سامي إبراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 18:13
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست عظمة الرجال في طول أعمارهم، ولا تُقاس مكانتهم بالمناصب التي شغلوها، بل بما يتركونه من أثر طيب، وبما تحمل سيرتهم من مواقف وذكريات لا تمحوها السنون. فهناك رجال يمرّون في حياتنا، لكنهم يتركون بصمة لا تزول، وتظل أسماؤهم حاضرة في الذاكرة كلما استعدنا محطات العمر وأيام النضال.
ومن بين هؤلاء الرجال، نستحضر اليوم سيرة الشهيد القائد ماجد عبد الحميد سعيد الداعور «أبو العبد»، ابن مخيم جباليا، الذي حمل في قلبه حكاية وطن، وعاش سنوات من الاعتقال والصمود، وترك في نفوس رفاقه وأحبائه ذكريات لا تزال تنبض بالوفاء.
إنها حكاية رجل عرفته عن قرب، وجمعتني به دروب الشباب والرياضة، ثم رفقة الأسر والزنازين، قبل أن يفرّق الموت بيننا، ويبقى حضوره حياً في الوجدان. أكتب عنه اليوم لا بصفتي كاتباً يوثق سيرة رجل من رجال الوطن فحسب، بل بصفتي رفيق درب وأسر، يحمل في ذاكرته صوراً ومواقف لا يستطيع الزمن محوها.
الجذور والنشأة.. من هربيا إلى مخيم جباليا
وُلد الشهيد ماجد الداعور بتاريخ 08/11/1968، ونشأ في مخيم جباليا، في أسرة فلسطينية تعود جذورها إلى بلدة هربيا المهجّرة، تلك البلدة التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبنائها رغم التهجير والغياب.
نشأ وسط عائلة كبيرة تضم سبعة إخوة وسبع أخوات، في بيئة تشبّع فيها بروح الانتماء والتمسك بالأرض والهوية.
تلقى تعليمه في مدارس وكالة الغوث بمخيم جباليا، وأكمل دراسته الثانوية في بيت حانون. ومنذ سنوات شبابه الأولى، عُرف بحضوره الاجتماعي وروحه الرياضية، وبشخصية تركت أثراً طيباً لدى من عرفوه وعاشروه.
الاعتقال الأول.. بداية رحلة الصمود
تعود معرفتي بالشهيد ماجد الداعور إلى ما قبل اعتقاله، وتحديداً عام 1984، حين كنت أمارس نشاطي الكروي ضمن فريق الصقور الرياضي، وتحديداً في مدرسة الفالوجا بمخيم جباليا.
هناك جمعتنا أجواء الرياضة والشباب، قبل أن تأخذنا دروب الحياة إلى محطات أكثر قسوة، وتصبح الزنازين شاهدة على مرحلة من أعمارنا. وقد طالت الاعتقالات غالبية أفراد فريق الصقور، وكان ماجد واحداً من أولئك الشباب الذين واجهوا الاعتقال ومضوا في طريقهم رغم قسوة الظروف.
وفي صيف عام 1986، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة أربع سنوات، تنقّل خلالها بين عدد من المعتقلات، من بينها سجن غزة المركزي، وبئر السبع، وكفار يونا، ونفحة. وهناك عاش تجربة قاسية من الاعتقال، وواجه ظروفاً صعبة، لكنه ظل متمسكاً بإرادته ومواقفه.
ومع بداية عام 1990، خرج من الأسر، ولم تمضِ سوى أربعة أشهر حتى أعادت سلطات الاحتلال اعتقاله، وصدر بحقه حكم جديد بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف، ليبدأ فصلاً آخر من رحلة الصمود خلف القضبان.
داخل السجون.. حضور قيادي وإرادة لا تلين
لم يكن ماجد الداعور مجرد أسير ينتظر انتهاء مدة حكمه، بل كان صاحب حضور تنظيمي ووطني بين رفاقه الأسرى، وتولى مواقع قيادية داخل الحركة الأسيرة، من بينها عضوية لجنة مركزية في السجون، كما اضطلع بمهمة الموجّه العام، ولا سيما في سجن النقب الصحراوي.
