أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - غالب المسعودي - كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعمارية في الشرق الأوسط















المزيد.....

كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعمارية في الشرق الأوسط


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 18:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من التواضع التساؤلي إلى توحش الامتلاك
يقوم التمايز الدلالي والمعرفي بين مفهومي "الفيلوسوفيا" (حب الحكمة) و"السوفوفيليا" (عشق امتلاك المعرفة) على افتراق بنيوي حاسم في تموضع الذات الإنسانية إزاء الحقيقة، وإدراك حدود الجهاز الإدراكي البشري. فبينما تتأسس الفلسفة في منطلقاتها السقراطية الأولى على الوعي الجذري بالنقصان الإنساني، ومحبة الحكمة بوصفها مساراً تساؤلياً لا ينغلق، تميل السوفوفيليا إلى شغف حيازة المعرفة وتحويلها إلى مقتنى ذاتي ناجز. وحينما ينفصل هذا الشغف عن مباضع النقد الذاتي، يتعرض لتحول وظيفي مدمر، ينقله من فضاء الاستكشاف الفكري المفتوح إلى نمط من "التمركز المعرفي" المتغطرس، الذي يوهم العقل بقدرته الزائفة على الإحاطة الكلية بالحقائق واحتكار الصواب المطلق.

يستحيل هذا الولع بامتلاك المعرفة، في حال غياب المساءلة العقلية الصارمة، إلى ما يُعرف بـ "الصلف المعرفي"؛ وهو المفهوم الذي صاغه الفيلسوف كويفي كاسام لتفسير الرذائل الذهنية التي تُفرخ التعصب والنزوع الدوغماتي. إن هذا الصلف لا يقف عند حدود الاعتزاز بالرأي، بل يمثل تشوهاً إدراكياً يرى فيه الفرد ذاته منزّهة عن الخطأ والزلل، مما يورثه استعلاءً ينفي الحاجة الوجودية إلى الإنصات للآخر أو إعادة فحص المسلمات الموروثة. وعند هذه العتبة، تنقلب السوفوفيليا من رغبة بريئة في التنوير إلى إدمان نفسي-عصبي تغذيه مشاعر النشوة الزائفة المتأتية من وهم الوصول إلى الإجابة النهائية، وامتلاك صكوك الحقيقة المطلقة.

يتسق هذا الطرح جوهرياً مع ما بلوره المفكر اللبناني علي حرب في مشروعه النقدي حول "نقد الحقيقة"، حيث عرّى آليات "العقل المطابق" الذي يفترض مطابقة ساذجة وحتمية بين المدركات الذهنية الذاتية والواقع الموضوعي الخارجي. ويؤكد حرب أن التعصب للحقيقة هو اغتيال صريح لجوهرها الحي؛ فالأفكار تتحول إلى منظومات قمعية واستبدادية كبرى متى ما توهم حملتها أنهم ينطقون بالحق الإلهي المفارق، أو يجسدون مسار الحتمية التاريخية، الأمر الذي يشرعن استئصال المخالفين ورميهم بالضلال والزيغ.

التواطؤ الاجتماعي: تشييد غرف الصدى والتماهي الهوياتي
إن الرؤى المعرفية المتصلبة لا تحيا في فراغ تجريدي، بل تتجسد وتتغذى من خلال اندماجها في نسيج العلاقات المجتمعية؛ فالإنسان كائن علائقي يصوغ قناعاته الفكرية داخل حواضن تؤمّن له الشعور بالانتماء والأمان الوجودي. وفي هذا الإطار، يقدم الفيلسوف المعاصر سي. ثي نغوين تمايزاً تحليلياً دقيقاً بين نمطين من الهياكل المشوهة للإدراك:
"الفقاعات المعرفية" و"غرف الصدى".

تتشكل الفقاعة المعرفية نتيجة العزلة الشبكية والاستبعاد غير المقصود للروايات البديلة، وتتسم بقابليتها للانهيار والتفكك بمجرد تدفق المعلومات والحقائق المغيبة. أما غرف الصدى، فتمثل بنية أكثر خطورة وشراسة؛ إذ لا تكتفي بحجب المعلومات المغايرة، بل تعتمد آلية استباقية تقوم على "النسف المسبق للثقة" بمصداقية ونوايا أي صوت ينبع من خارج الدائرة المغلقة. وبذلك، تصبح غرفة الصدى حصناً نفسياً منيعاً ضد البرهان؛ حيث يُعاد تفسير كل دليل عقلاني مناقض بوصفه مؤامرة خبيثة تستهدف هدم العقيدة، مما يقود الأفراد إلى مزيد من التمترس والتعنت الفكري.

