أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - عودة الوعي المصري في 1919














المزيد.....

عودة الوعي المصري في 1919


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 14:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"كنا نعيش في غيبوبة، لم نكن نرى الأشياء على حقيقتها، بل كنا نراها كما يريد لنا الإعلام أن نراها. لقد سُلب منا الوعي، ولم نفق من هذه الغيبوبة إلا على وقع كارثة 1967."
توفيق الحكيم، من كتابه "عودة الوعي".

قلت، وأجدد القول، أن النظام السياسي المصري القائم منذ الملك مينا حتى محمد علي قد بقي على حالته الهرمية التي تنتهي جميع خيوطها بيد رجل واحد. هذا النظام لم ولا يقتصر على مصر وحدها، بل هو شائع وسائد بين الدول كافة على مر التاريخ وحتى الزمن الحاضر. هو يتميز بخاصية أساسية هي التقليد لممارسة شائعة، واقع معيشي من كثرة ألفته وتكراره اعتاد عليه الناس ولم يعد يبعث فيهم أي دهشة أو استغراب أو مسائلة، مثل حقيقة شروق وغروب الشمس. هكذا قد حسبته الشعوب حقيقة طبيعية وسنة كونية وتناقلته وقلدت فيه بعضها البعض من جيل لآخر على مدار آلاف السنين. لكن هذا التقليد السياسي مأخوذ بدوره عن تقليد آخر ترعرع واعتاد عليه الناس هو العلاقة الاجتماعية بين الأب وأبنائه.

في هذه العلاقة، قد يحسب الشخص ابنه ملكاً له، يخصه وينتمي له وحده، لمجرد أن هذا الابن قد جاء إلى الدنيا من صلبه وسيحمل اسمه ولقبه مدى الحياة. هذا البدائي يحسب ابنه مجرد امتداداً، ذرية، له وليس كائناً آخر له كينونة وذاتية منفصلة حتى لو أتى من صلبه وسيرثه ويكون امتداداً له. هذه الاستقلالية الذاتية المنفصلة حال تفعيلها تعتبر، في نظر الأب، خيانة لواجب الأبوة. كأن لسان حال مثل هذا الأب يقول لابنه دوماً ’بقى أنت يا حتة شخة نزلت مني على فراش الزوجية، تقوم تيجي النهاردة صوتك يعلي وتعمل راجل وتقف قدامي تعارضني!‘ مثل هذا الأب، في الحقيقة، يسيء استغلال علاقة الأبوة بتحميلها أكثر مما تحتمل. لأن هذه العلاقة، كما في كافة الكائنات الحية باستثناء الإنسان، تنتهي طبيعياً فور البلوغ وقدرة الأبناء على تدبر إطعام وحماية أنفسهم والاجتماع بالجنس الآخر وإقامة علاقة أبوة جديدة تخصهم. أكثر من ذلك، هذا الأب يخلط حقيقة اجتماعية ويحسبها طبيعية. في الطبيعة، كما بقي يعيش البشر مئات آلاف السنين قبل التاريخ، لا يوجد ما يسمى عائلة ولا أب ولا أم ولا أبناء. هذه كلها مخلوقات اجتماعية من صنع البشر أنفسهم لا الطبيعة. قبل ابتكار اللغة، كان هناك فقط بشر من دون أسماء ولا صفات، أجساد من لحم ودم وعظام تمشي على الأرض وتتدبر أكلها وشربها وتكاثرها وحماية أنفسها وصغارها تماماً كما تفعل ممالك الحيوانات كافة إلى يومنا الحالي، تحيا وتتكاثر وترضع وترعى صغارها من دون حاجة إلى مخلوقات اجتماعية مثل عائلة أو قبيلة أو دولة أو خلافه، وحيث يتنافس الذكور على الظفر بمفاتن الإناث حتى لو قتل الابن أباه لكي يظفر بأمه.

