أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت فوزى - الرجل الذى لا يعرفنى















المزيد.....

الرجل الذى لا يعرفنى


صفوت فوزى

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


ميدان يعج بالخلق رائحين وغادين . تمثال رخامى لرجل مشدود القامة يشير بأصبعه جهة الشرق . لا أحد يلتفت إليه وسط ضجيج المارة والسيارات التى تمرق مسرعة . أمضى مشتت الذهن كأن على قلبى حجر . أسحب جسدى متوخيا الحذر فى السير .اصطدم بالمارة الذين يتحركون وعيونهم تائهة ، معلقة فى البعيد . أتعثر فى بلاطات الرصيف القلقة غير المستوية . امرأة عجوز متشحة بردائها الأسود تقعى بجوار الرصيف ، تمد يدها للعابرين تطلب الاحسان . هى لا تستجدى أحدا بكلمات الشحاذين المعتادة ، ولا تمطرك بوابل من الدعوات وأنت تمر بجوارها . فقط ترسل نظرة متوسلة متساءلة من وجه يسيل مداهنة . يصفعنى الصخب والأصوات التى تندلق مختلطة زاعقة ، أبواق السيارات ، الدخان والغبار ،وأنات أناس أعرفهم وآخرين لا أعرفهم تمرق من أذنى . يطاردنى خوف غامض ، ورغبة عارمة فى الإمساك بتلابيب زمن يتسرب من بين يدىّ ، حنين لشمس كانت رائقة وطيور كانت تصدح وتحلق فى حرية .
فى حديقة منسية ، تتمدد غافية فى حضن النهر العجوز ، تتناثر فى طرقاتها ذرات تراب ناعم دقيق ، تتساقط من أشجارها أوراق صفراء يابسة ، تدوسها أقدام العابرين فتصدر خشخشة واهنة كأنين مكتوم ، والهواء له فى الفم طعم الملح . على مقعد حجرى منعزل جلست ، تنهش رأسى الأفكار ، ومرارة فى القلب راكزة . للريح القادمة من بعيد صوت استغاثة ، وللتراب رائحة الموت ، وأنا أحاول العثور على طمأنينة تعيد لروحى السكينة والهدوء . على الطرف الآخر من المقعد ، شيخ له ذقن نابتة بيضاء ، قابع وحده يطلق بين الحين والحين آهة متألمة . يطيل النظر فيما حوله ويحملق كمن يحاول جاهدا أن يتذكر شيئا غالياً ضاع منه . محنيا راسه إلى الأمام ورعشة خفيفة فى يده كان يدندن بصوت خفيض ، لكنه مختلط بمساحة من الحزن تصل قلبى . عندما توقف شعرت أنه تعيس . نظرت فى عينيه وكانتا مليىئتين بالأسى . التفت إلىّ ، يتفرس فى ملامحى ويمعن التفكير . بدا عليه الارتباك والقلق ، وأن ثمة حمل ثقيل يجثم على صدره ، وأنه بحاجة ماسة لأن يفضفض لأحد . مال علىّ هامسا : الحياة مؤلمة ياصاحبى . مهزلة موجعة وطريق ملىء بالأشواك ، وما نحن سوى ثيران بائسة مغماة عيونها ، تدور فى سواقى لا ترحم ولا تدر ماءً ولا مالاً . نأتى من المجهول ، ويُقذَف بنا فى دوامة لا تنتهى ، نصارع فقط من أجل البقاء . أنظر إليه بشعره الأشيب وسنينه التعبة تعرّش على تجاعيد وجهه . تنفتح الجروح التى لم تندمل يوماً . رياح المساء تدفع إلى قلبى الحنين . بتعاطف صادق قلت له : تكلم ياصديقى ، لا بأس ، كلنا متعَبون ومنهكون ، كلى آذان صاغية . شفتاه المذمومتان استراحتا فى شبه ابتسامة ، وانفرجت أساريره قليلاً ، فبدا وجهه رائق العتامة شفاف الكدر وانسابت كلماته . حدثنى عن الوحدة والضجر ، وبرد الشتاء ، وغياب الرفيق ، افتقاد الدفء والونس . هبّت الريح فتمايلت لها الأغصان . يشدنى الماضى ، وتنفضنى الذكريات ، ينفتح باب صغير تتقاطر منه الأحزان وتنتشرفى قلبى كنقطة حبر فى كوب ماء . تغيم ملامح وجهه ، ويمعن فى الغياب ،وكأنه يحادث نفسه . قال : تزوجنا عن حب ، وانتظرنا طويلا أن يثمر حبنا عن طفل أو طفلة تملا علينا البيت . كان هذا هو أملنا الذى بتنا نعيش من أجله . نحدث الله كثيرا عن رغبتنا التى يشتعل بها قلبانا ويتلظى . تعشش الهموم السوداء والمخاوف فى رأسى المضطرب ويحاصرنى الملل . كانت العتمة ، وكان المطر ، وكانت الصرخة الأولى التى اهتز لها كيانى وأضاءت ظلمات أيامى . تأخر مجيئها كثيراً ، لكنها حين جاءت ، عوضتنا عن السنين التى أكلها الجراد . أفرش تحت أقدامها سجاجيد لهفتى وفرحى بها . امتلأ بيتنا بهجة وفرحة وصياحاً كسر الصمت الرتيب الذى كان يلقى بظلاله على كل شيء . تحلو الحياة ويزهر وردها وأنا أراها تكبر أمام ناظرىّ . اتضرع إلى الله أن يمد فى عمرى