اكرم حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يكتسب عقد المؤتمر الوطني الخامس للمجلس الوطني الكردي في سوريا أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة، بسبب تأخر انعقاده لسنوات، والتحولات السياسية والوطنية التي شهدتها سوريا، وما رافقها من تغيرات في طبيعة القضية الكردية وشكل العلاقة بين القوى السياسية الكردية والدولة السورية.
لقد جرت المؤتمرات السابقة في ظروف سياسية وتنظيمية لم تكن مهيأة بما يكفي لإجراء مراجعة جدية وشاملة لمسيرة المجلس، وتقييم تجربته، ومعالجة أوجه القصور في أدائه السياسي والتنظيمي والجماهيري. أما اليوم، وفي ظل المرحلة الجديدة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، والتحولات المرتبطة بالعلاقة بين الإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة السورية، عبر عملية الدمج ،والمرسوم ١٣ الخاص بالاعتراف بالوجود الكردي في سوريا واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية واعادة الجنسية للمجردين والمكتومين الكرد بموجب احصاء ١٩٦٢ وما تتيحه هذه المرحلة من فرص لإعادة ترتيب البيت الكردي وتطوير أدوات العمل السياسي، فإن عقد المؤتمر لم يعد عبارة عن استحقاق تنظيمي مؤجل، بل ضرورة سياسية ووطنية تفرضها متطلبات المرحلة.
إن أهمية المؤتمر ليست في انعقاده ، ولا في إعادة توزيع المواقع والمسؤوليات بين القوى والأحزاب المشاركة، وإنما في قدرته على إنتاج رؤية سياسية جديدة، وإجراء مراجعة نقدية مسؤولة للتجربة السابقة، وتجديد شرعية المجلس، وإعادة بناء علاقته بالشارع الكردي، وتحديد موقعه ودوره في سوريا الجديدة.
وعليه، ينبغي أن يشكل المؤتمر نقطة تحول في مسيرة المجلس الوطني الكردي، ينتقل من خلالها من الاكتفاء بالمواقف والبيانات السياسية العامة إلى امتلاك مشروع وطني كردي سوري واضح، يتضمن أهدافاً محددة، وبرنامجاً عملياً، وآليات تنفيذ قابلة للقياس، وجدولاً زمنياً، ومؤسسات قادرة على متابعة التنفيذ ومحاسبة المسؤولين عنه.
اذاً التحدي الأساسي أمام المجلس اليوم هو في تحديد ما الذي يستطيع تقديمه للكرد في سوريا، وكيف يمكنه الدفاع عن حقوقهم القومية والوطنية والدستورية، وتعزيز مشاركتهم في بناء الدولة السورية الجديدة، وتحويل مطالبهم المشروعة إلى حقوق ثابتة ومحمية دستورياً وقانونياً.
ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يكون المؤتمر مناسبة للاستعراض واعادة تكرار الخطاب السياسي التقليدي أو إعادة إنتاج الصيغ التنظيمية السابقة، بل فرصة لتأسيس مرحلة جديدة من العمل السياسي الكردي، تقوم على الشراكة الوطنية، والفاعلية المؤسسية، والقدرة على الإنجاز.
ثانياً: الملفات الأساسية التي ينبغي أن تكون على جدول أعمال المؤتمر
1. مراجعة التجربة السياسية والتنظيمية للمجلس: ينبغي أن يبدأ المؤتمر بتقييم موضوعي لمسيرة المجلس منذ تأسيسه، والوقوف على أسباب محدودية تأثيره السياسي والجماهيري في بعض المراحل، ومراجعة طبيعة علاقاته بالقوى الكردية والسورية، ومدى قدرته على تحويل برنامجه السياسي إلى نتائج ملموسة ، بحيث تبتعد هذه المراجعة عن تبادل الاتهامات أو تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، وأن تستند إلى تقارير سياسية وتنظيمية ومالية واضحة ودقيقة ، تنتهي باستخلاص الدروس وتحديد الإصلاحات الضرورية.
2. صياغة مشروع سياسي كردي سوري للمرحلة الجديدة : يحتاج المجلس إلى برنامج سياسي متكامل يحدد رؤيته لمستقبل سوريا، وموقع الشعب الكردي فيها، وشكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والمناطق، والضمانات الدستورية والقانونية اللازمة لحماية الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد. بحيث يقوم هذا المشروع على التعدد القومي والثقافي، والمواطنة المتساوية، والديمقراطية، واللامركزية، ورفض الإقصاء والتمييز والتغيير الديمغرافي، مع التأكيد على أن الاعتراف بالحقوق الكردية جزء من بناء دولة سورية مستقرة وعادلة لجميع مكوناتها.
3. تحديد الموقف من الدولة السورية الجديدة : من الضروري أن يحدد المؤتمر أسس العلاقة مع السلطات السورية الجديدة ومؤسسات الدولة الناشئة ، وآليات الحوار والتفاوض بشأن القضايا الدستورية والسياسية والإدارية والاقتصادية ، ويقتضي ذلك وضع أولويات واضحة للمفاوضات، تشمل الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه، وضمان اللغة والثقافة الكرديتين، وتطوير نظام الإدارة المحلية وتوسيعها ، وتحقيق المشاركة السياسية، ومعالجة ملفات الملكية والتعويضات والتنمية في المناطق الكردية.
كما ينبغي تحديد شروط المشاركة في مؤسسات الدولة، بحيث تكون مشاركة فاعلة تستند إلى برنامج واتفاقات واضحة، لا مجرد حضور شكلي أو تمثيل رمزي كما هو الان .
