|
|
سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 20:17
المحور:
المجتمع المدني
لم يعد استيراد وتطبيق مخرجات "حُكم الرداءة وسلطة التوافه" في الشرق الأوسط مظهراً عارضاً من مظاهر الحداثة الزائفة، بل تحوّل إلى واقع هيكلي عميق يُعاد إنتاجه وتغذيته بصورة يومية عبر شتى القنوات المجتمعية. أولا:تسليع الفضاء الإعلامي وصناعة الفرجة الاستهلاكية شهد المجال الإعلامي والتواصلي العربي تحولاً وظيفياً خطيراً، نقله بصورة حادة من وظائف التعبئة السياسية والأيديولوجية التقليدية، إلى فضاء تجاري مفتوح مكرّس لصناعة الإبهار البصري والفرجة الاستهلاكية السطحية. واكب هذا المسار تمددٌ هائل لقنوات الترفيه المبتذل، وبرامج المسابقات الغنائية، وتلفزيون الواقع المستورد بحذافيره من المنظومات الاستهلاكية الغربية، وتدشين حقبة المنصات الرقمية و"صُنّاع التأثير الشكلي" الذين يحظون بتدفقات تمويلية ورعاية دعائية ضخمة تدفع بها رؤوس الأموال المحلية والإقليمية على حد سواء. يؤدي هذا الدفق الإعلامي المتواصل إلى تصعيد نماذج وشخصيات باهتة لا تمتلك أدنى رصيد فكري أو بعد معرفي، مع العمل الممنهج على تكريسها بوصفها أيقونات للنجاح والوجاهة في الفضاء العام. ويقود هذا التجريف المتعمد إلى تسطيح الذائقة الجمعية العامة، وصرف أنظار الجماهير بعيداً عن القضايا الاقتصادية والسياسية المصيرية، مع تحويل أي نقاش مجتمعي رصين إلى مشاحنات استعراضية مفتعلة تدور في فلك قضايا هامشية ومبتذلة.
ثانيا:تدجين التعليم وتحويل المعرفة إلى سلعة سوقية تعرضت الجامعات والمؤسسات التعليمية والتربوية في المنطقة لعملية تفكيك مبرمجة استهدفت رسالتها التنويرية الأصيلة، وجاء ذلك إثر تبني إملاءات الليبرالية الاقتصادية المتفلتة وسياسات التكييف الهيكلي المفروضة من الهيئات المالية الدولية. وعليه، أُزيح التعليم من كونه التزاماً تنموياً جامعاً وحقاً إنسانياً عاماً، ليلبس ثوب الخدمة التجارية الربحية التابعة لمنطق الخصخصة والاستثمار المالي المحض. وتزامن هذا الانحدار مع تقليص ملموس للإنفاق الحكومي على الأبحاث الأكاديمية النظرية والمستقلة، مع تهميش متعمد ومستمر لأقسام الفلسفة، والتاريخ، والاجتماع، والعلوم السياسية، بذريعة واهية تدّعي انعدام مردودها المادي الفوري وعدم ملاءمتها المزعومة لـ "متطلبات سوق العمل". فتحولت دور العلم والمعرفة من منابر لصناعة الوعي إلى مراكز تدريبية لتخريج كوادر تنفيذية آلية مجردة من أي قدرة على النقد أو المراجعة، مهيأة فقط لتنفيذ المهام الإجرائية الصماء والانصياع لقوالب الإنتاج المعولمة الجاهزة، الأمر الذي أوقع المجتمع في عجز هيكلي فادح أعاقه عن فحص واقعه ومحاسبة القوى المتحكمة في مصيره.
ثالثا:الإدارة التقنية الصماء وخصخصة السيادة الفكرية تجلت هيمنة هذا النظام المتهافت في إفراغ وزارات التخطيط والأجهزة الإدارية الوطنية من دورها السيادي المتمثل في رسم السياسات العامة للدولة، واستبدال الكفاءات والعقول الوطنية بكبرى شركات الاستشارات الإدارية العابرة للقارات. وتعتمد هذه الشركات على نهج مسبق الصنع يقوم على تصدير تقارير نمطية مستنسخة، وتطبيق مؤشرات رقمية ظاهرية وعروض بصرية مبهرجة لا تعالج سوى القشور السطحية للأزمات البنيوية المعقدة. قاد هذا الارتهان الكامل إلى تهميش دور الباحثين والخبراء الوطنيين، وتبديد الذاكرة المؤسسية والخبرة التراكمية لأجهزة الدولة، وتحويل مراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي إلى غرف عمليات استشارية مغلقة تدير الأوطان بمنطق الشركات والربح التجاري، الأمر الذي عزل تسيير الشأن العام بالكامل عن المساءلة السياسية والرقابة المجتمعية الواعية.
