صفوت فوزى
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 02:54
المحور:
الادب والفن
تبزغ الشمس ، تنفض عنها وسن الليل ، تشق خيوطها الواهنة فتور الصباح الوليد . على فيض الكريم خرج يحمل عدته ، المطرقة الكبيرة ، مجموعة من المطارق مختلفة الأحجام ، ومجموعة من المسامير الكبيرة مستديرة مستدقة ومبططة مسنونة الحواف . فى الميدان الوسيع يتجمعون فى انتظار سيارة أو عابر سبيل يطلبهم للعمل . وجوههم منحوتة ، منبعجة ومضغوطة ، جففتها القسوة شققها العرق وخط فيها أخاديد لاتمحى . يتبادلون السجائر الرخيصة والطعام الرخيص . يسخرون من قسوة العيش بالنكات البذيئة والضحكات الخشنة . يتبادلون أخبارهم غير السارة بحسرة بادية وضحك مكتوم . يتبارون فى التذمر من حياة ليس فيها مايسر . يتطلعون إلى الأفق آملين أن تظهر سيارة تطلب رجالا للعمل . لم تكن السيارة بالنسبة لهم مجرد وسيلة ستأخذهم لمزيد من الشقاء والكدح والمعاناة لقاء جنيهات معدودة ، بل كانت يد ممدودة بالرزق لطالما حلموا بها فى الصحو والمنام . هى طوق نجاة يلقى إليهم فى مواجهة الفقر والجوع وشظف العيش .
من مدخل الميدان تهل ، يتدافع الجميع صوبها فى هجوم مباغت ، متقافزين يخوضون فى بعضهم البعض . يصطدمون ببعض فتنطلق الشتائم والسباب بألفاظ نابية خشنة كأيديهم المشققة وحياتهم الجافة ، وتعلو الضحكات الساخرة . توقفت السيارة وهى تنوء بحملها من الأجساد المتراكمة عليها والمتدافعة فيما بينها ، وضحكات قلقة مترقبة مشحونة بالريبة تتساءل من سيبقى ويكتب له الرزق ، ومن سيغادر ليعود أدراجه إلى جلسته على الرصيف .
ينزل صاحب السيارة ، رجل أربعينى ، حنطى البشرة داكنها ، له شارب كث يشبه مخرطة الملوخية ، يرتدى جلبابا بلديا نظيفا ، فى يده مسبحة من الكهرمان ، حذاؤه متألق ويشع من اللمعان ، يتلفع بكوفية لامعة حول عنقه المكتنز الذى يضج بالصحة . صوت باب السيارة وهو يصفق ألزم الجميع بالصمت المتوجس . بنظرة فاحصة عارفة ماتريد ينتقى الرجل من بينهم الأقوى بنية والأكثر شبابا وفتوة ، ويأمر الباقين بمغادرة السيارة . تترجل أغلب الكومة البشرية التى اعتلت سطح السيارة ، تغادر سيارة النقل بالمحظوظين الذين تم اختيارهم ، ويعود الباقين – وهو منهم – ليفترشوا الرصيف فى الميدان الوسيع ، فى ذبول وخيبة أمل . على مدار ماتبقى من ساعات النهار ، تظل عيونهم شاخصة معلقة تحدق فى الأرجاء فى انتظار سيارة أخرى قد تأتى أو لا تأتى . يتراصون بجوار بعضهم البعض – زرافات ووحدانا – كأنهم حراس بوابات مدينة الشقاء ، تتطلع عيونهم الحائرة إلى الطريق بأمل ضنين .
فى جلسته التى طالت ، غفا قليلا وهو يستند إلى أحد الأعمدة ، يحلم بالفراديس المفقودة ، كجائع يحلم بسوق العيش ، طارده الحلم المزعج . كان يترنح فى الفضاءات السرية من أفكاره المكتومة غير القابلة للبوح ، أسرار لم يدن منها أحد . هل يمكن أن يخذل مرة أخرى ؟ انتفض منزعجا وكأن دبوسا قد وخزه فى إسته . طرد الفكرة بسرعة من رأسه ، وانتفض عائدا إلى بيته مترب الوجه ، يجر قدميه فى طين الحارات ، تزحف عليه اشباح القلق .