حتى أراها فتاة ناضجة . نحوطها بجناحينا ، نتبادل أرغفة الخبز بمحبة ، نتنفس الطمأنينة والراحة ، يجمعنا دفء البيت الصغير ، ندحرج ثرثراتنا فى شوارع المدينة التى احتضنت خطانا زمنا ، وفى مساءاتها التى تموج بالحنين ، يزهر صوت الحكايا ، يشفق علينا قمر معلّق فى السماء . أتعارك مع الحياة حيناً ، وأحياناً أخرى أتحايل عليها ، ألملم آمالى بين أصابعى وأخبئها بين القلب والخاصرة . أطمع أكثر فأتمنى أن أراها عروسا بجوار من يحبه قلبها . يا الله كم هى قاسية هذه الحياة . تعطينا كل شيء وتحرمنا من شيء واحد أو أكثر فنقضى أعمارنا نبحث عنه ، لنجده فيعيد إلينا توازننا المفقود ، أو نفقده طول العمر فنعيش فى متاهة لا تنقضى . المشاعر التى تغدقها عليّ ، كطلاوة ندى الصباح الطهور ، والفرحة التى تشكّل ملامح وجهها الصبوح ، وهى تخبرنى أن شاباً تحبه ويحبها يريد أن يتقدم لها . أن تحنو عليك الأيام وتعطيك سؤل قلبك ، ذلك هو الأمل الذى تمسكت بهدب ثوبه ولم أرخه قط . رقيقة كفراشة ملونة ، ساحرة كحلم بديع كانت تغادرنى وأنا أتمنى لها كل السعادة .
فى ركن بعيد ، وريح باردة تعبر ، كانت القطط تتعارك وتخمش أجسامها بضراوة ، وعصافير صغيرة تفر مذعورة . تزحف العتمة شيئاً فشيىئاً ، تتسلل الظلمة من حيث لا تعلم ، ثم تتمدد وتتسع ، وأنا يصلنى صوت أنفاسه ، وأبجل صمته وشروده . عاد للحديث بصوت متهدج ، يبذل مجهوداً كبيراً وجسده كله يرتعش ، قائلاً : ما أروع الحياة حين تعطى ، وما أقساها حين تغدر بك وتسلبك روحك ، تلقى بك على قارعة الطريق تموت ببطء . تنقبض ملامحه التى صارت كورقة مطوية ، وصدره يعلو ويهبط . كنا قد أعددنا كل شيء لزفافها ولم يتبقَ سوى شهرين لتنتقل إلى بيتها الجديد حين اكتشفنا مرضها اللعين . غطت صفحة السماء سحابة من الغربان ، واحتجبت الشمس من خلفها . قلبى مشتعل باللوعة والحنين ، محكوم بالمواقيت ، مجلود بعذاب الانتظار ، أتابع بقلب مجروح جلسات علاجها تدمى قلبى . هذا الحزن الذى يمس القلب والعقل ، لا يستقر ، لا يهدأ ، يهاجم فى كل مكان ، فى كل وقت . هذا الحزن الذى يمس الروح لا يكف عن النمو ، يتضخم ، ولا يخبو أبدأً . هتفت نحوه فما سمعنى ، صرخت فما أدار بصره . ورأيتها تخرج فى ليل ترتدى ثوب زفافها الأبيض ، تصعد فوق السطح ، تصهل كفرسة برية وتغادر ، ورأيتها تهدل فوق رأسى كيمامة وتحلق بعيداً .
طارت عصافير البهجة من بيتنا الصغير ، حط الحزن رحاله وبرك ، صار الضيف الدائم على المائدة والمستمع الصامت الجهوم لكل حديث . مازالت غرفتها تحمل آثار شقاوتها وصخبها ، بعض من لعبها القديمة ، سريرها ومكتبها ، رائحة أنوثتها ودلالها . امرأتى كانت خوافة ، تُرى هل خافت زوجتى عندما أخذ ملك الموت ابنتها ؟ . لم تتحمل فراقها ورحلت بعدها بشهرين . هى لن تفزع بعد اليوم حين يدق المطر على النافذة ، أو ينقطع تيار الكهرباء ، أو ترتفع درجة حرارة ابنتنا ، ولكن أنا يقتلنى الحنين ، وتضنينى الأسئلة ولا من مجيب . كان يبكى بصوت مسموع ونشيج مليء بحسرة العمر المنقضى ، وانا أربت على ظهره الذى زاد انحناؤه ، وساد سكون فادح .
الليل يفترش الطرقات ، ظلال مستقرة فى الزوايا والدروب ، نجوم قليلة شاحبة ، وزرقة داكنة ، وأنا أعود منهكا إلى المنزل الخاوى . غرد طائر فى الليل ، كان صوته حزينا مثل قلبى . ينفتح باب الشقة ، يندفع تيار من النور الأبيض القوى شاقا كثافة الظلمة . يصلنى مواء قطط تلمع عيونها الفسفورية فى الظلام ، ومن بعيد كان كلب يطلق عواءً ناحباً ممطوطاً يرتد صداه من أماكن متعددة . بمحاذاة الباب طُرقة ممتدة ، على الحائط مرآة كبيرة وقديمة ، والبيت يكفنه الصمت والسكون . أنظر فى المرآة ، وجه لا لون له ، أو شمعى باهت . أدقق النظر ، أغوص فى التفاصيل ، بكفى أمسح الوجه الماثل أمامى كمن يحاول أن يمحو تجاعيد الزمن التى داهمت وجهى وروحى . راعنى شكلى وشعرى المهوش وعينىّ المحمرتين . أمعن النظر أكثر فى الوجه الذى يطالعنى فى المرآة . كان يشبه رجل الحديقة الذى لا يعرفنى حد التطابق .
----------------------



