|
|
حين يغضب الشباب في ألمانيا وفرنسا: ما وراء المظاهرات وأعمال الشغب
أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 08:29
المحور:
حقوق الانسان
من مطالب التعليم والسكن والعدالة الاجتماعية إلى المواجهات مع الشرطة، تكشف احتجاجات الجيل الجديد عن أزمة ثقة لا يمكن اختزالها في الأمن العام. وبين التجربتين الألمانية والفرنسية، يبقى الاختبار الأهم: هل تستمع الدولة إلى أسباب الغضب قبل أن تنشغل باحتواء نتائجه؟
ليست المشكلة أن ينزل الشباب إلى الشوارع، بل أن تصل أجيال كاملة إلى قناعة بأن الشارع قد يكون أكثر قدرة على إيصال صوتها من المؤسسات التي يفترض أن تمثلها. عند هذه النقطة، لا تعود المظاهرات مجرد تجمعات عابرة، بل تصبح مؤشراً سياسياً على اتساع المسافة بين ما ينتظره المجتمع وما تستطيع السلطة إقناعه بأنها تفعله من أجله.
في ألمانيا وفرنسا، برز هذا السؤال مجدداً مع موجة الاحتجاجات التي شهدها البلدان في أكتوبر/تشرين الأول 2026. اختلف حجم التعبئة وسياقها من بلد إلى آخر، لكن المطالب المتصلة بالتعليم وتكاليف المعيشة والسكن والعدالة الاجتماعية منحت التحركات أرضية مشتركة، فيما أعادت أعمال العنف التي رافقت بعض التجمعات فتح النقاش حول حدود الاحتجاج ومسؤولية الشرطة. المسألة، إذاً، لا تتعلق فقط بما حدث في الشوارع، بل بما أوصل الشباب إليها، وبكيفية استجابة الدولة لما يكشفه غضبهم.
من ألمانيا إلى فرنسا: مطالب متشابهة ومساران مختلفان
في 31 أكتوبر/تشرين الأول، شهدت ألمانيا احتجاجات شبابية تحت شعار «Gen Z regelt»، شارك فيها عشرات الآلاف في أكثر من ثلاثين مدينة، مطالبين بتحسين التعليم، وتوفير السكن بأسعار معقولة، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتعزيز حماية المناخ، ورفض العودة إلى التجنيد العسكري الإلزامي. وبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، بقيت غالبية التجمعات سلمية، رغم وقوع مواجهات في بعض المدن، شملت إحراق حواجز وإلقاء مفرقعات وأجسام باتجاه الشرطة. وفي كولونيا وهامبورغ وفرانكفورت، شهدت الأحداث تدخلات أمنية وإصابات في صفوف أفراد الشرطة، فيما استخدمت السلطات وسائل لتفريق بعض التجمعات.
أما فرنسا، فقد شهدت في اليوم نفسه عطلة أسبوعية ثالثة متتالية من الاحتجاجات الواسعة. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 320 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، مقابل تقديرات أعلى لدى الجهات المنظمة. وكانت الاحتجاجات قد سجلت نحو 410 آلاف مشارك في الأسبوع السابق، وأكثر من نصف مليون في 17 أكتوبر، وفق الأرقام الحكومية التي أوردتها الوكالة نفسها.
بدأت التحركات الفرنسية باحتجاجات طلابية على تردي أوضاع المدارس ونقص المعلمين ومشكلات نظام القبول الجامعي، ثم اتسعت لتشمل نقابات ومجموعات اجتماعية أخرى، مع مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية. ورغم اتساع المشاركة، شهدت بعض المواقع مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب خلال الأسابيع السابقة، ما دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية. وفي احتجاجات السبت، وقعت مواجهات قرب نهاية المسيرة في باريس، تبادل خلالها بعض المحتجين والشرطة إلقاء المقذوفات واستخدام وسائل التفريق.
