أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسار العربي















المزيد.....

سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسار العربي


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 21:27
المحور: قضايا ثقافية
    


يقف العقل السياسي والاجتماعي المعاصر أمام مفارقة تاريخية شديدة التعقيد، تتلخص في التحول الجذري لآليات الهيمنة من أشكالها الخشنة والمباشرة إلى أشكال ناعمة ومموهة؛ حيث استُبدلت الأصفاد الحديدية بأصفاد فكرية وعقائدية تُقنع الخاضعين لها بأنهم يعيشون في ذروة التحرر. إن المقاربة النقدية لمقولة: "المشكلة لم تعد في تحرير العبيد، بل في إقناعهم بأنهم عبيد"، تكشف عن عمق الأزمة المعرفية والسياسية في العالم الحديث؛ إذ بات المستعبدون يدافعون عن سجنهم بضراوة لمجرد أنه طُلي بلون الحرية. هذه المقولة، التي تتجاوز البعد المجازي لتلامس جوهر الفلسفة السياسية، تُشخص بدقة آليات "الحرية الاستعمارية" وتجلياتها في ظل الرأسمالية المتوحشة، التي تعيد إنتاج سلب الإرادة في صورة خيارات طوعية، حيث يُكيَّف الأفراد نفسياً واجتماعياً لقبول القهر واعتباره نظاماً طبيعياً. وتطرح هذه الإشكالية أسئلة ملحة حول قابلية المجتمعات الهشة، وتحديداً في فضاء الشرق الأوسط والعالم العربي، لاستيعاب هذه الهيمنة وإعادة إنتاج مفاهيم بدائية وانتماءات أولية، كالطائفة والقبيلة والعشيرة، كآليات دفاعية أو كبدائل عن الدولة الوطنية المتعثرة. وفي قلب هذه التحولات العاصفة، يبرز التساؤل الجوهري حول دور منظومة اليسار العربي، التي كان يُفترض بها تاريخياً أن تشكل الطليعة النقدية والتحررية القادرة على تفكيك هذه البنى المتخلفة ومواجهة الهيمنة الخارجية. غير أن هذا اليسار غاص في أزمات هيكلية وتناقضات فكرية حادة، تراوحت بين الذوبان في مشاريع "قولبة" المجتمع المدني وتحويله إلى منظمات ممولة خارجياً، أو السقوط في فخ التحالفات الرجعية مع أنظمة الاستبداد تحت مظلة ما يُسمى بـ"الممانعة".

إخفاق الدولة الوطنية
إن إخفاق الدولة الوطنية وعودة الانتماءات الأولية لا يحدثان في فراغ تاريخي أو ثقافي، بل هما نتيجة مباشرة للتشوهات الهيكلية التي رافقت نشأة مؤسسة "الدولة الوطنية" في حقبة ما بعد الاستعمار، وتأثيرات الاقتصاد السياسي الطفيلي، مما أدى إلى ارتداد المجتمع وتفككه إلى ما يُعرف بـ"الانتماءات الأولية"، كالقبيلة والطائفة والعشيرة والعرق. تُعرّف الانتماءات الأولية بأنها هويات تسبق تشكل السياسة أو "ما قبل الدولة الوطنية"، تُفرض على الفرد بمجرد ولادته ولا يملك خياراً فيها. وتصبح هذه الهويات، التي تجمع أفراداً حول روابط الدم أو العقيدة، "مسيّسة" عندما تتحول إلى قنوات للفعل السياسي المنظم وملاذات آمنة توفر الحماية الاجتماعية والاقتصادية للأفراد في ظل دولة متسلطة تصادر الفضاء العام، أو دولة فاشلة تعجز عن توفير الخدمات الأساسية. وبدلاً من أن تحتكر الدولة وسائل العنف المشروع وتطبق حكم القانون بشكل مجرد وحيادي على جميع مواطنيها، تعمد السلطات الاستبدادية نفسها إلى تسييس هذه الانتماءات، واستدعاء الطائفية والعشائرية كأدوات استراتيجية لتعظيم نفوذها وبناء شبكات ولاء قائمة على الزبائنية والمحسوبية. وفي هذا السياق المعقد، لا تغدو "الطائفية" مجرد اختلاف فقهي بين مذاهب دينية، بل تصبح بنية اجتماعية وسياسية، ونظاماً اقتصادياً يعيد صياغة العلاقات المجتمعية. لقد ارتبط الاستقطاب الطائفي بمسار طويل من تآكل الدعائم المادية للمواطنة، وصعود "رأسمالية المحاسيب"، حيث تحولت انتماءات ما قبل الدولة إلى شبكة علاقات اقتصادية بديلة تنظم سوق العمل وتوفر الحماية في ظل انسحاب الدولة. إن الفرد الذي يفتقر إلى حقوق المواطنة الفاعلة يرتد حتمياً إلى حاضنته الأولى باحثاً عن الأمان، مما يمزق النسيج المجتمعي ويحول الوطن إلى فسيفساء من الجزر المنعزلة. وهذا التفتت يجعل المجتمع الهش قابلاً للاختراق الخارجي السهل، فتصبح الديمقراطية الغربية والحريات الاستعمارية أداة لتعميق هذه التصدعات بدعوى "حماية الأقليات" أو "دعم المكونات"، لتُعاد تركيب المجتمعات على أسس طائفية بحتة تقضي على الأسس الوطنية والإنسانية.

