نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي
(Naeema Abdelgawad)
الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 01:43
المحور:
الادب والفن
"الجوع" . . . هو ذاك الوحش الكاسر الذي يفتك بكل من يتملَّك منه. "الجوع" كان - ولا يزال- من أهم أسباب قيام الحروب، واحتلال الدول؛ لأنه أسوأ إحساس قد يشعر به المرء، على الاطلاق. فعند الجوع الشديد، يفقد الإنسان صوابه، ولا يميز بين الطيب والخبيث، وقد يفعل أي شئ في نظير الحصول على ما يكفيه من طعام ليسدّ جوعه، لدرجة أنه قد يلتهم بشريًا مثله، بإرادته الحرة، ودون أي ندم. وهذا بالفعل ما حدث في وقت الشدة المستنصرية بمصر، حين ضربتها المجاعة في عهد الدولة الفاطمية (1036-1094) على مدار سبع سنوات متعاقبة في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. وكثيراً ما يروي التاريخ حكايات مماثلة في أوقات الحروب. فلقد قيل أنّ أحد الطيارين قد تربَّص بصديقه ورفيق دربه – وكذلك فعل صديقه به – عندما استبد بهما الجوع بعد وقوع طائرتهما على جزيرة منعزلة على مدار شهور طويلة كانا يقاسيان خلالها من ندرة وجود ما يقتانون به. لكن، "تعدّدت الأسباب، والجوع ليس واحد".
فهناك من هو مجبر على الجوع، بحيث يلجأ لتجويع نفسه طواعية للحصول على قوام رشيق أنيق. وعلى العكس، هناك من يختار من الجوع طريق لأنه قد ملّ وزهد متاع الدنيا الفاني، واختار أن يكرِّس نفسه لهدف أسمى يجعله يرتقي فوق البشر وغرائزهم التي لا تفضي إلى شئ إلا لتحويلهم لوحوش حين لا يستطيعون بلوغ أهدافهم. ومن أشهر الأمثلة على ذلك، الكاتب العبقري فرانتز كافكا Franz Kafka (1883-1924) الذي أثرى المجال الأدبي بكتاباته التي فاقت الرائع، والتي تتميَّز بحبكات غريبة تجعل قارئها يتفكر فيها، وفي مغزاها لسنوات طوال، وربما لآخر العمر، وفي كل مرة يقرأها يكتشف خبايا ودهاليز فلسفية جديدة يسعد بفهمها.
فلقد ولد القاص والروائي الشهير فرانتز كافكا Franz Kafka لأبويين من الطبقة المتوسطة، ولم يكن هذا يسعده أو يشقيه. لكن ما كان يشقيه حقًا رؤية والده يكد، ويكدح في عمله كبائع متجول لدرجة أنه تحوَّل لغريب يزور المنزل، وصار قاسيًا لدرجة غير مبررة أو مقصودة، ومسيئا لنوايا الآخرين، دون قصد. فلقد كان الوالد دائم الجوع للدفء العاطفي، يتلمَّس الحنان، وعندما لا يجده تصبح القسوة هالة تكسوه. وبخيال كافكا العبقري، كتب قصته القصيرة الواسعة الشهرة "التحول" The Metamorphosis 1915 وفيها يحكي كيف استحال بائع متجول إلى حشرة ضخمة بين عشية وضحاها، وينغمس أكثر في قلب المأساة عندما يحكي عن صعوبات التأقلم مع عالمه الجديد. وكما هو الحال بالنسبة لتحليل جميع أعمال كافكا، كان يجب تعرُّض هذا العمل لنقد ليس فقط أدبي، ولكن ثقافي، ونفسي، واجتماعي، وديني. ولا يزال المفسِّرون لهذا العمل يحاولون سبر مقاصد كافكا. فأعمال كافكا تنقل فكرة الجوع المعنوي والمعرفي لجميع من يحاول أن يتناوله بالتفسير والتحليل، ولا تختلف المعاني مهما تغيَّرت الأزمان.