هذه المقارنة لا تعني أن التجربتين متطابقتان. فالاحتجاجات الفرنسية أوسع من حيث التعبئة واستمرارية التحركات، فيما اتسمت المبادرة الألمانية بطابع شبابي واضح وبمطالب متعددة لم تتجمع كلها بعد في برنامج سياسي موحد. لكن التشابه في بعض المطالب يفرض سؤالاً يتجاوز حدود البلدين: ما الذي يجعل أعداداً كبيرة من الشباب تشعر بأن مستقبلها لا يحظى بما يكفي من الاهتمام؟
أزمة المستقبل قبل أزمة الشارع:
من الخطأ التعامل مع مطالب الشباب باعتبارها قائمة منفصلة من المشكلات. فصعوبة الحصول على سكن مناسب، وتراجع جودة بعض المؤسسات التعليمية، وارتفاع تكاليف الحياة، والقلق من فرص العمل، ليست بالضرورة أزمات مستقلة؛ إنها جوانب متداخلة من سؤال واحد يتعلق بإمكان بناء حياة مستقرة. حين يشعر الشاب بأن سنوات الدراسة لا تضمن له فرصاً عادلة، وأن دخله المحتمل لن يسمح له باستقلال اقتصادي، وأن القرارات المتعلقة بمستقبله تُتخذ من دون مشاركة فعالة منه، تتراجع ثقته بقدرة المؤسسات على الاستجابة.
لا يعني ذلك أن جميع الشباب يعيشون الظروف نفسها، أو أن كل الاحتجاجات تعكس أزمة واحدة. كما لا يكفي حجم المشاركة وحده لإثبات وجود تحول سياسي عميق. لكن اتساع التعبئة وتكرارها يقدمان مؤشراً يستحق الفحص، خصوصاً عندما تتجاوز المطالب قضية منفردة وتلتقي عند الشعور بالتهميش أو انعدام العدالة.
في فرنسا، ساهم انضمام النقابات ومجموعات اجتماعية أخرى إلى التحركات الطلابية في توسيع قاعدة الاحتجاج. أما في ألمانيا، فقد جمعت المبادرة بين مطالب التعليم والمناخ والسكن والخدمات الاجتماعية والاعتراض على التجنيد. والدلالة هنا أن الشباب لا يحتجون بالضرورة على قرار حكومي واحد، بل على تصور أوسع لمستقبلهم. وهذا النوع من الغضب لا يمكن احتواؤه طويلاً عبر الإجراءات الأمنية وحدها، لأنه يرتبط بأسباب اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى سياسات قابلة للقياس والمساءلة.
حين تتحول المطالب إلى مواجهات:
لا ينبغي أن يقود التعاطف مع المطالب الاجتماعية إلى تبرير العنف، مثلما لا ينبغي أن يؤدي وقوع العنف إلى التشكيك في مشروعية الاحتجاج كله. فالاعتداء على الأشخاص، وإحراق الممتلكات، ونهب المتاجر، وإلقاء المقذوفات على الشرطة، أفعال يجب التعامل معها وفق القانون والأدلة. ولا تمنح عدالة المطلب السياسي مرتكبيه حصانة من المسؤولية الجنائية.
لكن العكس صحيح أيضاً: لا يجوز تحميل آلاف المشاركين السلميين مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد أو مجموعات محددة، ولا تحويل المخالفات الفردية إلى مبرر للتعامل مع التجمع بأكمله باعتباره تهديداً أمنياً. وتزداد أهمية هذا التمييز في فرنسا، حيث امتدت التعبئة على مدى أسابيع، ووقعت أعمال شغب ونهب في بعض المواقع.
وفي ألمانيا، أظهرت أحداث 31 أكتوبر أن التحركات التي بدأت سلمية في معظمها لم تكن بمنأى عن التصعيد في بعض المدن. غير أن هذه الوقائع لا تثبت، بمفردها، أن الحركة الشبابية بمجملها تتجه نحو العنف، أو أن جميع التحذيرات الأمنية السابقة كانت دقيقة في تقدير المخاطر. المعيار المنصف هو تحديد المسؤولية بحسب الفعل الفردي والأدلة، لا بحسب الانتماء إلى جيل أو حركة أو تجمع.
● عندما يستغل البعض المظاهرات لتصفية الحسابات مع المجتمع والقانون
كشفت أحداث السبت 31 أكتوبر/تشرين الأول في ألمانيا عن جانب آخر من الاحتجاجات، لا يتعلق بالمطالب الاجتماعية التي خرج الشباب للتعبير عنها، بل بمجموعات وأفراد استغلوا التجمعات وحالة الازدحام والتوتر لممارسة أعمال عنف وتخريب وسرقة، في مشاهد تجاوزت حدود الاحتجاج السياسي المشروع.
