أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عن اغتيال مشعل التمو














المزيد.....

عن اغتيال مشعل التمو


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 18:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كعادته ، كان المساء يهبط ببطء على القامشلي، كأن المدينة تحاول أن تخفي تعبها تحت عباءة من الغبار والضوء الشاحب. في الشوارع التي شهدت الهتافات قبل ساعات، كانت أصوات المتظاهرين لا تزال تتردد في الذاكرة، تتعالى من النوافذ والوجوه، ومن عيون الشباب الذين اكتشفوا، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن الخوف ليس قدراً أبدياً.
في ذلك اليوم، السابع من تشرين الأول عام 2011، عاد مشعل التمو من التظاهرة، يحمل في صوته صدى الحناجر التي نادت بالحرية، وفي قلبه إيماناً بأن سوريا التي يحلم بها أبناؤها لا يمكن أن تُبنى على الخوف أو الإقصاء.
لم يكن مشعل رجلاً عادياً في نظر الذين عرفوه. كان مناضلاً كردياً سورياً اختار أن يواجه الاستبداد بالكلمة والموقف، وأن يجعل من الحرية قضية تتجاوز حدود القومية والجغرافيا. دفع ثمن مواقفه اعتقالاً وملاحقةً وتهديداً، لكنه لم يتعلم كيف يتراجع عن أحلامه، ولم يقنعه السجن بأن الصمت أكثر أماناً من الحقيقة؟.
حين دخل البيت، كانت زاهدة قريبة منه، وكان ابنه مارسيل يتحرك في المكان بألفة الابن الذي لا يتوقع أن يتحول يومه العادي إلى آخر فصول طفولته أماناً.
لم يكن في البيت ما يوحي بأن الموت يقف خلف الباب. كانت الحياة تمضي في تفاصيلها الصغيرة ، كلمات عابرة، نظرات مألوفة، وقلق خفيف اعتادته عائلة رجل جعلت مواقفه هدفا ًللتهديد والاغتيال .
لكن الرصاص لا يستأذن البيوت.
في لحظات خاطفة، انكسر هدوء المكان، وتعالت الطلقات كأنها إعلان وحشي عن قرار اتُّخذ خارج إرادة الحياة. سقط مشعل التمو مضرجاً بدمه، وأُصيب ابنه مارسيل ورفيقته زاهدة. ارتبك الزمن، وتبعثرت الكلمات، وصار الهواء أثقل من أن يتنفّس.
لم يفهم مارسيل، في تلك اللحظة، لماذا تحوّل البيت إلى ساحة للموت، ولا لماذا صار وجه أبيه بعيداً على هذا النحو. كان الألم أكبر من قدرة طفل على الفهم، وأقسى من أن تستوعبه الكلمات.
أما زاهدة، فوجدت نفسها في مواجهة لحظة لم تكن لتتخيلها ، جراح في الجسد، وجرح أعمق في الروح، وصورة رجل عرفته مناضلاً ومحباً للحياة، وهو يواجه مصيره الأخير.
خارج المكان ، كانت القامشلي تستعد لليلة لن تشبه سواها. انتشر الخبر سريعاً، من شارع إلى آخر، ومن منزل إلى منزل، حتى صار اسم مشعل التمو وجعاً يتقاسمه الناس. لم يكن الأمر بالنسبة إلى كثيرين مجرد اغتيال رجل سياسي، بل اعتداءٌ صارخ على حق انسان حلم بسوريا أخرى، وعلى حق الكرد في أن يكونوا شركاء كاملي الحقوق في وطن يتسع لجميع أبنائه.
جاء الاتهام السياسي موجّهاً إلى سلطة الأسد التي واجهت الثورة السورية بالقمع، ورأى أنصار مشعل التمو في اغتياله محاولة لإسكات صوت عارض الاستبداد وساند مطالب الحرية ، ومع ذلك، لم يكن بوسع الرصاص أن يمحو أثر الرجل من ذاكرة الذين عرفوه أو سمعوا كلماته.
في اليوم التالي، لم تعد شوارع القامشلي مجرد شوارع ، بل ذاكرة مفتوحة، وصار الحزن موقفاً، وصار اسم مشعل يتداول بصوت يشبه العهد. حمله المشيعون في قلوبهم، فيما كانت المدينة تسأل نفسها كيف يمكن للإنسان أن يقتل إنساناً لأنه أراد للناس أن يعيشوا أحراراً.