طوال التاريخ المصري، ظل الحكام يحسبون الدولة بمواردها وساكنيها ملكاً لهم. كما يحسب الأب ابنه الذي من صلبه ملكاً وامتداداً له وحده، لأنه لولا الأب ما كان لابنه وجود أصلاً، كذلك يحسب الحاكم وجود الدولة مستمد من وجوده هو ذاته ولولاه ما وجدت الدولة. هو الذي قد أوجدها بقوة جيشه وهو الذي يحفظها ويرعاها وتنمو وتكبر في عهدته وبين أحضانه مثلما يفعل الأب مع عياله. لكنه في الحقيقة لم يوجد الدولة مثلما يوجد الأب ابنه عبر الإنجاب. الدولة موجودة وقائمة بالفعل قبل ربما آلاف السنين من وجوده نفسه. كل ما في الأمر أنه قد استولى بالقوة على الدولة من غيره، أزاح نظامها الحاكم واستبدله بنظام يخصه هو، ينتمي إليه هو، ودائماً يحمل لقبه هو. طوال نحو 5000 سنة متصلة لم يستغرب المصريون يوماً هذه العلاقة بينهم وبين أنظمة حكمهم المتواترة، ببساطة لأنهم أنفسهم قد تربوا وتقلبوا على أدوارها بين الابن والأب. هم معتادون بحكم تنشئتهم الاجتماعية على أن الحماية والرعاية التي يوفرها الأب لعياله تستوجب منهم طاعته. لذلك لا غرابة في أن يطيعوا الحكام وأولي الأمر طالما أوفوا معهم دور الأب المعتادون عليه من صغرهم. من هذا التقليد الاجتماعي البدائي تشكل ما أسميه التنظيم السياسي التقليدي، تلك الهرمية التي تنتهي جميع خيوطها بيد رجل واحد يلعب دور الأب الحامي العطوف في مقابل شعب بأكمله لا يجدون عيباً ولا انتقاصاً من كرامتهم أن يكونوا خدماً وعبيداً له طالما سيشملهم بعطفه وحمايته ونعمته. أليس هذا هو واجب الصغار تجاه أبيهم، أو ’كبيرهم‘ بالمغزى السياسي؟ هذه الغيبوبة لم يفق منها المصريون إلا في عام 1919. ساعتها اكتشفوا أن العلاقة السياسية ليست علاقة أبوة، وأنهم لم يعودوا صغاراً بعد.

لابد أن المصريين في عصور ما قبل الدولة كانوا يعيشون مثل القبائل التترية والمغولية والعربية التي ستضع في يوم ما نهاية للدولة الفرعونية العريقة، مشتتين عبر جغرافيتهم لكنهم في الوقت نفسه أحراراً غيورين على استقلاليتهم ويأبون الخضوع لغير شيوخ قبيلتهم حتى لو كان الثمن اقتتالاً لا ينتهي فيما بينهم. لكن الدولة ترتقي بالبشر من المنزلة البدائية الهمجية الأقرب إلى عيشة الحيوانات إلى عيشة مدنية متحضرة. وحتى تستقر الدولة ويستتب أمنها الداخلي، لابد من استئناس هؤلاء البشر الهمجيين في السابق حتى يستطيعون تحمل العيش المشترك مع أفراد وعائلات تنتمي إلى قبائل كانت عدوة لهم في السابق. عملية الاستئناس تلك تجري بالقوة، مثل صهر الحديد بالنار لكي نصنع منه أشكالاً جديدة. هذه القوة القاهرة تصهر القبائل الأعداء في السابق وتصبها في سبيكة الدولة الصلبة. ومن هذه الولادة العسيرة والدموية، ينتج إنسان يشبه الحيوانات المنزلية المستأنسة، طالما تعلفها وتحسن رعايتها لن تسمع لها صوتاً حتى لو كنت تسمنها لأغراضك الخاصة أو حتى ستذبحها في نهاية المطاف. في 1919، استفاق المصريون أخيراً من غيبوبة استئناسهم السياسي الممتد آلاف السنين وحاولوا الخروج من الحظيرة.



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثورة تبدأ في الوعي والإدراك
- في التفرقة بين الدولة التقليدية والحديثة
- الفرق بيننا وبينهم في الكراهية والعنف
- هجوم أفلاطون على المجتمع المفتوح
- عودة إلى الحماية الأجنبية بعد 67
- الجمالية والكمالية والطوباوية
- الملك الفيلسوف
- تجميل الهزيمة
- الفساد الناصري
- مبدأ القيادة
- العدالة الشمولية
- الطبيعة والتقليد
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
- نظرية أفلاطون عن الأشكال أو الأفكار
- هيراقليطس
- سحر أفلاطون
- المجتمع المفتوح وأعداؤه
- ضد الاستبداد وأعوانه
- هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
- هل الله ذَكَر؟


المزيد.....




- النص الكامل لنداء محمد بن راشد لأبناء الخليج
- أحدث ظهور للزعيم الكوري الشمالي بعد مزاعم -النزيف الدماغي وا ...
- القوات الجوية الأمركية تطلب تمويلا لتعويض تأخرها عن روسيا في ...
- مباشر - فرنسا: حظر تجول ليلي يدخل حيز التنفيذ في عدة مدن بين ...
- بيونغيانغ تهدد بنشر مزيد من الأسلحة واستئناف الدعاية ضد سول ...
- أزمة أوكرانيا.. تصعيد في الانتقادات بين ترامب وزيلينسكي
- بعد تراجع المساعدات..  مخاوف جديدة تؤرق عائلات غزة
- عراقجي: التعاون بين طهران وموسكو في أعلى مستوياته التاريخية ...
- العثور على أكثر من 100 بكتيريا غير معروفة للعلم في التربة ال ...
- من ويتشيتا إلى باريس.. ترامب يرسم -سيناريو الكابوس- ويحذر ال ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - عودة الوعي المصري في 1919