سمير عزو
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 16:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لقد دخلتْ فرنسا أوّل ما دخلت، إلى المغرب بلاد المهْديّين الثّلات (ٱبن تومّرت، بن برْكة و المنْجرة) سنة 1907، و كان ذلك من مدينتيْ الدار البيضاء و وجدة.
مِن وجدة نفسها خرج المهدي بن بركة، هاربا إلى الجزائر، بعد أحداث 23 مارس 1965، و منذ ذاك الحين، لا يزال الغموض يكْتنف ملفّ ٱختطافه، كما لا تزال الذّاكرة الحيّة تطرح ألف سؤال في الموضوع (1)..
كيف وقَع المهدي في مَكيدة ٱستدْراجه إلى باريس، من طرف المخابرات الفرنسية، و هو الذي وقَّع و عمْره أرْبع و عشرون سنة، على وثيقة المطالبة بٱستقلال المغرب يوم 11 يناير 1944 ؟
هل كان لتوتّر علاقته داخليّا، مع بعض الجهات في السّلطة المغربية، علاقة بالحادث ؟ أم أنّ الأمر كان مرتبطا بالخارج، خصوصا بعد تعْيينه منسّقا عامّا، لـ"مؤْتمر القارّات الثلات" في هافانا ؟
كان المهدي بن بركة، محْورا (دينامُو) في العمل السياسي (2)، المُطالب بعوْدة الملك محمد الخامس من المنْفى، و خروج المحتلّ الفرنسي، ما جعله يحْضى بعد الإستقلال عام 1956، بمكانة داخل هرَم السّلطة، لكي يُعيّن بذلك رئيسا للمجلس الإستشاري، و بعد موافقة الملك محمد الخامس على ٱقْتراحه، تمّ ٱختيار عبد الله إبراهيم، من حزبه الجديد "الإتّحاد الوطني للقوّات الشّعبية"، رئيسا للحكومة، التي حقّقت عدّة إنجازات في مدة سنة و نصف من عمرها، إذ فصلت الفرنك المغربي عن الفرنك الفرنسي، و أنشأت "بنك المغرب"، ثمّ أسّست نظام "الضّمان الإجتماعي" سنة 1959.
حكومة باشرت مخطّط واسع للإصلاح الزّراعي، فأنشأت تعاونيات كبرى، كما أنشأت معمل للحديد و الصّلب في الناظور، بشراكة مع الإتحاد السوڤياتي سابقا، إضافة إلى ٱتّفاقها على بناء معمل لصناعة السّفن و الغوّاصات في الحسيمة..(3).
و عليه، ربّما تكون، حكومة الرئيس عبد الله إبراهيم، بتجْربتها النّموذجية خلال فجْر الاستقلال، قد شكّلت بتوجّهاتها اليسارية، خطورة على خصومها في الداخل و الخارج، ما دفع للتو إلى محاصرتها و إسقاطها..
في ظلّ هذه الأجواء، كان المهدي لمدة ثلاث سنوات من الزّمن، يُعدّ رفقة أبرز القيادات الثّورية اليسارية في العالم، لإنْجاح مؤتمر كان مزْمعا ٱنعقاده بهافانا عام 1966.. و بالطُّعْم نفسه تمّ ٱستدراج المهدي إلى باريس، صباح 29 أكتوبر 1965، إذ كان على موعد مع مُخرج، من أجل إنجاز فيلم و ثائقي، عن حركات التّحرر العالمية، تحت عنوان "باسْطا" أي كفى، إذاك و هو يخرج من مقهى "ليب"، طلب منه شرْطيان فرنسيان، مُرافقتهم إلى السيارة، التي نقلتهم إلى فيلا بضواحي العاصمة باريس، بدعوى لقاء بمسؤول فرنسي كبير، بعيدا عن وسائل الإعلام.
هذا و تشير إحدى الرّوايات الرّائجة، إلى أنّ المهدي تعرّض حينها للتّعذيب، على يد ضباط الإستخبارات الفرنسية، قبل أن يتسلّمه رجال المخابرات المغربية جثّة هامدة..
لا أحد من المهتمّين و المتابعين للشّأن المغربي، يُنكر كهْربة الأجْواء السياسية، و توتّر العلاقة بين القصر الملكي و المعارضة اليسارية آنذاك، لكن في الآن نفسه و الأكيد أيضا أنّ الملك الحسن الثاني، كرأس للهرم السياسي المغربي، دعا المهدي، للعودة إلى أرض الوطن، إذ أُنيطت مهمّة محاورة أخيه عبد القادر بن بركة، للسّفير مولاي علي العلوي.. بالتالي هل كانت جُيوب أخرى داخل النظام المغربي، تعمل بٱستقلالية دون الإنْصياع لتوجّهاته ؟
كلّ شيء محْتمل، ما دامت عديدٌ من الرّوايات، تشير إلى أنّ عودة المهدي، كانت مشْروطة؛ كما كان يراها؛ "بعوْدة العسْكر إلى ثكناتهم"..
ثم مرّت الأيام و السِّنون، فدخلت يوما بنفْسي، مكتب محامية فرنسية، كي أعْرض عليها مُؤازرتي، في ملف لي ضدّ "صندوق المِنح العائلية" الفرنسي، حيث كنت أرى؛ كمُقيم قانوني بالدّيار الفرنسية؛ أنه قد أجْحف في بعض حقوقي.. و بعد المذاكرة العفْوية التي جمعتْني بالأستاذة، و جوابي على كل أسْتفساراتها.. أبْدت ٱستعدادها و رغبتها في مؤازرتي، فأمْضت تقيّد كلّ شيء يتعلق بالملف، و تنْسخ الوثائق الضّرورية لإرْفاقها فيه.. كانت مطمئنّة مرْتاحة البال، و هي تسألني و كأنها كانت تحقّق معي.. ثمّ سألتْ بعد هُنيْهة من الزّمن، الذي طال عليّ و أنا أتصبّب عرقا : "هل يوجد صنْدوق المِنح العائلية في المغرب ؟"..