مآلات اليسار العربي
كان من المفترض، وفق التطور التاريخي والوعي النظري، أن تكون الحركات والأحزاب اليسارية في العالم العربي هي الحامل الاجتماعي والتاريخي لمشروع التحرر الجذري؛ التحرر من التبعية الاستعمارية الاقتصادية والسياسية، والتحرر من قيود الانتماءات الأولية البدائية المتخلفة. وفي البدايات، قدم مفكرون يساريون بارزون، على رأسهم الشهيد مهدي عامل (حسن حمدان)، تحليلات اجتماعية واقتصادية رائدة لفهم تركيبة المجتمعات العربية. فقد صاغ مهدي عامل مفهوم "النمط الإنتاجي الاستعماري" ليفسر أن تطور الرأسمالية في الأطراف لا يسير بالديناميات ذاتها التي حدثت في المركز الأوروبي. فالرأسمالية الاستعمارية لا تقضي على البنى التقليدية، بل تتصالح وتندمج مع علاقات ما قبل رأس المال (كالإقطاع والطائفية والعشائرية) لإنتاج بنية هجينة تخدم استمرارية التبعية. وكان هذا التحليل يستدعي من اليسار خوض نضال مزدوج:
نضال تحرر وطني ضد الاستعمار والتبعية، ونضال ديمقراطي وطبقي ضد الطبقات الثرية المحلية والطائفية.

فخ "قولبة" المجتمع المدني والرأسمالية الثقافية
منذ تسعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد المد الرأسمالي العالمي وانتصار اقتصاد السوق، شهد اليسار العربي انشطاراً خطيراً نحو اليمين الناعم. فبعد عقود من انسداد الآفاق السياسية، والتعرض لقمع وحشي من قبل الأنظمة العربية الحاكمة، وفقدان الدعم الخارجي، تحول الآلاف من الكوادر والمثقفين والنشطاء اليساريين إلى الانخراط في ما يُعرف بـ"قولبة المجتمع المدني". لقد تخلوا عن الأحزاب السياسية الجذرية للعمل كخبراء وباحثين وموظفين في المنظمات غير الحكومية الممولة بسخاء من المؤسسات الغربية. ولم يكن هذا التحول الهيكلي مجرد تغيير وظيفي، بل مثّل استيعاباً ناعماً للمقولات الرأسمالية؛ حيث استُبدلت تدريجياً المفاهيم الجذرية لليسار مثل "الصراع الطبقي"، و"التحرر الوطني"، و"الاستغلال الرأسمالي"، ومناهضة الاستعمار، بمفاهيم فنية مرنة أُفرغت من أي محتوى صدامي، مثل "الحوكمة الرشيدة"، و"التمكين"، و"الشفافية"، و"حل النزاعات". وبات هذا الشق من اليسار يدافع عن سجن مطلي بلون الحرية الفردية، ممارساً نشاطاً حقوقياً معزولاً ومبتوراً عن الجذور الاقتصادية العميقة للفقر والتبعية التي تسببت فيها الرأسمالية المتوحشة. إن ظاهرة "القولبة والتمويل" نجحت في ترويض العقل اليساري، وتحويله من محرك ثوري إلى مجرد منفذ لحملات مناصرة إصلاحية لا تتجاوز سقف الرأسمالية العالمي، مما ساهم في تعميق العبودية الطوعية للمثقفين عبر ارتهانهم لشبكات التمويل الدولية ووكالات التنمية التي تصيغ أولوياتهم.

متلازمة "الممانعة" والتحالف مع الرجعية
على النقيض تماماً من تيار المنظمات الممولة، وقع شق آخر من اليسار العربي في فخ فكري أشد خطورة وبؤساً، وهو متلازمة "الممانعة" والتحالف النفعي والذرائعي مع قوى الإسلام السياسي والأنظمة الاستبدادية الطائفية. وانطلاقاً من مبدأ أحادي الجانب يعتبر أن مناهضة الاستعمار الأمريكي والصهيونية هي الأولوية المطلقة التي تعلو فوق كل اعتبار، برر هذا اليسار تقاطعه وتحالفه العضوي مع حركات الإسلام السياسي ذات الطبيعة الدينية المحافظة، ومع أنظمة عسكرية وأمنية قمعية حكمت بالحديد والنار. وأدى هذا الموقف التبريري إلى تشوهات معرفية وأخلاقية فادحة؛ إذ رُوِّج باستمرار لأطروحة خطيرة تعتبر تيارات الإسلام السياسي هي "الممثل الطبيعي والوحيد" للفئات الشعبية بناءً على مغالطة أن الأكثرية مسلمون بالولادة. وبناءً على ذلك، بُرِّرت الخطابات الدينية الرجعية والمحافظة، وأُدين أي نقد تقدمي أو علماني لتلك الخطابات باعتباره نابعاً من أجندات أجنبية ومتماهياً مع رهاب الإسلام الغربي.

لذا، فإن مقولة "المشكلة لم تعد في تحرير العبيد، بل في إقناعهم بأنهم عبيد" تلخص المأزق الإنساني المعاصر بكثافة مرعبة وبصيرة نافذة. ففي ظل آلة الهيمنة الرأسمالية المعقدة، باتت شبكات السيطرة غير المرئية تتغلغل في العقل الباطن للجماهير عبر الدعاية الموجهة، والعنف الرمزي، والاستعمار الثقافي. وأصبحت "الحرية الاستعمارية" السلعة الأبرز التي تُسوّق لاستعباد الشعوب، وسلبها إرادتها وقدرتها على تقرير مصيرها الاقتصادي والسياسي. وبدلاً من أن تواجه النخب الثقافية والسياسية هذا الانحدار عبر مشروع نهضوي نقدي متكامل يتجاوز الهويات العمياء ويحطم أجهزة سلب الإرادة الفكرية، غاصت في أزمات القلق الجماعي، لتترك المجتمعات تواجه مصيرها بين مطرقة السلب الرأسمالي الخارجي وسندان الطائفية والرجعية الداخلية. ولا مخرج من هذه المتاهة التاريخية إلا بإعادة صياغة عقلانية نقدية جذرية تفكك المركزيات المهيمنة بلا هوادة، وتؤسس لدولة مواطنة حقيقية لا مكان فيها لانتماءات ما قبل الدولة ولا لهيمنة رأس المال المتوحش.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر تغيّر قيمة الدولار في الهيكلية المزدوجة للاستلاب
- الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوس ...
- متلازمة الدوبامين: من الكسل المعرفي إلى تفاهة الاستهلاك
- لاهوت الاستبداد: الإحلال الوجودي ومعادلة السلطة المطلقة
- النيوباتريمونيالية وفلسفة الخوف: مآلات الانحراف الحضاري والف ...
- كهنة الاستبداد وعراة الوعي: التشريح الفلسفي لسقوط المثقف
- اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القر ...
- كهانة العجز: تشريح النكوص المعرفي وتواطؤ الوعي المقهور
- وثن الإمارة وذبيحة العقل: حفريات التحالف المدنس
- جدلية القلق الوجودي عند الهامش الطبقي: تفكيك مائدة التزييف و ...
- سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
- تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا
- سياط الطغيان وعدسات التزييف: تشريح الجهل وتأميم الكرامة في م ...
- من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب ...
- لعنة الانعتاق: ميتافيزيقا العقل المصادر
- سُلطة القهر وأطياف البدء:حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسل ...
- تهافت التهافت وتفكيك أزمة التفلسف في الإسلام: أفق النزاع، ال ...
- التصدع البنيوي للنظام الدولي: بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجد ...
- انحلال الجمال الفلسفي في عصر التفاهة: تحولات علم الجمال والت ...
- التآزر المفاهيمي في استلاب العقل الاعتلال المعرفي الجمعي


المزيد.....




- -التحالف-: استهداف مطار الملك خالد -هجوم إرهابي يرتقي إلى جر ...
- إيلون ماسك: زيلينسكي تمادى أكثر من اللازم
- ترامب يوجه ضربة لزيلينسكي في أسوأ توقيت بالنسبة إلى كييف
- التحالف يعلن اعتراض وتدمير صاروخ باليستي في محافظة الخرج الس ...
- ترامب: ألمانيا كانت على بعد يومين من الانقراض وتتجه إلى حافة ...
- زاخاروفا: أمثال رئيس الوزراء الإستوني يجرون أوروبا إلى مستنق ...
- وسط التوتر مع الصين.. تايوان تؤكد أن زيادة إنفاقها الدفاعي ت ...
- دراسة تكشف عن علاج غير متوقع لآلام الركبة قد يحدّ من تدهور ا ...
- البخيتي لـRT: أنصار الله تقف وراء الهجوم على مطار الملك خالد ...
- ترامب: حان وقت رحيل زيلنسكي وعقد صفقة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسار العربي