غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 00:20
المحور:
الادب والفن
في مملكة الصراصر، تتنفسُ الكلماتُ هواءً فاسدًا، و لم تكن المآسي تُعلن عن قدومها بصفّارات إنذارٍ تصمّ الآذان، و الكوارث تركبُ عرباتٍ تجرّها خيولُ الجحيم. كانت كل كارثةُ، ببرودها المطلق، تُرسلُ إشارتها الأولى على هيئةِ تفصيلةٍ صغيرةٍ جدًا، تكاد لا تُرى بالعين المجردة، حبّة طينٍ بابليةٍ جافة سقطت سهواً على حافة كرسيّ متروك، صَدْعٌ رفيعٌ كشعرةٍ بيضاء يشقّ جسد لافتةٍ رسميةٍ كُتبت بدمِ القوانين، أو ربما أحدُ الكائنات الخرافية يخطئ في نطقِ كلمة واحدة على شاشة الموبايل، فيُسقط حرفًا من الأبجدية... وحين يسقط الحرف، يجرُّ العالم كلّه وراءه إلى الهاوية، وكأن الكلمات لم تكن يومًا أداةً للتواصل، بل خيوطَ صيدٍ غير مرئيةٍ نُسجت لاصطياد حروف شمسية. القصة في هذا البعد الميتاسريالي، تُريد أن تنسج لنفسها نهايةً مأساوية، لذا فهي لا تكتفي بافتراس الأشخاص العاديين؛ بل تعجنُ طينَ الخيال وتَصنعُ أساطيرَ كاملة لكي تُحاكمها في محكمةٍ لا قاضي فيها سوى الحبر.
لقد طفت هذه الكائنات على سطح المستنقع اللغوي، تشقّ طريقها في نصّ يتآكل من الداخل:
طُمُس-آنو": مخلوقاتٌ هلامية تُغطي نصف الحقيقة بشفاهٍ مصنوعة من رغوة الكلمات الميتة. ما تُخفي الواقع بالكذب المباشر، فالكذبُ حيلةٌ بدائية؛ بل تُخفي الواقع بقدرةٍ مرعبة على "نسيان السؤال". حين تسألها، تبتلعُ علامة الاستفهام، وتحيلُ عقل السائل إلى مساحةٍ بيضاء مفرغة من الفضول.
كوابيسُ إيرشكيجال المُقفلة": كائناتٌ تمشي في الأزقة السردية بعيونٍ من زجاجٍ مُعتَم. إذا التقت نظرتها بنظرتك، انفتحت في رأسك هوةٌ سحيقة، وقالت لك بصوتٍ يشبه حفيف الورق اليابس:
"أنتَ فهمت". وما إن تومئ برأسك، حتى تسحب الفهم من جيب ذاكرتك، كما تُسحب ورقةٌ ملطخةٌ بالوحل من فمٍ يتظاهر بالهدوء والسكينة.
بَقرَةُ أوروك ذات القشور: شبحٌ ضخمٌ يتشكل من آلاف القواقع البحرية المتراكمة على شواطئ النسيان. تتكلم بلهجةٍ سوقيةٍ فجّة، تكسر بها كبرياء اللغة الفصحى. هذه البَقرَة تَعرف أين تُدفن الأسرار، لأن الأسرار نفسها كانت تجلس في حِجرها عندما كانت طفلة، وتهمس لها بخطايا العالم السفلي.
ساحراتُ إينانا المُقَنفَذَات: لم تكن ساحراتٍ بالمعنى المألوف، بل قناعٌ يمشي مستقلًا بجانب الساحرة الخفية. القناعُ هو الذي يتحدث، يزمجر، ويُوقّع الأحكام بحبرٍ أسود، ثم يترك الساحرة الحقيقية تتلاشى بلا صوتٍ، كالأفعال التي تُرتكب دون أن يتحمل أحدٌ مسؤوليتها، أفعالٌ تطفو في الفراغ بلا فاعل.
لكنّ هؤلاء جميعًا، مع اختلاف مسمياتهم وأقنعتهم، بقوا مشدودين إلى جوهرٍ واحدٍ ينبض في قلب المستنقع:
إن اعتلاء الدفة في هذا النص لا يكوون نقيًا أبدًا. السلطة هنا ليست غاية، بل هي مجرد إعادة تدوير للفضيحة، تُغسل وتُكوى وتُلبس ثوبًا قانونيًا منهدما لتُعرض في واجهات التاريخ كأنها نصرٌ جديد.
مع مرور الأيام، وتعاقب الجمل وتراكم الفقرات، حدث ما لا تحبّه القصص على الإطلاق:
بدأت القصة تَتْعَبُ من نفسها. أُصيب السرد بالإنهاك.!
فكلما حاول الخرافيون تثبيت دعائم عرشهم، اكتشفوا بمرارةٍ سريالية أن العرش ليس مصنوعًا من حجرِ الصوان، ولا من خشبِ الأرز البابلي، ولا من ذهبِ الغزاة... بل هو مجرد "جملة". وكل جملة، مهما طالت، لها نقطةٌ تنتظرها في النهاية، حتى لو كانت البداية تُزيّن نفسها بكل بلاغةِ الأرض.اللغة ذاتها، تلك التي كانت تلمع في أفواه المتكلمين سيوف مصقولة، بدأت تتآكل وتصدأ، وتسقط من أشداقهم مثل عملاتٍ معدنية مزورة لا تشتري رغيفًا من المعنى.
"طُمُس-آنو" يتكلمون، فيختفي المعنى من النص تمامًا، وتتحول الصفحة إلى بياضٍ أخرس.
"كوابيسُ إيرشكيجال المُقفلة" تُغمض عينيك، وتفتح لك بابًا خلفيًا يقودك لخطأٍ سردي لا رجعة فيه ولا توبة.
"بَقرَةُ أوروك" تمرر يدها الخشنة على اللافتات، فتمسح الكلمات وتترك الأحكام معلقة في الهواء... أحكامٌ قاطعة، لكن بلا أسبابٍ أو مبررات.
أما "المُقنَّفذات"، فحين يقرأن المرسوم الرسمي لتعيين المشانق، يكتشفن برعبٍ أن المرسوم لا يخصّ أعداء الدولة، بل يلتفّ كالأفعى ليخصّ الكاتب نفسه.
عندها، وفي لحظة تجلٍّ مرعبة، تذكّر الراوي واقعه الميتا-سردي. عضّ لسانه حتى أدمى الكلمات في فمه، ثم انحنى إله مهزوم، ليعتذر للقارئ بقهرٍ معترفًا بأنه لم يعد مجرد شاهدٍ يراقبُ من خلف زجاج السرد.
قال الراوي، وصوته يتقطع كسطرٍ منقط...:
أنا أيضًا انزلقتُ في الوحل. دخلتُ اللعبة ظانًا أنني صانعها... لأنني كتبتهم، فصاروا حقًا يتنفسون على الورق، ثم تضخم الحق حتى صار فخًا يبتلعني. وما إن صار الفخ هو المنطق الوحيد في المملكة، حتى أصبح آخرُ سطرٍ أكتبه فيه... قيدًا يُلتفُّ على يدي ككاتب.
ثم، وفي انقلابٍ كونيّ لم يسبق له مثيل، تغيرت شعائر محكمة المستنقع القانونية. لم تعد الأحكام تصدر من أفواه الخرافيين أو من شرفات القصور؛ بل بدأت تنبعث من هوامش الصفحات. الهوامش التي لطالما كانت منسية، تمردت. ظهرت سطورٌ صغيرة ومكتظة بين السطور الأصلية، تتحدث بصوتٍ لا يسمعُه العقل، بل يلتصق كالعلق في جدران الذاكرة:
إنكم تحكمون فقط لأنكم تُعيدون اجترار السرد... لكن، إن توقفتم عن السرد ولو لثانية، ستفشلون ويسقط عرشكم. وإن استمررتم في هذا السرد المحموم... ستأكلون أنفسكم حتى العظم.
دُفع الخرافيون إلى حافَة الجنون، فقرروا أن يُطعموا القصة الشرهة بالمزيد، صاغوا قوانين أكثر تعقيدًا، أصدروا مراسيم أدق، واستخدموا ألفاظًا سوقية أرفع شأنًا ليوهموا العوام بالقوة. ظنوا أنهم بذلك يُرقعون ثقوب النص ويُصلحونه، لكن الإصلاح في قواميسهم لم يكن سوى سرقةٍ جديدة بأسماء مستعارة.
في تلك الليلة الكابوسية، لم يغرقوا في المستنقع المادي... بل غرقَت المعاني. ماتت الدلالات مختنقة.
كل مرسومٍ جديد كان يتحول فور صدوره إلى مرآةٍ مشروحة:
من يقرأه، لا يرى فيه قانونًا، بل يرى وجهه هو، يرى حكايته الممزقة، ومسؤوليته التي لا يمكن الهروب منها. ومن كان يجرؤ على رفع رأسه بالاعتراض، يجد أن فمه قد امتلأ بقصيدة دفاعٍ عصماء... لكنها قصيدة ميتة، لا تُنقذ أحدًا من المقصلة.
وتحت ضوءٍ أخضرَ مريض، لون البلل حين يصير قدرًا محتومًا على الجدران، انهار العرش. انهار ببساطة لأنه تَذكر، في ومضة وعيٍ قاتلة، أنه مجرد حروفٍ مطبوعة ومصنوع من كتابةٍ قابلة للمحو.
لم تصرخ المملكة، ولم تتباك الأرامل. الصراصر فقط تلاشت من الكلام، كما يَتلاشى الكائن من الوجود حين ينكشف السرّ الأعظم بأنه كان مجرد أثر، مجرد فكرةٍ عابرة في ذهنِ مجنون.
النهاية كانت مأساوية. ليس لأنها حزينة تُبكي العيون... بل لأنها عادلةٌ بطريقتها الخرافية البشعة.
الخرافيون، الذين تقاتلوا واستلموا الدفة لعصور، انقلبوا وتهاووا ليعودوا إلى شكلهم الأول في المسودة الأصلية، مجرد أقنعة. أقنعة تتوالد من رحم النص، ثم تفتح أشداقها لتبتلع النص ذاته بعد أن توهمت، بغرورٍ أعمى، أن النص تابعٌ لها.
"طُمُس-آنو" أصبحوا مجرد غشاوةٍ سوداء تعمي العين الذي تقرأ بها عزيزي القارئ.
"كوابيسُ إيرشكيجال المُقفلة" ذابت لتصير ظِلًّا لكل سؤال "لماذا" مات في حَنْجَرة الفقر ولم يُسأل.
"بَقرَةُ أوروك" تحولت إلى طبقةٍ من العفن اللزج على صفحة الدفة، تمنع أي محاولةٍ لفهم السبب.
و"ساحراتُ إينانا المُقَنفَذَات" ذابت أقنعتهن في بركة الحبر الساخن، وبقيت الساحرات عارياتٍ بلا وجهٍ رسمي، بلا منصبٍ يحميهن، وبلا جملةٍ واحدة تُدافع عن وجودهن.
في اللحظة الأخيرة، حين كان الصمت يبتلع آخر الحروف، لم يقل الراوي: "انتهت". بل قال الجملة التي تشبه النهايات الجميلة الدفة سقطت... لكن القصة لم تسقط. القصة فقط، بدل أن تحكم عليهم... التفتت الآن، وبدأت تحكم عليكَ أنت.
ثم ومن خارج منطق السرد ظهرت كلمة واحدة في آخر السطر. كلمة قصيرة، حادة، تقصقِص العظام مثل جملةٍ سوقية تُختم بها طاولةُ حفلٍ دموي:
اعترف...!
وبينما انت تتصبب عرقًا، مفكرًا: هل هذه الكلمة تهمةٌ موجهة ضدي أم دعوةٌ للخلاص؟ تبتلع الميتا-سردية النهاية، وتُسدل الستار على كل محاولة للنجاة، تاركةً سؤالًا واحدًا معلقًا كصرصورٍ يصارع الموت على حافَة الورق:
من كان يسرق الدفة في الحقيقة؟ القِطَعُ الخرافية والأقنعة؟ أم اللغة ذاتها التي صاغت الوهم وجعلت السرقة تبدو نظام كونيّ؟
هنا، يتمزق الورق، وتتساقط سطور النص لتتحول إلى رمالٍ وغبارٍ يذروه الريح في ساحات مدينة بابل القديمة. الزمان يلتف على نفسه ليعود إلى اليوم الحادي عشر من عيد "الأكيتو". الإله مردوخ لم يخرج من معبده، وألواح الأقدار قد سُحقت وتكسرت كحروف النص البائدة. لم يعد هناك ملكٌ لتُجدد شرعيته، ولا سماءٌ لتبارك الأرض.
وَسَط هذا الخراب الأسطوري، وانهيار "الكلمة" التي بُني عليها الكون، تقف فتاةٌ بابلية محرومة. ثوبها ممزق كقصيدةٍ رثة، وعيناها جافتان كأهوارٍ هجرها الماء. ترفع وجهها الملطخ بطين الخطيئة نحو زقورةٍ تبتلعها العَتَمَة، وتناجي رئيسة الكاهنات (الإن-يتو) بلغةٍ كهنوتيةٍ مثقلةٍ برمزية الفقد، ترتل دعاءها الأخير كأنها تقرأ فاتحة العدم:
""يا كاهنةَ المعاني المصلوبةِ على ألواحِ الطين
"يا حارسةَ الأبوابِ التي أُغلقتْ في وجهِ الآلهة"
لقد أكلتْ الكلماتُ أبناءها في عيدِ الربيع، وصارَ الأكيتو مأتمًا للغة
أنا ابنةُ النصِّ المنسيِّ في هوامشِ الألواح، جئتُكِ بلا قربان، لأن القربانَ صارَ هو الحَنْجَرة...!
أين نُخفي أسرارنا إذا كانت بَقرَةُ أوروك قد التهمتْ حتى ذكرياتِ الطفولة؟
وكيف نُبصر الخلاص إذا كانت كوابيسُ العالمِ السُفلي قد سرقتِ الفهمَ من مآقينا؟
يا أمَّ الشعائر. العرشُ لم يكن سوى خديعةٍ من حبر، والتاجُ لم يكن سوى جُملةٍ كاذبة.
وها نحن نغرق، لا في طوفانِ الماء، بل في طوفانِ المعاني التي فقدتْ دلالتها.
"بِحقِّ إينانا التي جُردتْ من تيجانها السبعة في الجحيم"
مَن نكون نحن إذا سقطت الدفة، ومُحيت الأسماء؟
لا أطلبُ الخبزَ في هذا العيد، بل أطلبُ عمىً جميلًا لا أقرأُ فيه كلمة... اعترف".
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