أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب















المزيد.....

الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 20:15
المحور: المجتمع المدني
    


من التمرد الفلسفي إلى الخنوع النفعي
شهد مفهوم "المذهب الكلبي" انزياحاً دلالياً وأخلاقياً بالغ الخطورة عند انتقاله من الفضاء الفلسفي اليوناني القديم إلى حيز الممارسة السياسية والاجتماعية المعاصرة. ففي الفلسفة القديمة، مثّل مسلك الفيلسوف ديوجين السينوبي تياراً جذرياً صادماً ينطلق من قاع الهرم الاجتماعي؛ إذ لم يكن جسده العاري وسكناه في برميل خشبي وازدراؤه للأعراف المصطنعة سوى ممارسة ساخرة واعية تستهدف تعرية نفاق أصحاب النفوذ، وهدم القداسة الزائفة للتراتبيات الطبقية والسياسية القائمة. تجسدت تلك الفلسفة بوصفها صرخة احتجاج وقحة في وجه غطرسة الإمبراطورية، متخذة من البساطة الفطرية وسيلة لفضح انفصال المؤسسات الحاكمة عن جوهر الإنسان وحقيقته.
على النقيض التام من ذلك الموقف التحرري، انحدرت هذه النزعة في عصرنا الحديث لتتحول إلى أداة طيعة في يد منظومات الاستبداد، وعقيدة يومية يعتنقها المقهورون أنفسهم. لقد شخص الفكر الفلسفي النقدي هذه الظاهرة بوصفها "وعياً زائفاً مستنيراً"؛ فالإنسان المعاصر الذي يمارس هذا السلوك لم يعد ضحية بريئة لتضليل إعلامي ساذج أو غياب للمعلومة، بل هو كائن متخم بالمعرفة، يدرك تمام الإدراك مدى فساد المنظومة التي تحكمه، وخواء الخطاب العام، وبؤس الشروط الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به. غير أن هذه المعرفة، بدلاً من أن توقد شعلة التمرد الفعلي، تنقلب إلى عجز داخلي مقيم وتواطؤ بارد. إنه يستمر في تغذية الممارسات الفاسدة ذاتها التي يشجبها في جلساته الخاصة، متدرعاً بالعدمية والانتهازية المصلحية لحماية مكاسبه الفردية الصغيرة والهشة.

صراع الأنداد: عندما يلتهم الضحايا بعضهم
تبلغ هذه النزعة ذروتها التدميرية حين ينحرف مسار الصراع عن وجهته الطبيعية العمودية - القائمة بين قاعدة المجتمع المسحوقة وقمة الهرم المتسلطة - ليستحيل إلى اقتتال أفقي طاحن يتفانى فيه المستضعفون في إبادة بعضهم بعضاً. تكشف التحليلات العميقة لعلم نفس المقهورين كيف يؤدي القهر المؤسسي طويل الأمد إلى ولادة عنف داخلي مدمر؛ فعندما يرسخ الخوف من بطش المتسلط ويستحيل توجيه الغضب نحو الفاعل الحقيقي للجريمة، ترتد تلك الشحنات العدوانية المكبوتة نحو النسيج المجتمعي ذاته. يغدو الجار، والشريك في الفاقة، والرفيق في التهميش، هو الهدف الأسهل والأقرب لتفريغ الحنق، لأن النيل منه والتنكيل به لا يستجلبان بطش أجهزة الأمن كما يحدث في حالة التمرد على أصل الاستبداد.
تستثمر الأنظمة السلطوية هذا الاحتقان ببراعة شيطانية؛ إذ ترفع يدها عمداً عن فرض السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية في المناطق الطرفية والأحياء العشوائية، مفسحة المجال لانتشار الجريمة والنزاعات العصبية والانقسامات الطائفية الضيقة، لتلتهم تلك النزاعات ما تبقى من طاقات المجتمع الحية. يُستدرج الإنسان المهمش ليتحول هو نفسه إلى هراوة باطشة تعاقب رفاق محنته؛ فنرى ظواهر الإخبار المحلي، والترهيب المنظم، واستئجار الفئات الأشد فقراً لقمع التظاهرات المطالبة بالكرامة. إنه مشهد بالغ القسوة والغرابة، حيث ينهش الجائع لحم جائع آخر، لكي يحفظ كلاهما أركان عرش سلطة تحرمهما معاً من أبسط مقومات العيش الكريم.