وكانت فرانكفورت الأكثر وضوحاً من حيث حجم التجاوزات. فبعد أن شهدت المدينة مظاهرة شارك فيها نحو ثمانية آلاف شخص، وُصفت بأنها سلمية إلى حد كبير، بدأت أعمال الشغب تتصاعد بعد أن أعلنت الشرطة إنهاء التجمع قرابة الساعة السادسة وعشرين دقيقة مساءً. وشهدت منطقة التسوق الرئيسية Zeil ومحيطها تحطيم واجهات محلات تجارية واقتحام متاجر ونهب محتوياتها، بينها متجران للأحذية. كما تعرض متجر لبيع الأسلحة لهجوم، وأعلنت الشرطة أنها ضبطت سلاحين داخل المتجر، وأوقفت عدداً من المشتبه بهم. وتحدثت الشرطة عن أكثر من ثلاثين توقيفاً مؤقتاً، فيما أُصيب عدد من عناصرها خلال المواجهات، وأُحرقت حاويات نفايات وأُلقيت المفرقعات والحجارة والزجاجات باتجاه القوات الأمنية.
ومن التفاصيل اللافتة في تقرير هيئة البث الإقليمية Hessenschau أن غالبية الأشخاص الذين شاركوا في أعمال الشغب والاعتداءات لم يكونوا ضمن المسيرة الاحتجاجية الأصلية. وهذا التفصيل مهم عند قراءة ما جرى، لأنه يوضح أن وجود أعمال عنف في محيط مظاهرة لا يعني بالضرورة أن المشاركين فيها هم من ارتكبوها، أو أن المنظمين يتحملون تلقائياً مسؤوليتها.
وفي كولونيا، أوقفت الشرطة المسيرة المقررة بعد تسجيل حالات إخفاء للوجوه وإشعال ألعاب نارية. وبعد إعلان انتهاء التجمع، تعرضت قوات الشرطة لهجمات من مجموعات بقيت في المكان، ما دفعها إلى استخدام خراطيم المياه. وأعلنت الشرطة إصابة أحد عناصرها، كما أخضعت مئات الأشخاص لإجراءات التحقق من الهوية، وبدأت تحقيقات تتعلق بالإخلال الجسيم بالسلم العام.
أما في بريمن، فقد سجلت الشرطة اعتداءات مباشرة على عناصرها بعد انتهاء المظاهرة، شملت الضرب والركل ورشق القوات بالزجاجات، إضافة إلى إحراق حاويات نفايات وإلحاق أضرار بسيارات وإلقاء أجسام في الطريق. وأعلنت الشرطة إصابة أحد عناصرها بجروح طفيفة، واحتجاز عدد من المشتبه بهم على ذمة الإجراءات.
وفي هامبورغ، شارك نحو 6700 شخص في التحرك الاحتجاجي. لكن الشرطة سجلت إشعال ألعاب نارية وإخفاء وجوه بعض المشاركين، وسرقة حواجز تنظيمية وإشعال حريق صغير باستخدامها داخل التجمع. كما تعرضت القوات الأمنية للرشق بالحجارة والألعاب النارية وأجسام أخرى. وبعد إنهاء المظاهرة، استمرت مجموعات صغيرة في محاولة إقامة حواجز وإشعال مواد في الشوارع، فيما تدخلت الشرطة واستخدمت خراطيم المياه لتفريق تجمعات في محيط محطة القطار الرئيسية.
وفي لايبزيغ، شارك نحو سبعة آلاف شخص في مظاهرة وصفتها الشرطة بأنها سلمية إلى حد كبير، لكنها سجلت أكثر من 80 مخالفة وجريمة مرتبطة بإخفاء الوجوه وإشعال الألعاب النارية. وبعد انتهاء التجمع، تحركت مجموعة قُدّر عدد أفرادها بنحو 250 شخصاً، وألقت تجهيزات مواقع بناء وإشارات مرورية في الطريق، وحطمت زجاج محطات الانتظار، ما استدعى تدخل الشرطة لمنع استمرار التخريب.