شفرة التواطؤ ومحددات التكريس في البيئة العربية إن التطبيق الواسع والشامل لمخرجات حُكم الرداءة والابتذال في الشرق الأوسط لا يمثل قط استيراداً قسرياً فرضته الإرادات الخارجية فحسب، بل هو حاصل التقاء موضوعي وتواطؤ وظيفي بين طبيعة النظم ومتطلبات المنظومة الرأسمالية العالمية.
بنية الدولة الريعية: تصعيد الولاء وإعدام الكفاءة تشكل تركيبة الدولة الريعية، كما حللها حازم الببلاوي وغيره من رواد الاقتصاد السياسي، الحاضنة الهيكلية الأكثر ملاءمة لنمو هذا النمط من الإدارة السطحية؛ فهذه النظم تعتمد على جني المداخيل المالية الضخمة من بيع واستنزاف الموارد الطبيعية أو تلقي الهبات والمساعدات السياسية المشروطة، عوضاً عن الاستناد إلى قاعدة ضريبية إنتاجية حقيقية. ويولّد هذا النمط عقداً مجتمعياً مشوهاً، يقوم على توزيع فتات العوائد والمنافع الحياتية على المواطنين في مقابل تخليهم الكامل عن ممارسة حقوقهم السياسية والمحاسبة المجتمعية. وفي ظل انتفاء الحاجة إلى بناء قطاع صناعي وإنتاجي وطني مستقل، تسقط الضرورة الموضوعية التي توجب الاعتماد على معايير الجدارة والذكاء الفكري والابتكار الخلاق لشغل المناصب وتحقيق الارتقاء الوظيفي والاجتماعي. وفوق ذلك، تنظر الدوائر المتسلطة إلى أصحاب العقول المفكرة والكفاءات الحرة بعين الريبة والشك؛ لأنهم يشكلون مصادر قلق محتملة تهدد منظومات الامتياز القائمة وتفضح عيوب الفساد الإداري. لذا، تلجأ المنظومات الريعية إلى مأسسة "ثقافة الامتثال والركود"، وتقريب العناصر الباهتة والمتواضعة فكرياً إلى مراكز صنع القرار بغية استدامة الولاء المطلق للسلطة. فيغرق المجتمع نتيجة لذلك في حالة مزمنة من الاتكالية العقيمة؛ حيث تُقبر معايير الكفاءة تحت وطأة المحسوبية والموالاة، وتُبدد الموارد الوطنية في مشاريع استعراضية برّاقة تخلو من أي جدوى إنتاجية أو ديمومة تنموية.
التحالف البنيوي مع النخب التجارية التابعة أدى دمج اقتصادات المنطقة في موجات التحرير التجاري والبرامج الدولية للتثبيت الهيكلي إلى نشوء فئة تجارية ومالية تابعة، تتركز مصالحها وأنشطتها في وكالات الاستيراد، والمضاربات العقارية، وتجارة التجزئة، وتدوير رؤوس الأموال المشتركة مع المؤسسات العالمية الكبرى. ولا مصلحة لهذه الفئة في تشييد اقتصاد وطني يعتمد على التصنيع والابتكار؛ لأن ذلك يتطلب بالضرورة وجود قوة عاملة واعية بحقوقها ونقابات عمالية صلبة، وهو ما يقوّض أرباحها الريعية السريعة القائمة على الوساطة والسمسرة وتوريد السلع الجاهزة. وتجد هذه النخب المحلية التابعة في تعميم ثقافة الاستهلاك المفرط والتفاهة الجمعية شريكاً مصيرياً لها؛ فالجماهير الغارقة في مطاردة الصيحات الاستهلاكية، والمستلبة ذهنياً خلف الشاشات، تشكل السوق الأكثر ربحاً لترويج البضائع الكمالية وجني الأرباح الفلكية السريعة. ومن هنا، تتعانق مصالح هذه الفئات التابعة في الداخل مع استراتيجيات قوى الهيمنة في الخارج؛ إذ يضمن نظام الرداءة والسطحية شلّ كل نزعة فكرية وطنية تطالب باستعادة السيادة على الثروات العامة أو تقييد انفلات رؤوس الأموال الأجنبية.
تفريغ السياسة وهندسة الترفيه كبديل للمشروعية على إثر موجات الحراك الجماهيري والانتفاضات الشعبية المطالبة بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، استشعرت النظم الحاكمة فداحة الخطر الكامن في يقظة الفضاء العام وتبلور الإرادة الجماهيرية الجمعية. فكانت الاستجابة المباشرة هي تطبيق سياسة "إعادة الصياغة الثقافية عبر نزع المعنى السياسي"، وإحلال مشهديات "الترفيه الصاخب والفرجة المستمرة" محل المطالبات الدستورية والمشاركة في إدارة الحكم. وانطلقت دول الإقليم في ضخ استثمارات مالية هائلة لتنظيم الفعاليات الاستعراضية المبهرة، والمهرجانات الحاشدة، والتظاهرات الرياضية المستوردة، متسترة خلف عناوين براقة ترفع شعارات "الانفتاح" و"مواكبة العصر" و"تحسين جودة الحياة". ومع أن هذا التحديث الشكلي يخفف بعض التضييقات الاجتماعية التقليدية، إلا أن غايته الحقيقية تنحصر في امتصاص حيوية الأجيال الشابة وتصريف طاقتهم في قنوات استهلاكية معزولة عن أي فاعلية تحررية. فيتحول الترفيه في هذا السياق إلى أداة تخدير سياسي مبرمجة لإلهاء الناس باللذائذ العابرة وتجريدهم من الاهتمام بالقضايا المصيرية، مانحاً السلطات شرعية استعراضية مصطنعة تعوّض بها غياب المشروعية السياسية الحقيقية القائمة على الاختيار والتمثيل الشعبي النزيه.
التأطير المعرفي: ماهية نظام الرداءة يُشكّل مفهوم "نظام التفاهة" الذي نظّر له المفكر الكندي آلان دونو نقلة معرفية فارقة تجاوزت التفسيرات السطحية التي تجعل من الهبوط السلوكي مجرد خيار فردي معزول أو تدنٍ طارئ في الذوق المجتمعي. يعود دونو في تحليله إلى الجذر اللغوي للمصطلح في أصوله اللاتينية والغربية، وهو جذر لا ينصرف إلى السخف المجرد، بل يعبّر دلالياً عن "المنزلة الوسطى" أو "الرداءة المتوسطة". وبناءً على هذا التأصيل، يحدد دونو هذا النظام بوصفه مأسسة محكمة للطور المتوسط، وتتويجاً للنمطية المتوسطة لتغدو المسطرة الحاكمة والوحيدة المسموح بها في الميادين المؤسسية والاجتماعية؛ حيث يُجبر الجميع على الخضوع الصارم لها تجنباً للعزل والإبعاد. ولا يرمي هذا النسق إلى نشر البلادة والكسل العاجز، بل يستلزم براعة إجرائية محكمة ونشاطاً دقيقاً منزوعين من أي حس أخلاقي أو غايات فكرية عليا، بما يكفل إغداق المكافآت على الممتثلين وطرد أصحاب المواهب الفذة والنزعات الفكرية الجذرية على حد سواء.
سطوة المهني التنفيذي وإزاحة المفكر النقدي يفرّق دونو بحسم بين نموذجين داخل الحقل المعرفي: "المثقف والناقد الملتزم" بقضايا أمته وتحرر مجتمعه، و"المهني التنفيذي المنعزل" الذي يمثل الأداة الإجرائية الأكثر حضوراً لخدمة نظام التفاهة. ويتسم هذا المهني التقني بامتلاك مهارات دقيقة وخبرات وظيفية ضيقة الإطار، غير أنه يقبع في جهل فلسفي وأمية سياسية تمنعانه من إدراك السياق المجتمعي الأعم لمخرجات عمله. يضع هذا المهني كل إمكاناته العقلية تحت تصرف أهل السلطة وشركات التمويل العملاقة، فينحدر العلم والبحث الأكاديمي إلى سلع موظفة لتوليد مسوغات "تقنية" ومزاعم "محايدة" تُشرعن التوجهات الاقتصادية والمالية السائدة، الأمر الذي يؤدي في خاتمة المطاف إلى تجريد الجامعة من دورها كمنارة للفكر التأملي والحرية الفكرية لصالح ربطها التام بدواليب السوق وتطلعات الربح.
هل الرداءة نتاج حتمي لقوانين السوق أم تدبير استعماري مرسوم؟ أثارت الهيمنة المتصاعدة لسيادة التوافه جدلاً عميقاً داخل أدبيات الاقتصاد النقدي والفكر الاجتماعي، إذ انشطر المنظور التحليلي بين مسارين: اتجاه يعد الظاهرة ثمرة تلقائية لحركية الرأسمالية المعاصرة، واتجاه آخر يراها تخطيطاً استعمارياً متعمداً لفرض السيطرة الاجتماعية والجيوسياسية على الشعوب.