لم يكن لمشعل أن يرى ما ستؤول إليه الثورة، ولا أن يعرف كم من الدماء ستُراق، وكم من الأحلام ستتعب في الطريق الطويل. لكنه ترك خلفه سؤالاً ظل مفتوحاً أمام الجميع: هل يمكن اغتيال الفكرة حين يُقتل صاحبها؟
مرت الأعوام، وتغيرت الوجوه والطرقات، وبقي السابع من تشرين الأول جرحاً في ذاكرة القامشلي وفي ذاكرة الكرد جميعاً، أما مارسيل، الذي جُرح ذلك اليوم، وزاهدة التي أصيبت معه، فقد ارتبط اسماهما بواحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياة عائلة دفعت ثمن السياسة من دمها وطمأنينتها.
لم يعد البيت كما كان، ولم تعد المدينة تنظر إلى المساء بالعين ذاتها. لكن شيئاً بقي عصيّاً على الموت: ذلك الإيمان بأن الحرية، مهما تأخرت، تستحق أن يُدافع عنها، وأن الإنسان الذي يختار الوقوف في وجه الاستبداد قد يُغيب جسده، لكن كلماته ومواقفه ستبقى ، وان ذكراه لن تزول .
في القامشلي، لم ينتهِ مشعل التمو يوم سقط برصاص قاتليه. انتهى جسده، لكن السؤال الذي عاش من أجله ظل حيّاً ، سيتنقل بين الأجيال، ويعود كلما ارتفع صوت يطالب بالحرية، وكلما حاول الخوف أن يقنع الناس بأن الصمت هو الطريق الوحيد للنجاة.
لقد أرادوا إسكات الرجل، لكنهم لم يستطيعوا أن يجعلوا الحرية تنسى اسمه؟.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الحسكة مرة أخرى ..؟
- الحسكة أمام اختبار الدولة والسلم الأهلي؟
- نداء إلى أبناء تجربة تيار المستقبل والى من يجد نفسه امتداداً ...
- هل هناك مُبرّر لوجود الأحزاب الكردية في سوريا؟
- «اتفاقية مكة»: تحوّل استراتيجي في بنية الأمن الإقليمي
- سوريا تحتاج إلى الصبر… لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إدارة رشيدة
- المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي: نحو إعادة تأسيس البيت ا ...
- اتفاق دمشق و«قسد»: بداية مرحلة أم نهاية نفوذ؟
- المجلس الوطني الكردي بين الحقيقة والتضليل السياسي ؟
- جدلية التنمية: من «النمو المزعوم» إلى النهوض الفعلي في شرق س ...
- أزمة الواقع أم أزمة القيادة الكردية في سوريا؟
- زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق: هل يلتقط الكرد في سو ...
- موضوعات اساسية أمام المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي
- منطق الدولة ام منطق الفزعة ؟ الى ابراهيم حجي الحلبي
- سري كانيه.. حين يصبح حق العودة امتحاناً للدولة السورية ؟
- امرأة على رأس منطقة القامشلي: قراءة في دلالات التعيين وانعكا ...
- تغيّر الخطاب الكردي في سوريا: من الفدرالية إلى الاندماج في ا ...
- بين مراجعة الذات وانخراط الكرد في المسار السوري الجديد؟
- حبر الولاء
- نحو مراجعة كردية جادة :آليات التنفيذ والتمويل ؟


المزيد.....




- روبيو: -محادثات- جرت لعقد لقاء يضم ترامب وبوتين وشي لإنهاء ح ...
- مصممة إماراتية تنقل التراث والحرفية اليدوية إلى أسبوع الموضة ...
- كايلي جينر ترتدي واحدة من أغلى حمالات الصدر في تاريخ -فيكتور ...
- -صدق المواقف في الشدائد أبلغ رد-.. قرقاش يعلق على لقاء محمد ...
- عراقجي يرد على نتنياهو بشأن الحرب: -نحن أيضاً لدينا حسابات ل ...
- إيران: قاليباف يوجه تهديدا جديدا لدول المنطقة بشأن شركات الذ ...
- يوم الحسم الكندي.. ألبرتا تصوّت على مسار الانفصال
- روبيو: ترامب مستعد لأي خطوات لإنهاء الصراع في أوكرانيا
- يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
- 10 مبادئ رئيسية.. نتنياهو يعرض تصورا جديدا للأمن القومي


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عن اغتيال مشعل التمو