أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير محمد ايوب - خنجر من عطر لا يموت !!!














المزيد.....

خنجر من عطر لا يموت !!!


سمير محمد ايوب

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 19:48
المحور: الادب والفن
    


يقولون إن العطور تُنسى، وأنا أقول إن العطور هي التي لا تنسى أبداً.هناك عطور تمر عليك كنسمة، تشمها وتقول "جميل" وتمضي. وهناك عطر واحد، واحد فقط، يصبح هو الذاكرة نفسها. لا يزور أنفك، يزور روحك.
كان عطرها.لم يكن عطراً اشترته من سوق. كان خليطاً عجيباً من رائحتها هي، من صابونها، من شالها الصوفي، من شعرها حين تخرج من الحمام، ومن زهر الياسمين التونسي، كانت تضعها دائماً في حقيبتها دون سبب. إذا مرت من مكان، لا يحتاج أن يلتفت ليراها، كان يعرف أنها مرت، لأن الهواء بعدها يصبح مختلفاً.
ثم ودعها. لم يودعها لأنه لم يعد يحبها، بل ودعها لأن الحب أحياناً يكون أكبر من أن يستمر. ودعها كما يودع المرء وطنه، وهو يعلم أنه لن يعود. صافحها، أو بالأحرى لم يصافحها، خاف إن لمس يدها ألا يتركها. قال لها "الله معك"، وهي قالت "الله يحفظك"، ومشى كل منهما في طريق.
صارت ذكرى. صورة في إطار قديم، ورسالة مطوية في درج، واسم لا يجرؤ أن ينادي به بصوت عالٍ أمام أحد. وظن أنه نسي. وتزوج، وكبر، وشاخ، وصار له أولاد وأحفاد، وصارت حياته مليئة بأشياء أخرى. ظن أن القلب مثل البيت، إذا أخرجت منه أثاثاً قديماً، تنسى شكله. حتى جاءت تلك الليلة.
ليلة شتاء باردة في عمان. كان المطر ينقر على الشبابيك كأصابع حزينة، وكان البرد يدخل من تحت الأبواب. دخل إلى مقهى صغير في شارع المدينة المنورة في عمان، ليدفأ، مقهى لا يعرفه ولا يعرفه أحد فيه. جلس في الزاوية، طلب شاياً بالنعناع، وأخرج جريدته. ثم فُتِح الباب، ودخلت امرأة لا يعرفها.امرأة في الأربعين، لا تشبهها، لا وجهها ولا مشيتها ولا عمرها. مرت بجانبه مسرعة، تبحث عن طاولة فارغة، ومعطفها المبلل بالمطر لامس كتفه للحظة. وفي تلك اللحظة... عاد كل شيء!
ليس عطر المرأة التي دخلت، بل عطرها هي، الياسمين التونسي. نفس العطر. نفس الخلطة المستحيلة التي ظن أنها ماتت معها منذ أربعين سنة. نفس الوردة المخبأة في الحقيبة، نفس الصابون، نفس الدفء. تجمد الدم في عروقه.
رفع رأسه ببطء، وقلبه يضرب كشاب ابن عشرين. نظر إلى المرأة الغريبة التي جلست بعيداً، تنفض المطر عن معطفها. هي لا تعرف شيئاً. هي اشترت هذا العطر أمس من محل في شارع الجاردنز في عمان، لأن رائحته أعجبتها. هي لا تعلم أنها تحمل على معطفها جنازة رجل عجوز، وحياة رجل شاب في نفس اللحظة.
أراد أن يتوكأ على عكازته ليقوم، ليقول لها: "أستحلفك بالله، من أين لك هذا العطر؟" وأراد أن يسألها: "هل تعرفين أنك أيقظت في قلبي امرأة، كنت قد دفنتها في تونس الخضراء منذ أربعين سنة؟"، لكنه لم يفعل.
بقي جالساً، والشاي يبرد أمامه، والعطر يملأ المقهى الصغير. وأغمض عينيه. فرآها، رآها كما كانت، عشرينية، تضحك، وشالها الصوفي الأحمر حول عنقها، وتقول له: "إذا نسيتني، سيذكرك عطري بي، ولن تستطيع الهرب". كان يضحك ويقول: "لن أنساك". وقد نسي، أو ظن أنه نسي.
اكتشف في تلك الليلة حقيقة موجعة وجميلة في آن واحد: نحن لا نودع النساء اللواتي أحببناهن حقاً. نحن نودع أجسادهن، نودع أصواتهن، نودع إمكانية أن نكون معهن. لكن عطورهن، عطورهن لا تودعنا أبداً. تبقى كامنة، كجمرة تحت الرماد، تنتظر ليلة شتاء باردة، ومعطف امرأة غريبة، لتشتعل مرة أخرى.
العطور الصعبة لا تسكن القوارير، بل تسكن القلب. وعطر امرأة ودَّعتَها وصارت ذكرى، هو أصعب عطر، لأنه لا يأتيك حين تطلبه. يأتيك متخفياً، خائناً، جميلاً، على معطف امرأة أخرى لا تعرفها، فيذكرك أنك ما زلت حياً، وما زلت تحب، وما زال في قلبك مكان لم يبرد رغم كل هذا الشتاء القارس.
ثم فتح عينيه، كانت المرأة الغريبة قد خرجت، وأخذت معها العطر. عاد المقهى بارداً مرة أخرى. ابتسم، ودفع ثمن الشاي، وخرج إلى المطر. كان يمشي وحده، لكنه لم يكن وحيداً أبداً. كان عطرها يمشي معه تحت المطر.



#سمير_محمد_ايوب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يمتلك فنجانك؟ - تأملات في الغضب!!!
- لِمَ بَعْدُكَ سهرانٌ؟!
- عبد الله عقروق – أبا عمر، في ذكرى ميلاده التسعين
- وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق لن أعود إلى ربي كنودًا
- ها هو الحبُّ يمضي ...
- يا عرب، قرطبه لم تبح بكل اسرارها بعد!!!!
- القهوةُ المالحة
- نظرة على ماضٍ، من باب موارب، من سُباعية يا ابن الرومي لا قوا ...
- استهلالية وتقديم كتاب - تراتيل تل أبيل - للاديب الدكتور هاني ...
- اطلالة على أدب السيده جهاد قراعين
- في حضرة القهوة، تواضعوا ! المرأة وفلسفة القهوة...
- عُدْ يا سَيِّدي الفادي، فقد ضَلَّتِ جُلُّ الخِراف! إضاءة إيم ...
- نظرة على ما جرى في - مجلس الأمن -،
- أيْنَكُم؟! وإلى أين؟!!! إضاءة على المشهد في فلسطين!!!
- للمرة الثالثة والثمانين، يعود تموز!!!
- الصاروخ الايراني الفرط صوتي
- للنازفين كرامتهم وجدارتهم في الحياة! إضاءة على المشهد العام.
- رسالة ، لكل متصدر لصف امامي عام : التغيير حاجة وضرورة البدء ...
- أيها المسافر وحدك ...
- ما تقول الاخبار، وما الجديد فيما تقول؟! إضاءة على المشاهد في ...


المزيد.....




- قصيدة لبوشكين تصل إلى القطب الشمالي بصوت فرقة بشكيرية تنافس ...
- فرقة الدراما والمسرح ببستان سلوان تصل فرنسا
- صلابة الخيزران وتجذر الزيتون: كيف تسند الدبلوماسية الثقافية ...
- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...
- الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-. ...
- «بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان ...
- وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن ...
- انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير محمد ايوب - خنجر من عطر لا يموت !!!