فرغ النهار ، نامت الشمس تحت ملاءة رمادية رقيقة . كان يمنى النفس بوجبة دسمة ساخنة ترم عظامه . كان البيت خاويا وليس فيه ما يطبخ . امرأته تجلس وحيدة على حافة السرير ، تضع مرفقيها على ركبتيها ويديها أسفل ذقنها ، يرتسم الهم على ملامح وجهها . أغلق باب الغرفة من الداخل بالمزلاج ، خلع ملابسه ، ينضو عنها ثيابها . ثدياها ناهدان ، شفتان ناعمتان رخوتان مهيئتان لقبلة سخية ، عجيزتها تبدو كالعجين الخمران ، البطن مقبب راسخ قوى ، طعمها الأنثوى ممزوجا برائحة العرق والعطر الرخيص يتسرب إلى خياشيمه . كان جريان دفئها مبهجا وعذبا . تنعكس الظلال على جانب وجهها الرفيع المدبب الأنف ، فتبدو كنقش فرعونى غائر لفلاحة من الفلاحات المنقوشات على حوائط المعابد القديمة . تمتد يدى تقطف من ثمارها الدانية . يمطرها بالقبلات ، يضمها إلى صدره ، وهى تغدق عليه حبا لاحدود له . كانت بحاجة إلى جسده ، إلى الطعنة النجلاء فى صميم تيه مظلم لا قرار له ، إلى التهتك فى الملذات بعد طول كدر . استنامت إلى حرارته . كانت تعلم أنه إذا فاتتها الفرصة هذه المرة أيضا ، فإن الغم سوف يتشبث بتلابيب قلبها طيلة الأسبوع المقبل . ران على عينيها السوداوين نظرة حالمة تتوق لشئ تعلم أنه ليس بمقدوره توفيره لها وهى تستلقى عارية تحت الضوء الباهت ، تتقد صبابة لحياة تزخر بالعشق والهيام ، تميل برأسها إلى الخلف فيتلألأ جيدها تحت الضوء المنبعث من المصباح الذى يتدلى من السقف يتراكم على سلكه افرازات الذباب . كان المصباح يشتعل بشكل هزيل ، كشئ معتل الصحة . يضربها على الكفل برقة ملاطفا وهى تتأوه فى غنج ودلال ناعسة مستكينة . هى من جعلته يدرك أن ملمس المرأة شئ ليس كمثله شئ فى الوجود ، فأين هو من هذا الملمس ، هذا الالتحام ، الذى يعطى للحياة معنى ما ، وضوحا ما . صرت أحتضن وأقبل وأعبث بيدى فى كل مكان . هى الأخرى صارت تفعل ذلك بكل حماسة ، لكنها كانت كمن ينفخ فى نار مطفأة . أنشد قليلا لدقائق معدودة وسرعان ما ينقطع الحبل . احتويها بين ذراعى ، فتضمنى إلى صدرها بقوة هامسة بصوت مبحوح : حاول أن تنهض .
ثمة أغنية كانت تنساب من راديو الجيران وتتناهى إلى سمعه . صوت دافئ عذب لامرأة يكاد يطغى على اللحن الموسيقى ، وهو يحاول شحن طاقته من جديد . خذله الذى لايسمى ، خاب أداؤه فى الفراش ولم يكن راضيا عنه ، وقف فى منتصف الطريق فلا هو أكمل مسيرته ولا هو لم يقم من أساسه . تتلاشى قوته كما يتلاشي الضوء عندما ينعدم الزيت فى المصباح . بلل شفتيه بريقه وتنحنح استعدادا لقول أى شيء، ولكن فمه بقى مغلقا جافا واستغلقت عليه الأفكار والكلمات . كان يتفصد عرقا ، مصابا بالأرق يلعق شفتيه فى لهاث وقد تحجر حلقه من الانتظار ، والهواجس لاتنى تهاجم رأسه المتعب . قبضة خانقة غير مرئية تطبق على عنقه وتسد درب الهواء إلى فضائه الداخلى ، يزفر طويلا ، يتنهد عميقا ، يخلص حلقه من غصة تكورت فى مجراه فتخلفها غصص ويعسر عليه التنفس . بدا كمن يخوض فى بركة موحلة يرتفع الطين فيها حتى الركبتين .
حين أعيته الحيل ، استلقى على قفاه محملقا فى السقف ، وهو يدرك فى كل لحظة – بمرارة فائقة – تلك الأنفاس الثقيلة الصادرة عن المرأة التى تبدو أنها استغرقت فى نوم عميق ، يداها مطويتان متصالبتان على صدرها ، وعيناها مغمضتان . أفزعه وجيب قلبه الذى يتعالى ويتسارع فى جوف الليل . كان مرعوبا لبرهة ، كأنه مسافر أضاع وثائق سفره . تبدت له الدنيا عجوزا ماكرة قاسية لاحد لمكرها وقسوتها . يؤاخى الظلام ، يجتر أحزانه ، ويذوب فى اليأس والقنوط . اعتدل قاعدا ، بصق على الأرض ، وشحن بصاقه بمقدار ما استطاع من الاشمئزاز . فكر من جديد : لماذا تعطينا الحياة قفاها دائما ؟ ومتى تصفو من شوائب الكدر ؟ هل من الممكن الآن عبور وادى الصمت القائم بينه وبين هذه المرأة التعسة ؟
مازار الكرى جفنيه . خاط العجز شفتيه . بقى مستلقيا فى سريره يراقب متوترا سلسلة لا نهاية لها من الصور تندفع من ذهنه المحموم ، لعل نور الصباح يجد له مخرجا .
#صفوت_فوزى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