تكتسب هذه الغرف المغلقة طابعها التدميري عبر تضافرها مع ما أثبته عالم الاجتماع والطب النفسي مارك سيجمان في أطروحته حول "مجموعات الرفاق". فقد برهن سيجمان على أن الانزلاق نحو التشدد العنيف لا ينطلق في الغالب من قراءة لاهوتية معقدة للنصوص المتطرفة، بل يتبلور في بداياته عبر شبكات الصداقة الأفقية والقرابة العضوية التي يجمعها إحساس مشترك بالمظلومية والاغتراب الاجتماعي. وداخل هذه الأنوية المغلقة، تجري عملية "إعادة تنشئة" مكثفة تُعطل فيها المنظومات الأخلاقية الإنسانية العامة، لتحل محلها معايير حدية صارمة تعيد تصنيف العالم إلى ثنائية فسطاطية قاتلة:
" نحن الصالحون، وهم الأعداء"!

تصل هذه الحالة إلى أوجها النفسي بما يُعرف في أدبيات ويليام سوان بـ "التماهي الهوياتي المطلق"؛ إذ تتلاشى التمايزات النفسية بين الأنا الفردية والكيان الجمعي للجماعة. وعندئذ، يُختزل التقدير الذاتي للمرء في انصهاره الكامل داخل الجماعة ومعتقداتها، ويغدو أي نقد عقلاني يُوجه إلى المنظومة الفكرية للجماعة بمثابة تهديد وجودي موجه إلى الذات مباشرة، مما يعطل ملكة النقد الذاتي بالكامل، ويجعل التضحية بالنفس أو اللجوء إلى التصفية الجسدية للمخالف دفاعاً واجباً عن البقاء.

الجريمة التأسيسية
إذا كانت الآليات النفسية والاجتماعية تُفسر قابلية الفرد للاستلاب، فإن الانفجار التكفيري والدوغماتي في الشرق الأوسط لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن الجريمة التأسيسية التي رسخها الاستعمار الغربي الحديث. إن الشرق الأوسط لم يستيقظ فجأة ليجد نفسه غارقاً في صراعات مذهبية عفوية؛ بل كان ضحية مسار طويل من الهندسة الإمبريالية المتعمدة التي حطمت أشكال التعايش التاريخية الهشة، وزرعت بذور الشقاق الدائم.

بدأت هذه المأساة مع تمزيق المنطقة عبر اتفاقيات التقاسم الاستعماري (سايكس بيكو وما تلاها)، حيث جرى اصطناع حدود جغرافية اعتباطية قطعت أوصال المجتمعات الطبيعية، وفصلت المكونات الثقافية دون أدنى اعتبار لتماسكها الحضاري. لم يكتفِ الاستعمار برسم الخرائط، بل اعتمد سياسة بنيوية واضحة قوامها "فرّق تسد"؛ حيث دأبت سلطات الانتداب والاستعمار على تفضيل أقليات معينة، أو تسليط إثنيات محددة على أخرى، وإعادة كتابة التاريخ المحلي بلغة طائفية وعرقية متناحرة، لضمان استدامة التبعية ومنع قيام أي كتلة وطنية موحدة قادرة على التحرر الفعلي.

ولم يكن الانسحاب العسكري الأجنبي سوى انتقال إلى استعمار وظيفي غير مباشر؛ إذ خلّف المستعمر وراءه أنظمة استبدادية هجينة تبنت نموذج "الدولة الأمنية" التسلطية. هذه الأنظمة، الخاضعة في عمقها لمنظومة المصالح الغربية والتدخلات الإمبريالية المتتالية، أجهضت كل مشاريع النهضة والديمقراطية، ودمرت فكرة المواطنة الدستورية المتساوية. وأمام قمع الدولة الوطنية المشوهة، وتورط القوى الكبرى في حروب تدميرية واحتلالات عسكرية مباشرة - كما حدث في احتلال العراق وغيره من أزمات المنطقة - تعرضت المجتمعات لصدمات وجودية عنيفة، ترافقت مع تفكك المؤسسات الضامنة للحياة.

وهكذا، كان تدمير المجال السياسي العام على يد الاستبداد المدعوم خارجياً سبباً مباشراً في دفع الشعوب المقهورة إلى الارتداد القهري نحو الهويات الأولية والولاءات الطائفية والقبلية بوصفها ملاذات حماية أخيرة. لقد حوّل العنف الإمبريالي المنظم المنطقة إلى بيئة طاردة للأمل، تُنتج "فقدان القيمة الشخصية والجمعية"، وتخلق أرضاً خصبة التقطتها الجماعات المتطرفة لتوظف مظلوميات التدمير الاستعماري، وتعيد تدويرها داخل سرديات ثأرية مغلقة.