وقد عكست هذه المواقع حجم المسؤولية التي تحملها، ومكانته بين رفاقه، وقدرته على القيام بمهام تنظيمية وتوجيهية في ظروف بالغة الصعوبة. حتى إن إدارة السجون صنّفته ضمن الأسرى الذين وصفتهم بأنهم «خطيرون جداً»، في دلالة على نظرتها إلى حضوره وتأثيره داخل المعتقلات.
ولم تكن سنوات الأسر بالنسبة إليه مجرد سنوات من الحرمان، بل كانت مرحلة من الصبر والثبات وتحمل المسؤولية، تركت بصماتها العميقة في شخصيته وفي ذاكرة من عاصروه.
ومن أشد المحطات إيلاماً في حياته داخل الأسر تلقيه نبأ استشهاد شقيقه أشرف عبد الحميد سعيد الداعور، الذي ارتقى برصاص الاحتلال الإسرائيلي في معسكر جباليا بتاريخ 06/02/1993، عن عمر ناهز عشرين عاماً.
كان الخبر فاجعة ثقيلة على قلبه، إذ فقد شقيقاً عزيزاً وهو خلف القضبان، بعيداً عن أسرته وأهله، لا يملك سوى الصبر والدعاء. ومع ذلك، واصل طريقه متحملاً وجع الفقد وقسوة الاعتقال.
ذكريات رفيق الأسر.. مواقف لا تغيب
أما أنا، فلا أستحضر ماجد الداعور بوصفه اسماً في سجل المعتقلين فحسب، بل أستحضره رفيقاً عرفته عن قرب، وتقاسمت معه أياماً وتفاصيل لا تزال راسخة في ذاكرتي.
لقد جمعتنا الأيام في سجن غزة المركزي، وتحديداً في القسم «ج»، خلال الفترة ما بين عامي 1986 و1987. وأتذكر جيداً روحه الرياضية التي لم تفارقه حتى داخل السجن؛ فقد كان يستثمر أوقات الفورة في الجري وممارسة التمارين الرياضية، ويؤدي تمارين الضغط، ويمارس اللعب على الحبل، وكأنه كان يرفض أن تستولي جدران السجن على حيويته أو تنتزع منه حبه للحياة.
كان طيب القلب، وفياً لرفاقه، هادئاً في طبعه، لكن الحزن كان يسكن عينيه في كثير من الأحيان. ورغم قسوة الأسر وما يحمله من وجع وحرمان، كانت تجمعنا لحظات إنسانية خاصة، ولم يكن يضحك من أعماق قلبه كما كان يفعل في اللحظات التي تجمعه بي.
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة لمن لم يعش تجربة الأسر، لكنها بالنسبة لمن عاشها تحمل قيمة كبيرة؛ فداخل الزنازين تصبح الابتسامة موقفاً، والكلمة الطيبة سنداً، والوفاء بين الرفاق ذاكرة لا تُنسى.
وتجدد لقاؤنا لاحقاً في سجن النقب الصحراوي، وتحديداً في قسم «بيت»، حيث كان الأخ أحمد أبو بطيحان موجوداً في القسم نفسه. وهناك امتدت أيام الرفقة في الأسر، بما حملته من معاناة وصبر وتفاصيل إنسانية، زادت من معرفتي بهذا الرجل الذي احتفظ بطيبته ووفائه رغم قسوة الظروف.
من الأسر إلى ميادين العمل الوطني
ومع انتهاء مرحلة الاعتقال، وقبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية بنحو شهرين، التحق ماجد بالدورة الأولى لصقور حركة فتح، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته في ميادين العمل الوطني والمؤسسي.
وعمل في جهاز الارتباط العسكري، ثم التحق بجهاز الأمن الوقائي، وتدرّج في عمله حتى حصل على رتبة نقيب، حاملاً معه تجربة طويلة من الاعتقال والعمل التنظيمي والوطني.
كما ارتبط اسمه في مرحلة من مراحل عمله بجهاز التحقيق والتصفية، تحت إمرة رشيد أبو شباك، في إطار التعامل مع بعض الأشخاص الذين غرّر بهم الاحتلال، والعمل على إصلاح من أمكن إصلاحه منهم، وفق طبيعة المهام التي أُنيطت به في تلك المرحلة.
وفي تلك الفترة، بنى حياته الأسرية، فتزوج ورُزق بولد، وكان يتطلع إلى حياة أكثر استقراراً بعد سنوات طويلة من الاعتقال والمعاناة، حاملاً آماله في مستقبل أفضل له ولأسرته.
المرض والرحيل.. حين غاب الجسد وبقي الأثر
لكن الحياة لم تمهله طويلاً ليكمل ما كان يصبو إليه؛ فقد أُصيب بمرض سرطان الدم «اللوكيميا»، وخاض معركة قاسية مع المرض، تحمل خلالها أوجاعه بصبر وأمل، إلى أن وافته المنية بتاريخ 17/05/1999.
كان رحيله خسارة موجعة لأسرته وأحبائه ورفاق دربه، فقد غاب رجل حمل في حياته الكثير من التجارب والمواقف والذكريات، وترك خلفه أسرة ورفاقاً وقلوباً لم تنسَ حضوره.
وشُيّع جثمانه من مسجد العودة في مخيم جباليا، وسط مشاركة جماهيرية غفيرة، حيث حمله المشيعون على الأكتاف في مشهد يعبّر عن المحبة والتقدير، ثم وُوري الثرى في مقبرة الفالوجا، لتحتضن الأرض جسداً أنهكته سنوات الأسر والمرض، بينما بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة من عرفوه.
خاتمة.. رجالٌ تبقى سيرتهم أكبر من الغياب
رحل ماجد الداعور، لكن حكايته لم ترحل، وغاب جسده، لكن ذكراه بقيت حاضرة في القلوب والعقول.
وما زلت، كلما استعدت سنوات الشباب والأسر، أرى صورته أمامي، وأتذكر لقاءاتنا في سجن غزة المركزي والنقب الصحراوي، وأستحضر ملامحه وروحه الرياضية وطيبته ووفاءه.
لقد فرّق الموت بيننا، لكنه لم يستطع أن يمحو ما جمعته الأيام، ولم ينجح الغياب في انتزاعه من ذاكرتي. فبعض الرفاق لا يصبحون جزءاً من الماضي، بل يظلون حاضرين في تفاصيل الذاكرة، كأن الزمن لم يمضِ وكأن اللقاء لم ينتهِ.
إن الوفاء للراحلين لا يكون بالبكاء عليهم وحده، بل بحفظ سيرتهم، وتوثيق محطات حياتهم، ونقل ذكراهم إلى الأجيال القادمة، حتى لا تضيع حكايات الذين عاشوا وتركوا أثراً يستحق أن يُروى.
لقد كان ماجد الداعور واحداً من أولئك الرجال الذين تركوا خلفهم سيرة تستحق أن تُحفظ، وذكريات تستحق أن تُروى، وحضوراً لا تحدّه سنوات الغياب. فالتاريخ لا يحتفظ بالأسماء وحدها، بل يحفظ حكايات أصحابها ومواقفهم وما تركوه في نفوس من عاصروهم.
رحم الله الشهيد القائد ماجد عبد الحميد سعيد الداعور «أبو العبد»، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من سيرة وذكرى طيبة حاضراً في وجدان أهله ورفاقه وكل من عرفه.
رحل الجسد، وبقيت الحكاية... وبقي الوفاء شاهداً على أن الرجال لا يغيبون ما دامت سيرتهم تُروى.
#سامي_إبراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