المسار البنيوي: التفاهة كنتيجة حتمية لسلعية السوق يرى التحليل المادي، مستلهماً أطروحات مدرسة فرانكفورت حول "تسليع وتصنيع الثقافة" (كما فصّلها ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر)، أن سيادة التفاهة هي الحصاد الحتمي لمنطق تراكم الأموال وتحويل كافة أبعاد الوجود الإنساني إلى بضاعة معروضة. وبمقتضى هذا الطرح، لا تحتاج قوى المال إلى حياكة مؤامرة لتوليد الرداءة؛ إذ إن اشتراطات التنافس التجاري، وضغط مضاعفة الأرباح، وتسارع دوران رؤوس الأموال في الطور المعاصر، تستوجب جميعها خفض تكاليف الإنتاج وتوسيع شرائح المستهلكين إلى أقصى مدى ممكن. يتحقق هذا التمدد الجماهيري من خلال الانحدار بالمستوى الثقافي والإعلامي والمعرفي إلى "القاسم المشترك الأدنى" لعموم المتلقين، بما يضمن سرعة الرواج وسلاسة التلقي دون أي إجهاد عقلي قد يعوق وتيرة البيع أو يشوّش على اقتصاد جذب الانتباه. كما أن عقلانية السوق النفعية تتطلب أدوات إدارية بديلة متجانسة وقابلة للتبديل السريع، مما يدفع المنظومة تلقائياً إلى إنتاج شخصيات متوسطة الموهبة تلتزم بالمعايير الشكلية الصرفة وتفتقر إلى الحس النقدي الذي قد يعطل مسار الأرباح. فالرداءة هنا ليست إلا نتاجاً طبيعياً لمجتمع الإفراط الاستهلاكي الذي يمسخ المواطن إلى مجرد زبون، ويجعل من الاستلاب النفسي شرطاً لاستقرار عجلة الإنتاج.
استراتيجيات التشتيت والهندسة الجيوسياسية في المقابل، تجزم المقاربات التحررية ونظريات التبعية والتنمية بأن التفاهة تجاوزت كونها أثراً عرضياً، لتغدو استراتيجية سياسية وأداة تدخل اقتصادي موجهة تعتمدها القوى الكبرى المهيمنة لإدارة أزمات النظام الاقتصادي العالمي، وتثبيت قواعد الهيمنة غير المتكافئة بين الدول المركزية والدول التابعة في الأطراف. ويجد هذا الرأي شواهده الواقعية في وقائع مؤتمر فندق فيرمونت التاريخي في سان فرانسيسكو عام 1995 (والذي عرضه هانس بيتر مارتن وهارالد شومان في كتابهما "فخ العولمة")؛ حيث تداعى نحو خمسمائة من عمالقة المال والسياسة والفكر في العالم، ليرسموا ملامح القرن الجديد وفق قاعدة "عشرين إلى ثمانين". وتنص هذه المعادلة على أن خُمس الطاقات البشرية في العالم (20%) سيكون كافياً تماماً لضمان دوران عجلة الاقتصاد واستمرار تدفق الثروة في عصر الميكنة الرقمية والذكاء الاصطناعي، في حين يُترك الباقون (80%) ككتلة سكانية فائضة وبلا أفق عملي مستقر، مما يجعلها تشكل خطراً محدقاً على تماسك المنظومة الدولية واستقرارها. وللخروج من هذا التهديد، اقترح مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو بريجنسكي اعتماد استراتيجية "التغذية والإلهاء الإرضاعي"، وهو مصطلح يمزج بين تأمين الحد الأدنى من الغذاء لسد الجوع الحياتي، وبين ضخ سيل عارم من وسائل الترفيه والتسلية المخدرة للنفوس. وتهدف هذه السياسة إلى غمر الجماهير بموجات مستمرة من المتع الرخيصة، والنزاعات الرياضية المشتعلة، والعروض السطحية، لامتصاص الغضب الطبقي ومنع تبلور حركات التحرر أو نشوء وعي شعبي مقاوم.
الرؤية الجدلية التكاملية يقتضي الفهم العميق للظاهرة كسر الحاجز بين فرضيّتي "النتيجة التلقائية" و"المؤامرة المرسومة"؛ فالمنظومة الرأسمالية تولّد الرداءة وتسطيح العقول بنيوياً كحاجة ملحة لتوسيع دوائر الأسواق واستدامة التراكم المالي، في حين تتولى القوى الدولية المهيمنة استثمار هذه الإفرازات التلقائية لتعيد هندستها وتوظيفها ضمن مشاريع وسياسات ممنهجة لصيانة التوازنات والمصالح الاقتصادية الدولية. وعليه، تتحول الرداءة من أثر عارض لحركة السوق إلى رافعة نفوذ سياسي واقتصادي تُدار بها الاختلالات ويُحكم بها ترويض الشعوب.