وفي شتوتغارت، أعلنت الشرطة تسجيل نحو 50 مخالفة وجريمة، معظمها يتعلق بإخفاء الوجوه وإشعال الألعاب النارية، إضافة إلى أضرار مادية محدودة. كما أُصيب خمسة من عناصر الشرطة بجروح طفيفة، وأُوقف عدد من المشتبه بهم مؤقتاً. وفي برلين، بقيت المظاهرة الرئيسية أمام بوابة براندنبورغ سلمية، بينما شهد تجمع آخر مستقل في منطقة Rosenthaler Platz ومحيط برلين-ميته توتراً ورشقاً للشرطة بالبيض والحجارة والزجاجات وإشعال ألعاب نارية، قبل إنهاء المسيرة مبكراً، مع تسجيل إصابات طفيفة في صفوف الشرطة وتوقيفات متفرقة.
وفي المقابل، لم تسجل ميونخ تجاوزات واسعة مماثلة. فقد وصفت الشرطة المظاهرة التي شارك فيها آلاف الأشخاص بأنها سلمية إجمالاً، رغم بعض المخالفات الفردية وإشعال ألعاب نارية وبقاء مجموعة من المشاركين في ساحة Geschwister-Scholl-Platz بعد انتهاء التجمع الرسمي.
بين التحذيرات الأمنية والوقائع الميدانية:
لم تكن المخاوف من استغلال المظاهرات مجهولة لدى السلطات الألمانية قبل وقوع الأحداث. فقد حذّر وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوسيك، يوم 29 أكتوبر، من احتمال تسلل مجموعات يسارية متطرفة ذات استعداد للعنف إلى احتجاجات فرانكفورت واستغلالها لأغراضها. كما أشار مكتب حماية الدستور في هامبورغ، قبل المظاهرات، إلى مشاركة مجموعات يسارية متطرفة وأخرى ذات صلات تنظيمية خارجية في التعبئة والدعوة إلى المشاركة.
لكن ينبغي التمييز هنا بين وجود تحذيرات أمنية مسبقة، وبين إثبات هوية كل من ارتكب أعمال التخريب والسرقة. فهذه مسألة تتطلب نتائج التحقيقات والأدلة، ولا يجوز تحويل التوقعات الأمنية إلى أحكام مسبقة على جميع المشاركين أو على مجموعات سياسية بأكملها.
ومن المهم أيضاً أن مبادرة Gen Z regelt أعلنت تمايزها عن أعمال العنف، فيما عبّر أحد منظمي احتجاج فرانكفورت عن صدمته مما حدث، وأكد أن المنظمين بذلوا جهوداً لتجنب هذه المشاهد.
الاحتجاج حق، والاعتداء جريمة:
ما حدث في بعض المدن الألمانية يطرح مسألة تتجاوز الخلاف حول المطالب الشبابية أو السياسات الحكومية. فمن غير المقبول أن يتحول الاحتجاج إلى فرصة لسرقة متاجر أو الاعتداء على العاملين فيها أو تدمير ممتلكات لا علاقة لأصحابها بالقرارات السياسية موضع الاعتراض. فالمتاجر ليست مؤسسات حكومية، وأصحابها والعاملون فيها ليسوا طرفاً في الصراع السياسي، ولا يجوز تحميلهم كلفة غضب الآخرين.
كما أن استغلال الحشود لإخفاء هوية المعتدين أو الإفلات من المساءلة لا يحوّل الجريمة إلى فعل احتجاجي، ولا يمنح مرتكبيها أي شرعية سياسية أو أخلاقية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول هذه الأحداث إلى ذريعة لتشويه حركة شبابية واسعة أو مصادرة حقها في التعبير عن مطالبها. فالمسؤولية الجنائية فردية، ويجب تحديدها استناداً إلى الأدلة والتحقيقات، سواء تعلق الأمر بالسرقة أو التخريب أو الاعتداء على الشرطة أو أي تجاوز آخر.
إن المجتمع الديمقراطي لا يُختبر فقط بقدرته على حماية حق الناس في التظاهر، بل أيضاً بقدرته على حماية الممتلكات والأفراد، ومحاسبة المعتدين دون انتقائية، وضمان ألا يدفع المتظاهرون السلميون ثمن أفعال لم يرتكبوها.
فالاحتجاج وسيلة للمطالبة بالتغيير، وليس ترخيصاً بالفوضى. ومن يسرق أو يعتدي أو يخرّب لا يدافع عن مستقبل الشباب، بل يعتدي على حقوق الآخرين ويضعف مشروعية المطالب التي خرج الناس من أجلها.
الدولة بين حماية الأمن وصيانة الحق في الاحتجاج:
تواجه السلطات في البلدين مسؤولية مزدوجة: حماية الأشخاص والممتلكات من الاعتداءات، وصون الحق في التجمع والتعبير السياسي. في فرنسا، أعلنت وزارة الداخلية تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي لتأمين تحركات 31 أكتوبر، في ظل تقديرات رسمية بارتفاع مخاطر الاضطرابات، ولا سيما خلال ساعات المساء. وشملت الإجراءات انتشاراً أمنياً واسعاً وعمليات تفتيش وقيوداً على بعض التجمعات.
لا تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على نجاح السياسة الأمنية أو إخفاقها. فارتفاع عدد أفراد الشرطة قد يعكس تقديراً للمخاطر، لكنه لا يثبت تلقائياً أن الإجراءات كانت متناسبة، مثلما أن وقوع أعمال شغب لا يثبت أن كل تدخل أمني كان ضرورياً. وتنطبق القاعدة نفسها على ألمانيا، حيث أوقفت الشرطة مسيرات أو تدخلت في بعض المدن بسبب مخالفات وأعمال عنف.
إن حماية حرية التجمع لا تعني منع الشرطة من التدخل عند وقوع اعتداءات، بل تقتضي أن يكون تدخلها محدداً ومبرراً، وأن تظل إجراءاتها خاضعة للمساءلة. كما أن حماية الأمن العام لا تمنح السلطات صلاحية معاقبة تجمع سلمي بسبب أفعال أفراد لا يمثلونه بالضرورة. هذه ليست معادلة نظرية؛ إنها جوهر العلاقة بين المواطن والدولة في مجتمع ديمقراطي.
هل يمكن مقارنة ألمانيا وفرنسا من دون الوقوع في التعميم؟
تقدم المقارنة ثلاث ملاحظات أساسية:
أولاً: تتشابه بعض المطالب الاجتماعية بين البلدين، لكن ذلك لا يعني تطابق الظروف الاقتصادية أو السياسية أو البنية التنظيمية للاحتجاجات. فلكل بلد مؤسساته وتقاليده الاحتجاجية وسياقه الاجتماعي.
ثانياً: لا يكفي التشابه في صور المواجهات للاستنتاج أن ألمانيا تسير بالضرورة نحو تكرار التجربة الفرنسية. فقد حذر باحثون ألمان في شؤون الاحتجاج من أن التعبئة الألمانية لا تظهر، حتى الآن، الاتساع والديناميكية نفسيهما اللذين ميزا الموجة الفرنسية.
ثالثاً: لا ينبغي قياس نجاح الاحتجاجات بمستوى الاضطراب الذي تحدثه، ولا قياس نجاح الحكومات بمجرد قدرتها على إنهائها. فالتظاهر وسيلة للتعبير والضغط السياسي، وليست عودة الشوارع إلى الهدوء دليلاً على معالجة أسباب الغضب.
ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟
لا يكفي أن تنتهي المظاهرات وتصدر السلطات بياناتها؛ فالمتابعة الجدية تقتضي مراجعة الوقائع الأمنية، والتحقق من الإصابات والتوقيفات، وفحص مشروعية استخدام القوة. وتحتاج الحكومات إلى التعامل مع المطالب الاجتماعية بوصفها قضايا عامة تستحق إجابات واضحة وسياسات قابلة للقياس.
كما تقع على المنظمين مسؤولية توضيح مطالبهم وتجنب العنف، وعلى المؤسسات الإعلامية عدم اختزال المشهد في صور النيران والاشتباكات، بل التمييز بين الوقائع الموثقة والتصريحات الرسمية.
مستقبل الشباب لا يُحسم في الشارع وحده؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات تسمع قبل أن تتصاعد المواجهات، وإلى أجهزة أمن تحمي الناس دون تجاوز القانون، وإلى مجتمع يرفض الاعتداءات دون التخلي عن حقه في الاعتراض.
المصادر والمراجع: 1.وكالة أسوشيتد برس (AP): تغطية احتجاجات ألمانيا الشبابية تحت شعار «Gen Z regelt»، وتفاصيل المواجهات والإجراءات الأمنية في كولونيا وهامبورغ وفراغكفورت (31 أكتوبر 2026). 2.وكالة أسوشيتد برس (AP): تقارير الاحتجاجات الفرنسية والأوروبية، وأرقام المشاركة في عطلات نهاية الأسبوع، وتطور الاحتجاجات الطلابية (31 أكتوبر 2026). 3.وزارة الداخلية الفرنسية: البيانات الرسمية حول التعبئة الأمنية ونشر 70 ألف شرطي ودركي لتأمين مسيرات 31 أكتوبر 2026. 4.إذاعة وسط ألمانيا (MDR): تقديرات وتحذيرات باحثين ألمان في شؤون الاحتجاج بشأن الفروقات الهيكلية بين التعبئة الألمانية والموجة الفرنسية (31 أكتوبر 2026).