4. توحيد الموقف الكردي وتطوير العلاقات بين القوى الكردية: تفرض المرحلة الجديدة تطوير الحوار بين المجلس الوطني الكردي وسائر القوى السياسية الكردية، والبحث عن أرضية مشتركة بشأن القضايا القومية والوطنية الأساسية ، وبناء تفاهمات عملية حول الحقوق الدستورية، واللغة والتعليم، والإدارة المحلية، والمشاركة السياسية، ورفض التخوين والإقصاء ، ولا يعني توحيد الموقف الكردي إلغاء الاختلافات السياسية أو التنظيمية، بل إيجاد آليات ديمقراطية لإدارتها، وتحديد القضايا التي يمكن الاتفاق عليها والعمل المشترك بشأنها.
5. إعادة بناء المجلس على أسس ديمقراطية ومؤسسية : يحتاج المجلس إلى مراجعة بنيته التنظيمية وآليات اتخاذ القرار والتمثيل، بما يضمن مشاركة أوسع للكفاءات والشخصيات المستقلة والشباب والنساء والفعاليات الاجتماعية والثقافية ، ومن المهم تطوير آليات العضوية والانتخاب والمحاسبة، وتحديد صلاحيات الهيئات القيادية، ووضع معايير واضحة لتقييم الأداء، وتعزيز استقلالية القرار السياسي، بحيث تصبح شرعية المجلس مرتبطة بقدرته على تمثيل تطلعات المجتمع وخدمة مصالحه.
6. استعادة الثقة الشعبية وتعزيز الحضور في المجتمع : لا يمكن للمجلس أن يؤدي دوراً سياسياً فاعلاً من دون امتلاك قاعدة جماهيرية واسعة وثقة اجتماعية متجددة ، ولهذا ينبغي أن يناقش المؤتمر وسائل تطوير العلاقة المباشرة مع المواطنين، وفتح مكاتب ومراكز للتواصل في المناطق الكردية ومناطق وجود الكرد في المدن السورية، والاستماع إلى مشكلاتهم، ومتابعة قضاياهم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وإصدار تقارير دورية عن عمل المجلس ونتائجه.
7. الحقوق الدستورية : ينبغي أن يضع المؤتمر قضية الحقوق القومية والثقافية في مقدمة أولوياته، وأن ينتقل من المطالبة العامة بالاعتراف بالحقوق إلى تقديم مقترحات دستورية وقانونية محددة ، ويشمل ذلك الاعتراف الدستوري بالكرد بوصفهم مكوناً قومياً أصيلاً في سوريا، وضمان حقوقهم اللغوية والثقافية، وإقرار آليات عملية لتعليم اللغة الكردية، وإعداد المناهج والكوادر التعليمية، وتطوير المؤسسات الثقافية والإعلامية، وضمان استخدام اللغة الكردية في المجالات التي يحددها الدستور والقانون.
8. اللامركزية ، والعدالة في توزيع الموارد : يتعين على المؤتمر بلورة تصور واضح للامركزية ، يحدد صلاحيات السلطات المركزية والمجالس المحلية المنتخبة، وآليات الرقابة والمساءلة، ومصادر التمويل، وضمانات المشاركة الشعبية. كما ينبغي أن يتناول قضايا التنمية الاقتصادية في المناطق الكردية، والزراعة والموارد المائية والطاقة وفرص العمل والبنية التحتية، وأن يقدم مقترحات لتحقيق توزيع عادل للموارد الوطنية، مع مراعاة احتياجات المناطق المتضررة ومستويات التنمية فيها.
9. بناء العلاقات الوطنية السورية والدولية : من المهم أن يحدد المؤتمر استراتيجية المجلس لبناء علاقات مع القوى الديمقراطية والوطنية السورية، على أساس المصالح المشتركة في بناء دولة ديمقراطية تعددية ولا مركزية، تضمن حقوق جميع مكوناتها.
كما ينبغي تنظيم العلاقات الإقليمية والدولية على أساس استقلالية القرار الكردي السوري بما يحافظ على الأمن القومي الكردستاني ، وتوظيف العلاقات السياسية والدبلوماسية لدعم الحلول السياسية والحقوق الدستورية والتنمية والاستقرار.
ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يحققه المؤتمر؟
ينبغي أن يقاس نجاح المؤتمر بقدرته على تحقيق خمسة تحولات أساسية:
- سياسي عبر الانتقال من الخطاب العام إلى مشروع سياسي واضح ومحدد المطالب والآليات.
-تنظيمي ، يتجاوز التمثيل الحزبي التقليدي إلى مؤسسات أكثر ديمقراطية وفاعلية وانفتاحاً.
- جماهيري ، تجديد الثقة الشعبية من خلال العمل والإنجاز بدلاً من الاعتماد على الشرعية التاريخية والسياسية
-تفاوضي ، امتلاك أجندة تفاوضية واضحة ومبادرات سياسية محددة عوضاً عن ردود الفعل وانتظار المبادرات
- مؤسسي ، بالانتقال من القرارات والبيانات إلى برامج تنفيذية تخضع للمتابعة والمحاسبة.
إن المؤتمر الوطني الخامس يمثل فرصة لإعادة تعريف دور المجلس الوطني الكردي في سوريا، وتحديد طبيعة المشروع السياسي الذي يريد حمله، والوسائل التي سيعتمدها لتحقيق أهدافه، وعلاقته بالمجتمع الكردي وبقية مكونات الشعب السوري.
وإذا أراد المجلس أن يخرج من المؤتمر أكثر قدرة على التأثير، فإن المعيار الأساسي يجب أن يكون مدى وضوح مشروعه، وديمقراطية مؤسساته، واتساع قاعدته الاجتماعية، وقدرته على تحويل المطالب الكردية المشروعة إلى حقوق ومكاسب سياسية ودستورية وقانونية ملموسة.
#اكرم_حسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