الله يا أبا ماجد، يا عملاق العمل السري، وجعل ذكراك الطيبة منارةً في ذاكرة الرجال، وصفحةً ناصعةً في سجل الوفاء.
إنا على العهد باقون، وللرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ذاكرةٌ لا تخون.
#سامي_إبراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