وقبيل وفاة كافكا بعامين، كتب - كعادته - قصة عبقرية، شديدة الغرابة جسد فيها فكرة الجوع بشكل ملموس لتفضي إلى ما يروم له من سد رمق الطامعين في المعرفة بشكل معنوي وحسِّي. وقصة "فنان جوع" A Hunger Artist تسرد مأساة آخر فنان يمتهن الجوع، التي تروي القصة أنه ازدهر كأحد ألوان الفنون التي تبين أن محترفها له قدرات تفوق مستوى البشر. وبالتأكيد، هذه الفكرة من نسج خيال الكاتب، وتنتمي لتيار اللامعقول، وليس لها أي أساس على أرض الواقع. الفنان الذي يحكي عنه فرانتز كافكا في قصته القصيرة، يصفه بأنه شديد التميُّز، وصنع لنفسه شهرة واسعة في جميع أرجاء أوروبا. ويضفي على تميُّزه روعه مع وصفه بأنه الوحيد الذي تمسَّك بمهنته الصعبة الغريبة تلك، في حين انصرف عنها الآخرين لامتهان أشغال أخرى أقل خطورة وصعوبة.
فهذا الفنان ذو المبادئ الصلبة قد ارتضى لنفسه أن يعيش طوال فترات جوعه الاختياري في قفص حديدي لا يوجد به إلا قش على الأرضية، وساعة معلقة على جدران القفص. أما هو، فلقد ارتدى ملابس ضيقة لامعة تضاهي ملابس العاملين بالسيرك، الذين يؤدون فقرات خطرة جاذبة. وكانت تكشف ملابسه الضيقة عن جسد ضامر نحيل لدرجة ملحوظة. ويؤكد كافكا - الذي كان صوت الكاتب المهيمن في القصة - أن فنان الجوع كان ذا شهرة واسعة، جعلت الجمهور ينتظرونه في أي بلدة أو مدينة يمر بها خلال فترات صيامه، وكان الجميع يتلمسون أخباره من خلال ما كان يكتب عنه في الصحف من أخبار، وهذا الشغف به كان يدفع الجمهور للهرولة أليه والتسابق لحجز تذاكر لرؤيته في فترات الصيام. وكانت قيمة التذكرة ترتفع خاصة في اليوم الذي يقرر فيه الإفطار. وكان جمهوره من الأطفال أكثر من يوليه الشغف بشخصه وبفنه.
ويحكي الكاتب الراوي في جمل راقية طويلة الأنفاس أن متعة الآخرين كانت محاولة كشف زيف الفنان محترف الجوع هذا، فكانوا يسهرون يراقبونه طوال الليالي ليكتشفوا ما إذا كان هناك طعام يخبئه في إحدى زوايا القفص الحديدي المكشوف، ولربما تحت القشّ. وإذا صمت، كانوا يظنون أنه لربما كان صامت لأن فمه مملوء بالطعام. وحتى يفنِّد هذا الفنان مدى افتراءاتهم ويرد كيدهم في نحرهم، كان يغني لهم بصوته الرخيم وهو ساهر معهم طوال الليالي يراقبهم ساخرًا لأنهم لا ينفكون عن تناول الطعام طوال الليل. وكان هذا يملأه بالزهو، لأنه يستطيع أن يفعل ما لا يقوى على فعله الآخرين. وعلاوة على هذا، كان يكافئ كل من يسهرون يراقبونه بإفطار شهي على هيئة وليمة عظيمة ضخمة. ومن ثم، كان يتسابق الجمهور في السهر لمراقبته. وكان فنان الجوع لا يجرحه محاولة إغراء جمهوره له في أن يأخذ ولو قضمة واحدة مما يعرضونه عليه من طعام شهي؛ فلقد كان فنان الجوع مخلص في عمله، ومتفاني فيه. فهذا الفنان الذي احترف الجوع وتمسك بمهنته، كان يشعر أنه ليس كباقي البشر؛ لأن ما يسدّ جوعه هو إظهار موهبته وقدراته الخاصة، التي لربما لا يقدرها إلا هو ذاته.