صنم السلطة المتواري وتجارة الألم
تكتسب فكرة "إرضاء السيّد الغائب" ثقلاً كبيراً عند تفكيك بنية الحكم في منطقتنا؛ إذ لم يعد المتسلط مجرد فرد يجلس فوق كرسي مرئي، بل تحول إلى شبكة متوغلة من الأجهزة الأمنية، والتحالفات النفعية، وشبكات رؤوس الأموال العابرة للحدود. هذا التواري يحيط المنظومة بهالة من الرهبة الوجودية، جاعلاً المجتمع أشبه بسجن مراقبة دائرية كبرى، يتوهم فيه كل فرد أنه خاضع للمتابعة المستمرة في كل حركة ولحظة. تتولد لدى الإنسان رقابة ذاتية خانقة تدفعه إلى المبالغة في إظهار الطاعة، والتطوع لضرب المعارضين والتنكيل بهم حتى دون أن يتلقى أمراً مباشراً، طلباً للأمان واستجداءً لرضا هذا الحاضر الغائب.
يتكامل هذا النمط من السيطرة مع نموذج "الدولة الريعية"، حيث تحتكر الطبقة الحاكمة منابع الثروات والمساعدات الخارجية دون اعتماد على إنتاج المواطنين وجهدهم. لقد نسف هذا النموذج كل أشكال العقد الاجتماعي القائم على التمثيل الحقوقي والمساءلة، وحل محله نظام الإذعان والمحسوبية وشراء الذمم؛ فتتحول مقدرات الأوطان إلى أعطيات وهبات يمنحها الحاكم لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، وتغدو الوظيفة العامة والمعونة الاجتماعية أدوات لابتزاز الولاءات وتدجين النفوس.

تصل هذه الحالة إلى أقصى درجات الوقاحة بتطويع الخطابات الزائفة لتحويل المآسي إلى فضائل؛ فيُعاد تصدير الفقر والانهيار الخدمي الناتج عن النهب المنظم للثروات بوصفه "صموداً مقدساً" وابتلاءً يجب الصبر عليه دفاعاً عن الوطن بوجه المؤامرات الخارجية. يتلقى الوعي المستلب هذا الخطاب بمشاعر التماهي والإنكار؛ إذ إن الإقرار بالحقيقة المرة - وهي أن كل هذا الجوع ليس سوى ثمن لزيادة أرصدة الفاسدين في المصارف الخارجية - يمثل صدمة تفكك صورة الذات. يفر المقهور من هذا العبث بالارتماء في أحضان الوهم الإنشائي، محولاً بؤسه إلى بطولة، ومهللاً لمن يجلده حتى آخر رمق.

إدارة الخراب وإدامة التبعية
تتجسد هذه المنظومة في واقع الشرق الأوسط المعاصر عبر تشكيلات سياسية تجعل من المحاصصة والفرقة الطائفية أسلوباً وحيداً لإدارة الحكم. ينتج عن هذا التمزيق قصور معرفي وشلل في الرؤية؛ فالمواطن المستنزف في تدبير شؤون يومه يعجز عن ربط انهيار شروطه المعيشية بالقرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى التي تطبخ في غرف الحكم المغلقة. وبدلاً من تسييس غضبه وتوجيهه رأسياً ضد السياسات المالية وامتيازات المتحكمين، يتبدد ذلك الغضب في مشاحنات يومية بائسة؛ فيعتدي المرء على أخيه في طوابير السلع الأساسية، أو يلقي باللائمة على ابن المذهب أو العرق الآخر، مبرئاً المنظومة الحاكمة من وزر الانهيار.
إن نخب الاستبداد لا تكتفي بفرض قبضتها العسكرية والأمنية، بل تعتمد بالأساس على استراتيجية إدارة الفوضى وإيقاد الخلافات الأفقية. وبهذا يظل المجتمع غارقاً في صراعات بينية مستمرة، مما يتيح لتلك النخب أن تسوق نفسها بوصفها صمام الأمان الوحيد والمنقذ الضروري من ويلات الفوضى الشاملة، معيدة إنتاج شرعيتها المفقودة عبر استثمار الخراب الذي زرعته بيدها.