استشراف يبرهن التحليل المتكامل لنظام التفاهة أنه ليس وليد الصدفة المحايدة في مسار التجارة الحرة، كما أنه ليس مجرد مخطط سرّي تحوكه أيادٍ خفية؛ بل هو التقاء موضوعي بين بنية السوق المنفلتة التي تبتلع كل قيمة وتضحي بالأصالة لصالح سرعة البيع والاستهلاك، وبين هندسة سياسية واعية تسخر هذا الانحدار لضبط التجمعات البشرية الفائضة وتنويم المجتمعات عبر وسائل التخدير المنظم، والتجهيل الجمعي، ومسخ الوعي الحديث. أما على صعيد واقعنا في الشرق الأوسط، فإن هذا التناغم العضوي مع مفرزات هذا النظام الضحل لا يمكن فصله عن التواطؤ الوظيفي بين اشتراطات الهيمنة الخارجية وتركيبة الاستبداد المحلي المتكئ على الريع المالي وشبكات التجارة التابعة والوسيطة. فالسلطات تجد في تسييد الضحالة وإشاعة العجز الفكري السلاح الأمثل لتجريد الكفاءات المستقلة من التأثير، وسلب المجال العام جوهره الديمقراطي، وتأبيد هيمنتها عبر إغراق الناس في كرنفالات الفرجة وإبادة التعليم النقدي الحر.
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا
-
سياط الطغيان وعدسات التزييف: تشريح الجهل وتأميم الكرامة في م
...
-
من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب
...
-
لعنة الانعتاق: ميتافيزيقا العقل المصادر
-
سُلطة القهر وأطياف البدء:حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسل
...
-
تهافت التهافت وتفكيك أزمة التفلسف في الإسلام: أفق النزاع، ال
...
-
التصدع البنيوي للنظام الدولي: بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجد
...
-
انحلال الجمال الفلسفي في عصر التفاهة: تحولات علم الجمال والت
...
-
التآزر المفاهيمي في استلاب العقل الاعتلال المعرفي الجمعي
-
تَفْكِيكُ السُّلْطَةِ المطلقة في ضَوْءِ الصَّيْرُورَةِ الكَو
...
-
الشرق الأوسط ونزاعات الاستنزاف المفتوحة تفكيك فلسفي لجيوبولي
...
-
تراتبية التشيؤ في الوضع العالمي المعاصر قراءة نقدية في تآزر
...
-
حينَ يبتلعُ النصُّ بلاغةُ المستنقع ، وتنوحُ آلهةُ الطين-سرد
...
-
الصفر الفلسفي المطلق وتداعيات الوعي المطلق رعشة الوجود الأول
...
-
الحتمية البيولوجية في تفكيك عقلية القطيع: رؤية نقدية في الأخ
...
-
معضلة الشرق الأوسط: تقاطعات فساد السلطة والنص والإنسان في ظل
...
-
التحولات البنيوية ودولة الاضطهاد المزدوج
-
وهم المجتمع العلمي في الشرق الأوسط بين شكلانية الأداء وأزمة
...
-
إيتولوجيا المعرفة وباثولوجيا العقل
-
مِقصلةُ الهيمنةِ واستعبادُ الوهم: كيف يسحقُ العقلُ المستطيلُ
...
المزيد.....
-
الأمم المتحدة تحذر من تدهور الأزمة الإنسانية في اليمن ساعة ت
...
-
النائبة عبير عطا الله: قرار حماية الأطفال والنشء من مخاطر من
...
-
الشرطة الإسبانية تشرع في نقل مئات المهاجرين إلى مخيمات في مي
...
-
الولايات المتحدة: تكساس.. شبح الاعتقال والترحيل
-
إيران: مغادرة واشنطن مجلس حقوق الإنسان لا تبرئها من دماء أطف
...
-
رصاص مطاطي وضرب بالهراوات خلال إخلاء شواطئ سبتة من المهاجرين
...
-
الشرطة الإسبانية تطلق عملية لإخلاء شواطئ سبتة من المهاجرين
-
النائب عمرو فهمي: توجيهات الرئيس السيسي بحماية الأطفال من إس
...
-
نزاعات المنطقة والذكاء الاصطناعي يخيمان على اجتماع الجمعية ا
...
-
الجامعة العربية: الصوت الفلسطيني سيظل حاضرا على منبر الأمم ا
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|