وبعد انحسار شهرته عنه، لم يتوانى، ولم يحاول أن يمتهن أي مهنة أخرى غير تلك التي يؤمن بها. فانفصل عن وكيل أعماله الذي يرعاه، ووقع عقد مع أكبر سيرك في أوروبا. وقرر أن يمتنع عن الطعام لأطول فترة على الإطلاق، ألا وهي ثلاثة أشهر، وكأنه يحاول بهذه المجازفة الخطرة إما أن يستعيد شهرته، أو يفارق تلك الحياة التي لا تقدرفنه وموهبته. وخلال هذه الفترة، نسي الجمهور والعاملين في السيرك وجوده، ولم يعد أحد راغباً في رؤيته، وخاصة بعد أن انزوى جسده النحيل الضئيل في القش الذي يغطي أرضية قفصه، الذي هو محبسه الاختياري، واعتقد الجميع أن القفص خالي. وأخيرًا، يلفظ هذا الفنان أنفاسه بين جمع من العاملين بالسيرك، وهو يشعر بالزهو لأنه حقق هذا الرقم القياسي في الجوع، ولم يشعر ولو لوهلة بأنه جائع. ويختتم كافكا تلك القصة بنهاية مأساوية يوارى جسد هذا الفنان في التراب بكل إهمال مع قشه الذي صار شديد الاتساخ، وإحلال نمر بدلاً منه في هذا القفص؛ لأن مشاهدة النمر عليها إقبال شديد. وكأن كافكا يرغب في قول أن الناس راغبون في كل ما هو همجي ووحشي، وراغبون عن الإحساس الفنّي المرهف. لقد مات الفنان وهو يشعر بكل فخر وحبور، ولم يبالِ بأراء الآخرين وظنونهم؛ فكل ما يهمه هو رأيه في ذاته، وتحقيقه لجميع ما يصبو له. ولقد حاول كافكا أن يخلده بما كتبه عنه من سطور، وكأنه يحاول أن ينعي ويخلِّد كل من أخلص لموهبته.
لقد حاول كافكا في تلك القصة الغريبة أن يرسم ملامح شخصيته، ويصف نفسه، ويحكي عن مصيره. فهو نفس ذاك الفنان الذي يؤمن بما يقدمه من فن، حتى ولو ظهر ما يقدمه من فن غريب على العالم، ولم يحاول أن يفهمه أحد. وهو نفسه ذلك الفنان الذي يرغب عن الطعام؛ لأن ما يسد رمقه ليس بالطعام بشكله الحسي الملموس. لقد مات كافكا في ريعان شبابه وهو في الواحد والأربعين من عمره لما ضرب جسده من مرض سل عضال؛ بسبب امتناعه عن تناول الطعام. ولقد تنبأ كافكا لنفسه - بسبب نظرته العبثية التشاؤمية لوضعه في الحياة – أن التراب لسوف يواريه، ولن يتذكره أحد. فكان حسبه فقط أنه كان يرضي موهبته، وأفكاره الفنية التي كانت تبدو غريبة، وغير مألوفة، وكذلك شديدة المأساوية والعبثية. فلا يعلم القارئ ماذا يفعل بعد قراءه أعماله، هل من الأنسب له أن يضحك، أم يبكي؛ لأنه يجد نفسه بعد القراءة – دون قصد – يدخل في دوامة من الأفكار والتحليلات.
وعلى عكس ما توقع فرانتز كافكا Franz Kafka لنفسه من مصير، فلقد بلغت شهرته بعد موته عنان السماء، وصارت أعماله الروائية والقصصية كتابات فلسفية يقبل عليها العامة والخاصة. فجوع كافكا للفن الجيد، ونشره لهذا اللون المتمييز من الأدب، حفر له مكانة خاصة في صرح العظماء، مكانة لا ينافسه فيها أحد.
وقصه حياة فرانتز كافكا Franz Kafka، وكتاباته لا تلحّ إلا على فكرة واحدة، وهي أنه لا يجب استجداء عطف الآخرين، أو جذب انتباههم له ولأعماله؛ لأنه مهما طال الزمن أو قصر لسوف يعترف البشر بصاحب الموهبة الحقيقية، لطالما أنه يخلص لها بتفانٍ، ويشعر أن موهبته هذه – مهما كانت – هي السبيل للخلاص. فاشتهاء الموهبة الحقيقية، والإقبال عليها بكل شهية ونهم هي الطعام السامي الذي يغذي الوجدان. أما المتع المادية، فهو عرض وقتي وزائل، حتى وإن ظن الجميع أن لها الدوام.
#نعيمة_عبد_الجواد (هاشتاغ)
Naeema_Abdelgawad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