التسييج الفكري واستعادة العقل الحر
تلاقت هذه الشروط التاريخية والسياسية مع تراث تأويلي محكوم بما أطلق عليه المفكر الجزائري محمد أركون "السياج الدوغماتي المغلق". فقد أوضح أركون أن السلطات السياسية والدينية، عبر التاريخ العربي والإسلامي المتشابك مع صدمات الحداثة المفروضة قسراً، عمدت إلى بناء أسوار إبستمولوجية تحيط بنصوص معينة وتأويلات أحادية، مانعة إخضاعها للمساءلة التاريخية أو التفكيك المعرفي. وقد نتج عن هذا التسييج تشكل مساحات واسعة من "المسكوت عنه" و"اللامفكر فيه"، بما يحمي مصالح النخب المهيمنة، ويصادر حرية الاجتهاد الفكري لصالح نصوص جامدة تغذي التعصب المتبادل.

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تجاوز المقاربات الأمنية السطحية والتدخلات العسكرية الأجنبية التي ما فتئت تزيد الطين بلة وتعمق الاحتقانات الدفينة. إن التفكيك الحقيقي للنزعات الدوغماتية يستدعي ثورة معرفية وسياسية متزامنة؛ تبدأ بمواجهة الهيمنة الاستعمارية وأدواتها الوظيفية، وإسقاط نموذج الاستبداد الداخلي، وبناء فضاء عمومي ديمقراطي يستعيد كرامة الإنسان وحقوق المواطنة الشاملة.

وعلى الصعيد الفكري، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ "إعادة التأسيس المعرفي التحرري"، الذي يقوم على إحياء روح الفيلوسوفيا بوصفها ممارسة نقدية وتواضعاً فكرياً مستمراً، وتفكيك العقل المطابق والمحاضن المغلقة، وتصفية تركات الفكر الاستعماري وأوهام الاصطفاء العقائدي، لصالح عقلانية حوارية منفتحة تؤسس لأخوة إنسانية رحبة ومتعددة.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه- ...
- الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب
- الدفن حياً في مقابر السرديات الزائفة: تفكيك هندسة التحيز وتو ...
- المحركات الفلسفية لانهيارات الشرق الأوسط: من الانسياق الأعمى ...
- ديناميات الهيمنة الشاملة: أثر الاستهلاك المفرط وتسليع الأزما ...
- شروقٌ من فمِ طفل: حين أطلَّ كلكامش :ديستوبيا ميتاسريالية
- انتحار المركز: كيف تبتلع رخاوة الأطراف صُنّاعها؟
- سجونٌ مطليّةٌ بالحرّية: أزمة الانتماءات الأولية ومآلات اليسا ...
- أثر تغيّر قيمة الدولار في الهيكلية المزدوجة للاستلاب
- الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوس ...
- متلازمة الدوبامين: من الكسل المعرفي إلى تفاهة الاستهلاك
- لاهوت الاستبداد: الإحلال الوجودي ومعادلة السلطة المطلقة
- النيوباتريمونيالية وفلسفة الخوف: مآلات الانحراف الحضاري والف ...
- كهنة الاستبداد وعراة الوعي: التشريح الفلسفي لسقوط المثقف
- اليمين واليسار في الداخل الأيديولوجي/ صراع الواقع وثبات القر ...
- كهانة العجز: تشريح النكوص المعرفي وتواطؤ الوعي المقهور
- وثن الإمارة وذبيحة العقل: حفريات التحالف المدنس
- جدلية القلق الوجودي عند الهامش الطبقي: تفكيك مائدة التزييف و ...
- سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
- تحولات السؤال الأنطولوجي ومأزق الميتافيزيقا


المزيد.....




- بلاد ما وراء النهر: أوزبكستان وطاجيكستان ومناطق مجاورة فتحها ...
- وزير خارجية الفاتيكان: إصابة البابا ليو بالسرطان نقطة تحول ف ...
- 40 قتيلا إثر هجوم يُشتبه في استهدافه مسيحيين بإثيوبيا
- القضاء العراقي يحكم بسجن سبعة فرنسيين متهمين بالانتماء إلى ت ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- الأردن يعلن القبض على منفذي الاعتداء على الكنيسة ويشن ضربات ...
- آخر صانعي أجراس الكنائس في لبنان.. آل نفّاع وحراسة إرث عمره ...
- نهاية المطاردة: القبض على مهاجمي الكنيسة في الأردن
- عشرات القتلى في هجوم مسلح استهدف مسيحيين بإقليم أوروميا الإث ...
- الضفة الغربية: هجرة المسيحيين من الأراضي الفلسطينية


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - غالب المسعودي - كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعمارية في الشرق الأوسط