أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - التوازن المختل: صيرورة صراع -الكل ضد الكل- في الشرق الأوسط















المزيد.....

التوازن المختل: صيرورة صراع -الكل ضد الكل- في الشرق الأوسط


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 19:25
المحور: المجتمع المدني
    


الأطر الفلسفية لتقويض ثنائية المركز والأطراف
تنهض الفلسفة التفكيكية، في منطلقاتها النقدية، على زعزعة الثنائيات الضدية المستقرة في صلب الميتافيزيقا الغربية؛ إذ يُمنح الطرف الأول أسبقية أنطولوجية بوصفه أصلاً ونموذجاً مكتملاً، في حين يُدفع بالطرف المقابل نحو درك التبعية والنقصان. وفي ميدان تشريح آليات الهيمنة، تتجلى ثنائية "المركز والأطراف" بوصفها حجر الزاوية الذي شُيّدت عليه صروح الهيمنة الدولية؛ فالغرب الإمبريالي لم يبلور وعيه الذاتي بصفته فضاءً خالصاً للعقلانية، ومنبت الحداثة، ومستودع سيادة القانون، إلا عبر اصطناع "الأطراف" واختزالها في صورة النقيض الغارق في الهمجية والفوضى، والعاجز بنيوياً عن ممارسة السيادة الرشيدة. يستند هذا الفرز إلى وهم "حضور الأصل"، حيث يُنصّب المركز الإمبريالي، وفي مقدمته رأس الحربة الأمريكية، نفسه مرجعاً قيمياً ومعياراً جيوسياسياً مطلقاً؛ لتغدو الفضاءات الخاضعة لنفوذه، وفي طليعتها الشرق الأوسط، مجرد مجالات حيوية وظيفية تُدار خيوطها ويُعاد تشكيلها قسرياً بما يضمن استدامة السيطرة واستنزاف الموارد.

الهندسة الإمبريالية وسياسة الفوضى المصطنعة
لم تتشكل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط الحديث نتاج سياق تاريخي طبيعي يُعبّر عن تبلور تعاقد اجتماعي حر بين شعوب المنطقة، بل كانت نتاجاً لمباضع التمزيق الخرائطي التي أعملتها الدول الاستعمارية إبان تفكيك الدولة العثمانية. وقد شكّلت اتفاقية "سايكس-بيكو" (1916)، وما تلاها من وصاية دولية، التجسيد المادي لفرض جبروت المركز على الأطراف؛ إذ خُطّت الحدود باصطناع هندسي جائر تجاوز الواقع الإثني، والتاريخي، واللغوي، ومزق شبكات التفاعل الاقتصادي التلقائي. وقد ولد هذا التقطيع دولاً مصابة بتشوه الهوية وافتقار الشرعية، ومأزومة بانفصام حاد بين حدودها المفروضة والامتدادات القومية والوجدانية لشعوبها.

ولم ينحسر هذا المسار عند حدود الترتيبات الاستعمارية الأولى، بل عملت الإمبريالية الأمريكية، بورثتها للمنظومة الاستعمارية، على تطوير استراتيجيات التفتيت لضمان سيولة الأطراف ومنع قيام أي تحالف إقليمي متماسك ينازع المركز مكانته. وتجلت هذه النزعة في مشاريع تفكيك الدول الوطنية إلى كيانات هجينة متناحرة، على غرار ما تضمنته رؤية "عوديد ينون" وأطروحات المستشرقين حول تفتيت المنطقة وفق خطوط الصدع المذهبي والعرقي تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد". إن القراءة الفلسفية لهذه المخططات تكشف أن المركز لا يستهدف إرساء استقرار فعلي، بل يعتمد سياسة "التوازن المختل"؛ وهي استراتيجية ترمي إلى إبقاء الإقليم في مدار استنزاف ذاتي لا يبلغ حافة السقوط التام، ولا ينال شروط السيادة والنهوض، مما يجعل تدخّل واشنطن حاجة وظيفية مستدامة لضبط التوازنات والحيلولة دون بروز قوة مناهضة للهيمنة.

الإبادة المكانية وإعادة التشكيل البشري
أفرزت التدخلات العسكرية المباشرة وسياسات الاحتلال الاستيطاني تحولات ديموغرافية جذرية لم تكن مجرد عوارض للنزاع، بل أدوات ممنهجة لإعادة هندسة المجال الجغرافي والإنساني خدمة لأهداف المركز الإمبريالي. فالتشريد الجماعي، ومصادرة الأراضي، والتدمير الممنهج للحواضر العمرانية ليست إلا أدوات للسطوة المكانية الهادفة إلى استلاب الهامش وتفريغه من مقومات الفعل المقاوم.

التبعية الاقتصادية وتراكم نزع الملكية
على المضمار الاقتصادي، أجهضت التبعية المفروضة كل مسعى لتأسيس بنية إنتاجية تكفل التحرر الذاتي؛ إذ كُرّست علاقات التبادل غير المتكافئ لدمج اقتصاديات الشرق الأوسط كأطراف هامشية تضخ الخامات الأولية،وفي صدارتها النفط،نحو مراكز الإنتاج الغربية، لتستقبل في المقابل السلع الاستهلاكية ومعدات التسلح الفائضة. وقد أسفر ذلك عن تكريس نمط "الدولة الريعية" التابعة، التي ترهن بقاءها إما بشراء السلم الأهلي الهش بالريع المستباح، أو بتوسيع البطش الأمني المدعوم غربياً لحماية مصالح الشركات العابرة للحدود؛ الأمر الذي حوّل ثروات الإقاليم إلى أداة لدعم استقرار المركز مقابل تكريس تخلف الأطراف وإفقارها النسقي.

صيرورة صراع "الكل ضد الكل"
يستحضر الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في مصنفه "اللفياثان" توصيفاً لحالة الطبيعة بوصفها فضاءً موحشاً يفتقر إلى سلطة مركزية جامعة تحتكر العنف، مما يحيل الحياة إلى اقتتال مستمر يخوضه "الكل ضد الكل"، ويسوده رعب الموت العنيف والفاقة. بيد أن التفكيك المعرفي لواقع الشرق الأوسط يثبت أن هذه الحالة ليست قدراً جينياً أو ارتداداً إلى "بربرية متأصلة" كما تروج الخطابات الاستشراقية، بل هي نتاج مهندس بعناية؛ إذ عمدت التدخلات الإمبريالية إلى إسقاط الدول الوطنية، وتفكيك بنى التضامن الشعبي، وإطلاق العنان للغرائز المجهرية لتستحيل المنطقة إلى ساحة اقتتال ذاتي مستديم.

تشظي المركز وصعود الفواعل الوظيفية
يرفض النقد التفكيكي اختزال السيطرة في علاقة خطية تواجه فيها واشنطن أطرافاً مستسلمة؛ إذ يقوم نظام الهيمنة بتفويض المهام وتوزيع الأدوار عبر ما يُعرف بـ"الإمبريالية التابعة". تضطلع قوى إقليمية متوسطة بأدوار الضبط والمراقبة، وتدوير رؤوس الأموال، وتأمين الممرات الحيوية البحرية ، لخدمة شريان النظام الرأسمالي المعولم مقابل نيل تفويض بالنفوذ المحلي. وتتحول هذه الأطراف إلى أدوات تغذي الصراعات البينية كما يظهر في مسارح النزاع في جغرافيا الشرق الاوسط؛ لتغدو الهيمنة الأمريكية مركّبة وتدار بأيادٍ محلية تستنزف الإقليم وتشتت قدراته.

الاستعمار الداخلي وتمزيق النسيج الاجتماعي
لم تقتصر علاقات القهر على السيطرة الخارجية، بل استنسختها النخب الحاكمة داخلياً عبر آليات "الاستعمار الباطني"، حيث تركزت السلطة والثروة داخل العواصم والدوائر الضيقة، وجرى تهميش الأقاليم الطرفية والتجمعات الاجتماعية المتنوعة وتجريدها من مقدراتها. ولتثبيت أركان حكمها إزاء تصاعد الغضب الشعبي، لجأت الأنظمة الحاكمة إلى سلاح التطييف وتغذية النعرات الأهلية، محولةً الصراع الاجتماعي العادل من أجل الخبز والحرية إلى معارك طائفية ومذهبية أفقية بين المهمشين أنفسهم. وبذلك ارتهنت المجتمعات لصراعات فرعية تخدم مراكز الاستبداد وداعميها في المركز الغربي.

الانسداد الوجودي وتفكيك الأوهام
إن التوازن القائم في الشرق الأوسط ليس تعثراً سياسياً عارضاً، بل هو "انسداد وجودي" تُنتجه بنية الهيمنة عمداً وتديره واشنطن لمنع ميلاد كتلة تاريخية موحدة. وتثبت المحاولات الإمبريالية لترقيع هذا المأزق في مصفوفات التجارة،أنها وصفات لتفجير صواعق الدمار لا لنزع فتيلها؛ إذ يستحيل بناء استقرار على مقاصل الشعوب المقهورة. كما أن الاستكانة لما يُسمى "الديمقراطية التوافقية" لم تكن سوى تقنين طائفي لحالة الاحتراب الداخلي، حيث تتقاسم العصبيات الموارد وتديم ارتهانها للخارج.

إن تفكيك هذا الواقع يتطلب نسف المنظومة الفكرية التي أرساها الاستعمار وصانتها الدكتاتوريات؛ وذلك عبر بناء مفهوم تحرري للسيادة يتجاوز الترسيم الاستعماري، ويوحد نضال المهمشين في إطار تضامن إقليمي عريض يقتلع جذور التبعية والاستغلال الطبقي.

محرقة الاستقرار الموهوم
إن ما تدعوه الإمبريالية الأمريكية "استقراراً" للشرق الأوسط ليس سوى الاسم الحركي لمحرقة مدارة بحسابات دقيقة؛ حيث يُقاس حفظ التوازن بكميات الدم المراق لإبقاء الشعوب جاثية على ركبها. إن التوازن الأمريكي في منطقتنا هو "التوازن المختل" في أبهى تجلياته، والمصمم لئلا يموت المريض ولا يُشفى، ليبقى مسرحاً مفتوحاً لبيع السلاح وتأمين تدفق الطاقة. إن كل متوهم بإمكانية التعايش أو الاندماج ضمن هذه الهندسة الاستعمارية ليس سوى شريك في تسعير صراع "الكل ضد الكل"، ووقود لمطحنة إمبريالية تُقايض بقاء الأسياد بفناء الهوامش، وتبني عرش رفاهيتها على جماجم المحرومين.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعماري ...
- شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه- ...
- الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب
- الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة: تفكيك هندسة التحيز وتو ...
- المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط: من الانسياق الأعمى ...
- ديناميات الهيمنة الشاملة: أثر الاستهلاك المفرط وتسليع الأزما ...
- شروقٌ من فمِ طفل: حين أطلَّ كلكامش :ديستوبيا ميتاسريالية
- انتحار المركز: كيف تبتلع رخاوة الأطراف صُنّاعها؟
- سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسا ...
- أثر تغيّر قيمة الدولار في الهيكلية المزدوجة للاستلاب
- الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوس ...
- متلازمة الدوبامين: من الكسل المعرفي إلى تفاهة الاستهلاك
- لاهوت الاستبداد: الإحلال الوجودي ومعادلة السلطة المطلقة
- النيوباتريمونيالية وفلسفة الخوف: مآلات الانحراف الحضاري والف ...
- كهنة الاستبداد وعراة الوعي: التشريح الفلسفي لسقوط المثقف
- اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القر ...
- كهانة العجز: تشريح النكوص المعرفي وتواطؤ الوعي المقهور
- وثن الإمارة وذبيحة العقل: حفريات التحالف المدنس
- جدلية القلق الوجودي عند الهامش الطبقي: تفكيك مائدة التزييف و ...
- سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟


المزيد.....




- بوتين: روسيا وإفريقيا تنسقان مواقفهما في الأمم المتحدة وندعم ...
- مرشحة الإمارات لقيادة الأمم المتحدة تعرض رؤيتها وتدعو إلى نظ ...
- الأمم المتحدة تكشف عن بوادر نجاح في استعادة النظم البيئية وت ...
- بعد أكثر من 3 عقود.. الأمم المتحدة تطوي صفحة بعثتها السياسية ...
- قتل والتهم العشرات على مدار 15 عاما.. اعتقال قاتل متسلسل وآك ...
- -هيومن رايتس ووتش- تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في مدينة ت ...
- بن غفير يطالب باعتقال رؤساء الأحزاب العربية في إسرائيل وقطر ...
- الضفة.. اعتقال 13 فلسطينيا وهدم منزلين و5 آلاف مهجر ومحاصر ب ...
- بن غفير يطالب باعتقال رؤساء الأحزاب العربية في إسرائيل
- الأمم المتحدة: زراعة خشخاش الأفيون في أفغانستان تتضاعف أربع ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - التوازن المختل: صيرورة صراع -الكل ضد الكل- في الشرق الأوسط