#صفوت_فوزى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوق الرجال
- عن صديقى الذى مات، وهو يسب
- وجه أبى
- سريرها الفارغ
- ترنيمة للراحلين
- الذى يأتى ، ولا يأتى
- عتبات الحياة
- بصقة فى وجه العالم
- وكان مساء
- لما أنت ناوى تغيب على طول
- انتظار
- طائر فى الملكوت
- الذين مروا من هنا
- للموتى أجنحة بيضاء
- سفر
- والصبح إذا تنفس
- يوم آخر
- أم الغريب
- تخطى العتبة
- الآن أبصر


المزيد.....




- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد
- محمد فوزي.. ستة عقود على رحيل رائد التجديد الموسيقي وصانع به ...
- إيدي راما.. فنان تشكيلي يرأس ألبانيا
- باللغة التركية.. محمد صلاح يوجه رسالة -مبطنة- لرئيس فريق بشك ...
- 40 كاميرا وتقنيات سينمائية.. كيف سيشاهد العالم كلاسيكو برشلو ...
- الجزء الثاني من -ديرتي دانسينغ- يكرّم باتريك سويزي من دون إع ...
- شفيدكوي: الثقافة وسيلة لتخفيف التوتر في العلاقات الدولية
- -ولادة الإمبراطورية-.. معركة بولتافا على شاشة السينما الروسي ...
- -أنا رجل روسي-.. شامان يطلق أغنية عن الحرية الداخلية وتقبّل ...
- اليوم العالمي للطهاة.. مهنة تجمع الفن والابتكار والتراث الغذ ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت فوزى - الرجل الذى لا يعرفنى