حينها ٱضْطررْت، و كان لِزاما عليَّ، ألاّ أُداريها ما دُمتُ في دارِها، و ألاّ أُرْضِها ما دُمت في أرْضها، فأخْبرتها، عن سبب عدم تواجدي بفرنسا حينها، و أنّ قوّةً قاهرة ٱسْتدعت ذلك الغياب الطويل، إذ تسجّلت كمحام متمرّن، بهيئة المحامين في المغرب..
توقّفت الأستاذة المحترمة، و توقّف معها الوقت، الذي كان يمرّ ثقيلا، و ٱحْمرّت وجْنتاها، ثمّ ٱبْتلعت رُزْمة أسئلتها اللاّمتناهية، التي كنتُ أقرأ في نبْرتها، عُنْصرية دفينة ضدّ المهاجرين.. كأنها كانت تُلمّح بسؤالها، عن "صندوق المِنح العائلية" : كيف لأجنبي مُقيم ببلادنا، أن يترافع ضدّنا ؟ كيف له أن يسْتفيذ من هذه الحقوق، و هذا الصّندوق لا يوجد أصلا في بلاده الأمّ !
كان الإشْكال غريبا، لكنّه غير واقعي، لٱعتبار مبادئ الجمهورية الفرنسية، التي تقضي بالمساواة في الحقوق و الواجبات، و أنّ حقّ التّقاضي مكْفول للجميع بلا ٱستثناء..
تذكّرت حينها المثل الفرنسي الذي يقول : "اللّباس لا يصْنع رجل الدّين"، لكن لو كان كذلك؛ ما للأستاذة أن تتغيّر، بمجرّد ما علمت بِصفتي الحقيقية، و أنّي زميل لها في المهنة.. مهما يكن من حال، فالنّاس سواء، و أنا لم أتلاعب بمشاعرها، بل لم يكن قصْدي إحْراجها أو الإخْتفاء، بقدْر ما كنت أُداريها و أنا في دارِها "(أي المكتب)" لا غير..
إنتهى اللّقاء، على ما كان يبدو، بدون أمَل في لقاء آخر، بعدما ٱنْصرفتُ قصْد إحْضار وثيقة كانت تنقصني في الملف، فلما هاتفتُها من منزلي، مرّة و عدّة مرات، لم تكن الأستاذة لتُجيبني، لا أدري ربما للحرج الذي وقعت فيه، عندما تفاجئت بأنها تتكلّم بنبْرة عنْصرية، مع زميل لها في المهنة..
لم يكن بُدّ بعد الذي حصل، إلاّ أن قلتُ ملْء صدري، و بيْني و بين نفسي : ربّما كان "لصندوق المِنح العائلية"، أن يكون في مغرب فجْر الإستقلال، على غِرار "صندوق الضّمان الإجتماعي"، لو لم يرافق المهدي، رجال الإستخبارات الفرنسية، و يخْتفي له الأثر فوق التراب الوطني الفرنسي، فبِتْنا بالتالي لا نعرف له صندوقا و لا قبْرا..
عموما قد يقع فعل ما، مدْفوع بدافع سياسي، ضد مصلحة سياسية عامّة للدولة أو حقوقها الدستورية، و هذا الفعل إن لم يكن "جريمة السياسية"، فهو قتْل للعقل و إجْهاض لإرادة البناء..
و حيث أنّ البكاء على الأمْوات، قد يُخْلِفنا خطْوتيْن للوراء، فإنّ "الدينامو" لو كان حيّاً يُرزق، لقال بلسان حاله : الخُطوة للأمام تسْتوْجب التّطلّع للأمام.
د. سمير عزو
الهوامش :
(1) أنظر مقالنا "دارِهم ما دُمتَ في دارِهم و ٱرْضِهم ما دمتَ في أرْضهم"، جريدة وجدةستي، 12 نونبر 2007.
(2) كان المهدي أحد مؤسّسي حزب الاستقلال، إعتقلته سلطات الإحتلال عام 1951 و تمّ نفْيه إلى الصحراء المغربية و لم يفْرج عنه إلا عام 1954.
بعد الإستقلال إختار موقع المعارضة، و أٱنتقد الوضع عبر "جريدة التّحرير".
لكن ٱتّهمت قيادات من حزبه الأول (الإستقلال) و الثاني (الإتحاد الوطني للقوات الشعبية)، بمحاولة الإسْتفراد بالحياة السياسية، عبر تكْريس حكم الحزب الواحد، فتمّ ٱعتقالهم..
(3) تمّ إبرام ٱتفاقية مع بيرلي، من أجل إنشاء وحدات صناعية من أجل تركيب و صناعة الشاحنات. إضافة إلى إنشاء محطة تكرير النفط "لاسامير" بالمحمدية، بشراكة مع إيران، و المركّب الكيماوي بأسفي، و كذلك ٱتفاقية لابورليي، من أجل تركيب الجرّارات و صناعتها، كما تمّ إبرام ٱتفاقية جنرال طاير، من أجل إنشاء وحدة صناعة العجلات.
يُشار إلى أنّه بإسقاط الحكومة تراجعت الدولة المغربية، عن كل هذه الإتّفاقيات التي أبرمتها مع الإتحاد السوڤياتي سابقا.
#سمير_عزو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