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
احتِجاجُ الوُرودِ : ضد الخراب... السَّلامُ يليقُ بالشعوبِ Ro
...
-
التوغلات الإسرائيلية والمظاهرات الرافضة: هل تتجه سوريا إلى س
...
-
هل تتجه سوريا إلى توريث الملفات الإشكالية لرئيس حكومة جديد؟
-
الشعوب من حقها الاحتجاج، لكن لا حق لأحد في نهب المتاجر وتخري
...
-
من لا يملك مواقف وطنية ثابتة ولا يجرؤ على الظهور باسمه الصري
...
-
من جزار بانياس معراج أورال إلى عاطف نجيب: هل تقترب ساعة الحس
...
-
مصانع للبيع على الورق: كيف تتحول حاجة سوريا إلى الإعمار إلى
...
-
استثمار في الحجر وتدمير للبشر: السلطة الانتقالية وإعادة إنتا
...
-
الحسكة على خط المواجهة: فلول PKK وشبكات التهريب
-
تصريح يفتح ملفًا خطيرًا: هل دعمت «قسد» مشروعًا لتقسيم الساحل
...
-
من يخلق المعلومات؟ ومن يصنع «المصادر»؟ لا إدانة بتسجيل، ولا
...
-
أسئلة حول تفجيرات «أشباه الليل» وضحايا جسر مصياف
-
هل الانفجارات المتكررة صدفة، أم أن البنية الحيوية في سوريا ب
...
-
حين يصبح المجهول خطرًا بحد ذاته: كشف الجناة يبدأ من ضبط السل
...
-
من نزع الحجاب بالقوة إلى فرضه كشرط للتوظيف
-
في ظل غياب الأحزاب التاريخية: هل يصبح «الإخوان» مظلة للمتشدد
...
-
لا يمكن إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية تحدي الداخل والخارج
-
الفساد الاقتصادي ينخر المؤسسات وحيتان الحكومة تبتلع أموال ال
...
-
إعادة الإعمار مرتبطة باستحقاقات واضحة: الثقة قبل طلب مليارات
...
-
كي لا تكرر المعارضة أخطاء السلطة - نحو استعادة المشروع الوطن
...
المزيد.....
-
غوتيريش: إنهاء بعثة المينورسو لا يلغي حق شعب الصحراء الغربية
...
-
عطاؤنا مستمر.. متحدث اللجنة المصرية بغزة يكشف آليات توزيع قو
...
-
عطاؤنا مستمر.. متحدث اللجنة المصرية بغزة يكشف آليات توزيع قو
...
-
الأمم المتحدة تطالب بتحقيق عاجل في وفاة أحد موظفيها أثناء اح
...
-
الأبارة يبحث مع القائم بأعمال السفير الأمريكي سبل مواجهة الن
...
-
الأمم المتحدة: أكثر من 300 ألف نازح غرب اليمن بسبب تصاعد حدة
...
-
مئات آلاف النازحين في غزة مهددون بالبرد والسيول مع اقتراب ال
...
-
من فاكسمان إلى شاليط.. كيف هندس -الضيف- صفقات مبادلة الأسرى؟
...
-
التلفزيون الإيراني: اعتقال جاسوس زود العدو بإحداثيات مراكز إ
...
-
الأمم المتحدة: أكثر من 300 ألف شخص فرّوا من المعارك في غرب ا
...
المزيد.....
-
اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا
...
/ محسن العربي
-
مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي
/ عبد الحسين شعبان
-
حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة
/ زهير الخويلدي
-
المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا
...
/ يسار محمد سلمان حسن
-
الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع
...
/ خليل إبراهيم كاظم الحمداني
-
نطاق الشامل لحقوق الانسان
/ أشرف المجدول
-
تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية
/ نزيهة التركى
-
الكمائن الرمادية
/ مركز اريج لحقوق الانسان
المزيد.....
|