آفاق التفكيك ومسارات استعادة الذات
تكشف المقاربة التفكيكية لمقولة "عض الأخ المفقر " عن منظومة متماسكة لا يمكن اختزالها في رذيلة أخلاقية فردية أو جهل شعبي عابر يسهل تقويضه بالوعظ التنويري السطحي. إنها نتاج ميكانيزم متكامل يجمع بين الكلبية المعاصرة كنظام وعي يائس، والبنية العميقة للعبودية الطوعية، والعنف البنيوي المسكوت عنه. لقد تم تدجين الإنسان المقهور في الشرق الأوسط داخل بيئات حولت الرضوخ والافتراس الأفقي إلى استراتيجيات عقلانية وحيدة لتأمين أدنى درجات البقاء العضوي.
إن تعطيل هذه الآلة الجهنمية يقتضي شروطاً جذرية تبتدئ بتفكيك البنية الفكرية والرمزية التي تشرعن الاستلاب. يتطلب ذلك نزع القداسة عن السرديات التضحوية التي تسوق الموت المجاني الناجم عن الجوع والقمع بوصفه فداءً وواجباً وطنياً أو عقائدياً، والعمل الحثيث على كشف الطابع الطبقي والمصلحي النفعي لكل أشكال النزاعات الهوياتية المفتعلة. بالتوازي مع ذلك، تبرز ضرورة التحول الجذري من منطق العنف الأفقي والتناحر البيني إلى بناء تضامنات طبقية ومدنية عابرة للانقسامات الطائفية والجهوية؛ إذ يتعين على الفئات المفقرة أن تدرك أن مصالحها في العدالة، والحرية، وتأمين الحياة الكريمة متطابقة، وأن العدو المشترك ليس الشريك في البؤس بل المنظومة التي تصنع هذا البؤس وتستثمر فيه.
كما لا يمكن كسر حلقة الاستلاب دون تقويض الأسس المادية للاقتصاد الريعي والزبائنية السياسية، وذلك باستبدال منظومات المحاصصة وشبكات الولاءات بعقد اجتماعي مدني جديد تكون فيه الحقوق مكفولة بصفة المواطنة الدستورية المتساوية لا بالولاء للجماعات والزعامات المتسلطة.

تبدأ استعادة الكرامة الإنسانية المهدورة باللحظة الفارقة التي يسقط فيها المقهور هالة التبجيل عن سيده المتواري، ويكف فيها عن تحويل أوجاعه إلى أنياب تنغرس في لحم إخوانه المستضعفين؛ فالطغيان لا يخلد بقوته الذاتية، بل بالمدى الذي يرتضي فيه الضحايا أن يكونوا سياطاً لجلد ذواتهم وإعدام شركائهم في المصير، قرباناً لمن يراهم مجرد أرقام تُحصى في دفاتر الاستهلاك، وجثثاً تُستثمر لإدامة سلطانه.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة: تفكيك هندسة التحيز وتو ...
- المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط: من الانسياق الأعمى ...
- ديناميات الهيمنة الشاملة: أثر الاستهلاك المفرط وتسليع الأزما ...
- شروقٌ من فمِ طفل: حين أطلَّ كلكامش :ديستوبيا ميتاسريالية
- انتحار المركز: كيف تبتلع رخاوة الأطراف صُنّاعها؟
- سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسا ...
- أثر تغيّر قيمة الدولار في الهيكلية المزدوجة للاستلاب
- الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوس ...
- متلازمة الدوبامين: من الكسل المعرفي إلى تفاهة الاستهلاك
- لاهوت الاستبداد: الإحلال الوجودي ومعادلة السلطة المطلقة
- النيوباتريمونيالية وفلسفة الخوف: مآلات الانحراف الحضاري والف ...
- كهنة الاستبداد وعراة الوعي: التشريح الفلسفي لسقوط المثقف
- اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القر ...
- كهانة العجز: تشريح النكوص المعرفي وتواطؤ الوعي المقهور
- وثن الإمارة وذبيحة العقل: حفريات التحالف المدنس
- جدلية القلق الوجودي عند الهامش الطبقي: تفكيك مائدة التزييف و ...
- سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
- تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا
- سياط الطغيان وعدسات التزييف: تشريح الجهل وتأميم الكرامة في م ...
- من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب ...


المزيد.....




- تبادل مئات الأسرى بين موسكو وكييف وسط اضطرابات الملاحة
- روسيا تدعو لإعادة روح العمل الجماعي إلى الأمم المتحدة وتطهير ...
- عمليات تهجير واعتقالات وهدم مبان... إسرائيل تطلق عملية عسكري ...
- الأوكرانيون والسوريون يتصدرون طالبي اللجوء في روسيا
- الشعبية: تقليص خدمات الأونروا والاستغناء عن موظفيها يستهدفان ...
- ميلانيا ترمب تنجح بتأمين هدنة لإغاثة مدينة أوكرانية تحت سيطر ...
- اعتقالات واعتداءات خلال اقتحامات واسعة بالضفة
- قوات الاحتلال تشن حملة اقتحامات واعتقالات واسعة في نابلس
- هل البرلمان نسخة مما كان ؟؟؟
- الأمم المتحدة تحذر من تداعيات إغلاق الخليل وتصاعد اعتداءات ا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب