غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 20:13
المحور:
المجتمع المدني
أركيولوجيا القلق والالتصاق بديمومة المستنقع
يقبع الكائن البشري في صميم مأزِق أنطولوجي مركَب يتحدد بالرعب الوجودي من المجهول وهشاشة الحاضر أمام غدٍ محتجب بالظلمة والتهديد، حيث تدفعه غريزة البقاء الصرفة إلى الالتصاق بأي بنية نظامية تمنحه الحد الأدنى من حفظ الديمومة، حتى وإن تجسدت تلك البنية في صورة مستنقع موبوء بالقهر والاستلاب. تتأسس هذه الوضعية على مفارقة غائرة في الذات الإنسانية؛ فالزمن لا يتبدى هنا بوصفه أفقًا تاريخيًا لتحقيق الإمكانات واكتمال الحرية، بل كقوة باطشة تجر الكيان نحو الفَنَاء، مما يولد ارتدادًا نفسيًا حادًا يفضل الاستقرار في الحضيض على مغامرة التحرر المحفوفة بالعدم. ينشأ عن ذلك تواطؤ صامت بين الضحية وشروط قهرها؛ إذ يجري اختزال معنى الوجود برمته في مجرد تجنب الفَنَاء الفيزيائي.
تكمن الدلالة التفكيكية لهذا الارتهان في الكيفية التي يعيد بها الوعي المستلب تأويل قعر المستنقع وتسميته؛ فالعجز عن كسر شروط القهر يدفع الإنسان المقهور، عبر عمليات دفاعية لاواعية، إلى إسقاط صفات القداسة والأبدية على واقع التردي، متحايلًا على بؤسه بتفسير البقاء العاري بوصفه "خلودًا". لا يمثل البقاء هنا انتصارًا نوعيًا للذات، بل يجسد تكيفًا قسريًا مع الإهانة المنظمة؛ إذ يتحول الامتثال إلى فضيلة وجودية، وتُستبدل الإرادة الحرة بنزوع جبري يخلع على المستنقع طابع الضرورة الميتافيزيقية. إن هذا النزوع نحو التماهي مع الهوان يفرغ مفهوم الحياة من أي محتوى أخلاقي أو سياسي، محيلًا إياها إلى مجرد آلية بيولوجية مستمرة تُغلق دونها سبل التجاوز والتعالي التاريخي.
زيت الكاهن وسيف السلطان
حين ينهض الفكر النقدي، ممثلًا في صوت الفيلسوف، محاولًا اختراق هذه العَتَمَة وإشعال سراج العقل لكشف عوار الواقع وتفكيك أصنامه، يصطدم تاريخيًا وبنيويًا بحلف راسخ لا يتردد في خنقه. هذا التحالف الذي يجمع بين المؤسسة الدينية والسلطة الزمنية لا يمثل تقاطعًا سياسيًا عارضاً، بل هو اشتغال عضوي يُوظف فيه "زيت الكاهن" لترويض النفوس وإسباغ القداسة على سيف السلطان، ليغدو قمع التفكير الحر واجبًا دينيًا وضرورة لاستقرار المجتمع.
آليات القمع الرمزي ونكبة العقل البرهاني
يقدم المسار التاريخي للفلسفة، كما تجسد جليًا في نكبة أبي الوليد بن رشد في الأندلس، نموذجًا ساطعًا لكيفية توظيف الرأسمال الرمزي لسحق التفكير التنويري؛ إذ لم تكن محاكمة ابن رشد وإحراق كتبه ونفيه سوى تعبير عن أزمة سياسية عميقة وظفت فيها السلطة تحريض الفقهاء واستعداء الجماهير لحسم صراعاتها والحفاظ على شرعيتها المتداعية. يكشف نقد بنية العقل التراثي أن نكبة الفلسفة كانت في جوهرها "محاكمة للسياسة بغطاء ديني"، حيث يجري تقديم الفيلسوف كقربان لتهدئة هياج العامة وضمان ولائها للمركز الحاكم.
يتطابق هذا المنحى مع أطروحة محمد أركون حول "السياج الدوغمائي المغلق"، الذي تشيده المؤسسة العقائدية لتسييج الفكر داخل نصوص مقدسة وتأويلات سلطوية متعالية عن النقد والتاريخية. يصبح الفكر النقدي داخل هذا الفضاء تدنيسًا للمقدس وتهديدًا لتماسك الجماعة، ويتحول الحاكم إلى حامٍ للأرثوذكسية القائمة، مما يجعل استئصال صوت الفيلسوف عملًا مباركًا يلقى تأييد المقهورين أنفسهم، الذين يدافعون عن قيودهم باستماتة تحت راية حماية الإيمان.
السلطة الرعوية وهندسة الانقياد الإيماني
يتعمق هذا القمع حين يُقرأ عبر مفهوم "السلطة الرعوية" لدى ميشيل فوكو، وهي تلك التقنية السلطوية التي ولدت في الرحم اللاهوتي للكنيسة ورجال الدين لتنتقل لاحقًا إلى صميم أجهزة الحكم السيادي. تمارس هذه السلطة وصايتها عبر ادعاء معرفة دخائل النفوس وتوجيه الضمائر الفردية والجمعية نحو الخلاص الأخروي.
يقوم الكاهن بمراقبة وتشكيل المعنى وتطويع الرغبات الدفينة تحت مظلة "الرعاية الروحية"، بينما تتولى السلطة السياسية تنظيم الإخضاع المادي للأجساد وضبط حركتها في الفضاء العام. ينسج هذا التضافر شبكة هيمنة متكاملة تخنق مشعل الفيلسوف قبل أن ينتشر ضوؤه؛ ذلك أن النور الفلسفي يهدد بنزع القداسة عن هذه الرعاية المصطنعة ويكشف عن طابعها الانضباطي القمعي، مما يضع المؤسسة والسلطة في خندق دفاعي واحد يستثمر في استدامة جهل الرعية وتأطير وعيها ضمن حدود الطاعة المسلّم بها.
اختزال الوجود إلى "الحياة العارية"
يؤدي تضافر القهر السياسي واللاهوتي إلى تفكيك مقومات الوجود الإنساني المركَب، حيث تنحدر التجربة المَعِيشة تدريجيًا لتفقد كل زخم فكري أو أخلاقي، وتتحول الجموع إلى مجرد أجساد معلقة عند حدود البقاء البيولوجي الأدنى.
إن هذا التراجع نحو الغريزة الحيوية يجد جذوره النفسية والسياسية في تشريح إتيان دي لا بويسيه لظاهرة "العبودية الطوعية"، حيث تساءل بدهشة فلسفية عن السر الكامن وراء خضوع شعوب وأمم بكاملها لحكم طاغية فرد لا يستمد سلطانه إلا مما يمنحه إياه المقهورون من طاعة وتنازل. لا يتأسس استقرار الطغيان في مراحله المتقدمة على العنف الخارجي المباشر والسياط، بل على تحول القهر بفعل الزمن والتوارث إلى "عادة" متحدرة تفعل في الأرواح فعل السم السائغ، بحيث يولد الأفراد داخل بنية القمع فيعدّونها نظامًا طبيعيًا وأزليًا.
تنطلق هذه السلسلة من ممارسة العنف المادي والرمزي الصادم، الذي يُفضي إلى شل الفاعلية السياسية وتجريد الذات من أفق الفعل التاريخي لتكتفي بحفظ كيانها الحيوي. ومع مرور الأجيال، تتبلد مشاعر السخط وتتحول شروط الإذلال إلى تقاليد اجتماعية راسخة تتواطأ فيها الأسرة والمؤسسة التربوية والدينية لتطبيع النشء مع الانقياد. في هذه المرحلة، تنتقل التبعية من حيز الإكراه إلى فضاء الإرادة الواهمة؛ حيث يستبطن الإنسان قيوده، ويعشق خدمته لجلاده، بل ويقاتل دفاعًا عن سيده، مفضلًا أمن الأصفاد المألوف على حرية المجهول المحفوفة بالمخاطر.
الميكانيزم الذبائحي والضحية البديلة
يكشف رينيه جيرار في كتابه العنف والمقدس عن المحرك الخفي للاجتماع البشري عبر مفهوم "الرغبة المحاكاتية"؛ فالأفراد لا يرغبون في الموضوعات لذاتها، بل يحاكون رغبات نظرائهم، مما يدخل المجتمع في متوالية صراعية مدمرة تلغي الفروق الفردية وتهدد بانفجار عنف شامل لا يبقي ولا يذر.
لتفادي هذا التدمير الذاتي، تلجأ الجماعات البشرية غريزيًا إلى "آلية كبش الفداء"؛ حيث تتفق فجأة على تركيز كل العنف الداخلي المشحون وتوجيهه ضد "ضحية بديلة" مستضعفة أو خارجة عن النسق المألوف. يُلقى باللائمة على هذه الضحية في كل ما أصاب الجماعة من بؤس وانهيار، وتصبح تصفيتها الجسدية أو الرمزية وسيلة لاستعادة السلم الأهلي والتماسك الداخلي.
يمثل الفيلسوف، أو المفكر المستقل الذي يشذ عن سياج الجماعة، النموذج المثالي لهذه الضحية البديلة؛ إذ يتطابق صوته المخالف مع ملامح المهدد المفترض، وتوفر تصفيته متنفسًا للجماهير المقهورة لإفراغ شحنات غضبها المتراكمة دون المساس بالبنية الحقيقية للسلطة. وبموت الضحية البديلة أو نفيها، يهدأ العنف مؤقتًا، وتُولد هالة جديدة من القداسة تبرر للمجتمع استقراره المستعاد وتكرس انقياده للمؤسستين الدينية والسياسية اللتين رعتا الطقس الذبائحي.
تأبيد الطوارئ كقاعدة تاريخية
تتضافر هذه الرؤية الأنثروبولوجية مع ما سجله فالتر بنيامين في تأملاته حول التاريخ، مؤكدًا أن "حالة الاستثناء" التي ترزح تحتها الشعوب المقهورة ليست واقعًا طارئًا أو انقطاعًا عن مسار سوي، بل هي القاعدة البنيوية التي يقوم عليها تاريخ الهيمنة. إن المستبد يوظف شبح الماضي وصدماته المتوارثة لإبقاء المجتمع في رعب مستمر من خطر وشيك أو فتنة ماحقة، مما يسوغ تعليق الحقوق واستمرار الإجراءات الاستثنائية كأمر دائم.
يتوارث المقهورون الخوف عبر الأجيال كنسق تربوي ونفسي لا فكاك منه، وتغدو حماية الجماعة من أشباح الماضي مبررًا للرضوخ التام لسلطة الحاضر. يُعاد هنا تدوير العنف الممنهج عبر التاريخ ليس بوصفه شرًا، بل درعا وحيد يحمي من العودة إلى الفوضى البدئية، وتتحول رغبة البقاء في المستنقع إلى خِيار عقلاني وحيد يضمن النجاة من دمار أعظم، مما يُحكم إغلاق الدائرة التاريخية على الإنسان المستلب.
تقويض الميتافيزيقا الهرمية
تقوم هندسة الاستلاب اللاهوتي والسياسي على ثنائيات هرمية صارمة تدعي النقاء والاكتمال في طرف، وتلقي بالطرف الآخر في مهاوي النقص والرذيلة.
تتجسد الثنائية الأولى في تقابل النور والظلمة؛ إذ تحتكر السلطة الرعوية والسياسية النور والحقيقة المطلقة، وتصف محاولات الفيلسوف المستقل بأنها إشاعة للظلمة والضلال والفتنة، متناسية أن هذا "النور" المؤسسي ليس سوى جمرات حارقة تُسفح بها الدماء ويُخنق بها الوعي.
وتتجلى الثنائية الثانية في تقابل السعادة والشقاء؛ حيث تُعرف السعادة بالامتثال والخضوع الصامت، ويُجرّم الشقاء والحزن النقدي بوصفهما عجزًا نفسيًا أو تمرداً خيانياً، متجاهلة أن الألم المعاش هو الصرخة الحقيقية لانتهاك الكرامة.
أما الثنائية الثالثة فتتمثل في تقابل الخلود والعدم؛ حيث توظف الديمومة الميتافيزيقية وتبريرات الخلاص لتسويغ الانسحاق التاريخي للإنسان، وتحويل موته الفعلي تحت وطأة القهر إلى وهم استمرار مقدس لا فَنَاء له.
يعلمنا التفكيك الدريدي أن هذه الأزواج الضدية محكومة بآلية "التأجيل والمفارقة"، وأن المعاني لا تستقر في كينونة مغلقة؛ فمفهوم النور المؤسسي يتغذى باطنًا على القمع والظلام، ومفهوم السعادة الاستهلاكية والامتثالية ليس إلا شقاءً محجوبًا بتخدير الحواس. إن تعرية هذه التناقضات تكسر قداسة المركز المهيمن وتفتح فضاء النص والواقع على إمكانات قراءة مغايرة تقوض شرعية المستبد وكاهنه من أساسها.
يستلزم هذا التحول الشجاعة على اتخاذ موقع "الغريب عاطفيًا" الذي يرفض ابتلاع آلامه، ويعلن صراحة فساد السلم الاجتماعي المبني على جماجم الضحايا وتدجين العقول. إن الانفصال عن المستنقع لا يتحقق بالهروب نحو خلود متخيل أو بالالتصاق بديمومة خادعة، بل بالمواجهة المباشرة مع عَتَمَة الغد وقلق المصير. عند هذه النقطة الفاصلة، يدرك الوعي الإنساني أن الفَنَاء في دروب الانعتاق والبحث عن النور لهو أكثر امتلاءً بالحياة والكرامة من بقاءٍ مديد في قاع الهوان يُتوهم فيه الخلود وهو الموت المعجل بذاته.
إن التحالف التاريخي بين زيت الكاهن وسيف السلطان لم يكن مجرد واقعة عابرة في تاريخ الأمم كحادثة ابن رشد، بل هو آلية مستمرة لإنتاج الطاعة وإخماد مشاعل التنوير في مهدها، مستثمرة في تحويل السعادة من غاية وجودية إلى ترياق مخدر يُجهض التفكير السلبي ويُكرس العبودية الطوعية. كما أثبت التحليل أن استدعاء الماضي وصدماته الجمعية يهدف إلى تأبيد حالة الاستثناء، وتوجيه العنف المحاكاتي نحو الفيلسوف ككبش فداء يُذبح لإبقاء المجتمع في سياجه الدوغمائي المغلق.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