أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير محمد ايوب - وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق لن أعود إلى ربي كنودًا














المزيد.....

وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق لن أعود إلى ربي كنودًا


سمير محمد ايوب

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 04:47
المحور: الادب والفن
    


كتب: سمير محمد أيوب

وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق
لن أعود إلى ربي كنودًا

ذاتَ تموزٍ مُمعنٍ في البُعد، أودعتني أمي ضيفًا على دنيا وادي النسناس في حيفا. ومنذ ذلك التموز، حَبَوْتُ، ثم مشيتُ، فهرولتُ في دروب الحياة ومنعطفاتها، في رحلةٍ شاركني فيها الناس، والأزمنة، والأمكنة. حلمتُ، وتمنيتُ، وفكرتُ، ودبرتُ، وسعيتُ، وأبحرتُ صامتًا... ومن دون صمت.
ارتطمتُ بصخر واقعٍ مثقلٍ بالتحديات والكُلف والمخاوف، واجتزتُ جمرَ ممالكٍ من الملح والقلق، كانت وما تزال لا تلد إلا أختامًا وأعلامًا تختلف في أشكالها، وتتطابق في مضامينها وتبعاتها. ضاق بعضها حتى الاختناق، واتسع بعضها الآخر حتى التورم.
وفي محطات الرحلة، اتكأتُ على أكثر من عصا موسى ودرة عمر، أهشُّ بهما على مفردات حياتي، حتى غدتا امتدادًا لصحةٍ غادر معظمها، وبقي منهما ما يربت على كتفي مطمئنًا: لا تحزن... فنحن معك، وما زالت رفقتك تسعدنا.
ورغم عناد هذا البدن، المثقل بسنن الحياة ونواميسها، والمنكمش قليلًا هنا، وكثيرًا هناك، صحوتُ اليوم، كعادتي، برفقة قلبٍ هش، ومتتالياتٍ من الأدوية، ثم مضيتُ أفتش في زوايا النفس عن تلك التفاصيل الصغيرة التي ما تزال تمنح الحياة معناها: ورقٌ يتهجى الحرف، وفنجان قهوةٍ يشيع دفئًا في الروح، ونسائم فيروز تعبر القلب في هدوء.
غسلتُ تعبي من أفخاخ الأيام الأنيقة، ولذتُ بذلك الطارق في صدري؛ طفلي المشاغب، الذي ما زال يدق ويرتل بعنفوان، ويمشي فوق الجمر ويعانق الجمر.
ولملمتُ دمى طفولةٍ شقية، ورممتُ شتات شبابٍ متمرد، واستعدتُ بهجة كهولةٍ تعرف كيف تبتسم للحياة، وهي تحتضن ذاكرةً لم يأكلها الغياب بعد. وهناك، تعرفتُ من جديد إلى بساطة الأحلام، وتعقيد الأوهام، فأشفقتُ على طيبة النفس وغضبها، وتفهمتُ حماقات حروبها، وتجولتُ في غيبوبات سلمها وظلاله.
وعلى امتداد حياةٍ عامرةٍ بالغيطان والتلال والقيعان، انسابت في القلب طمأنينةٌ جديدة، وانفتحت فيه أبوابٌ واسعة للرضا. فكيف أعود إلى ربي كنودًا؟
ما زلتُ أشرب قهوتي مع من أحب، وأتأمل الذاهبين والعائدين في معارج الحياة ومدارجها. وما زالت لي قدمان أنعم الله بهما عليَّ، وما زال لي أبناءٌ يلدون أبناءً وأحفادًا، وما زالت لي أسرةٌ كبرى... هي أنتم. وما زال لي، في الوطن العربي الكبير، وطنٌ اسمه فلسطين... وسيبقى.
وعرفتُ أن الحب لا يُرزق إلا لقلبٍ سليم، ولا يستقيم إلا بعقلٍ نبيل، ولا يزهر إلا بفكرٍ أنيق، بعيدٍ عن الزيف والنفعية. وبتُّ أعرف متى أتكلم، ومتى أتلعثم، ومتى أصمت بحكمة، ومتى أتوقف، رغم استعجالي، لأنظر في العينين، فأفهم أكثر مما قد تقوله الأسئلة.
وفي زمن الأحلام المخصية، والكرامة المروضة، كبرتُ كسندبادٍ لم تُغرقه البحار، وإن أتعبه السفر، وأرهقته المجاديف المكسورة، والتصدعات الصامتة. ولم أنحنِ لأحد، لكنني تعلمتُ أن الوقوف نفسه قد يكون، أحيانًا، صورةً أخرى من صور الانكسار.
لم أخن المعاني، ولم أقرع طبلًا، وتحررتُ من ملل الوحدة، ومن ضجيج الصمت، وصرتُ أعرف من أنا، وما الذي أتقنه، وما الذي أريده، وما الذي أستطيع أن أمنحه للآخرين. وتعلمتُ، بالصبر الجميل، أن ألامس أحزاني المتحولة، وتلك التي لا تنضب، دون أن أستسلم للاكتئاب. لذلك... لا يليق بي أن أعود إلى ربي كنودًا.
ومن غير اعتراضٍ على القدر، ولا على حتميات الرحيل، أبعث امتناني إلى كل من أهداني يومًا وردة، أو مدَّ لشظايا روحي، ولتيهان نفسي، ولعقد عقلي، ولخيباتي وأوهامي البريئة، ذراعيه بمحبة، لأرى الحياة بألوانها الأجمل. وإلى كل من أنار، رغم رحيل التجربة المشتركة، وحشة خوفي، وبقي شاهدًا على أن ما بيننا يكفي ليظل ملاذًا آمنًا، يمنحنا من الضوء ما يجعلنا نمضي معًا إلى الأمام.
وذات يوم، بعد عقودٍ من النضج، وحب الأماكن الهادئة، والقهوة، والموسيقى العذبة، وصوت الطبيعة، والدفاتر المفتوحة على أسئلتها الأبدية، سأرقى معارج السماء بهدوء، عائدًا إلى حيث ينبغي للروح أن تعود، دون أن أعلم متى سأقول: وداعًا.
أشكر كل من أهداني لحظةً جميلة، وكل من احتمل شيئًا من سوء مزاجي، أو عاتبني بمحبة، أو نبهني إلى خطأٍ دون أن تفسد الود بيننا رياح التغير.
وأعتذر إلى كل من قصرتُ في حقه، أو أخطأتُ بحقه بكلمةٍ أو موقفٍ أو سوء ظن، وإلى كل من احتاجني فلم أكن عند حاجته، وإلى كل من شكا إليَّ فلم أواسه كما ينبغي. التمسوا لغفلتي الأعذار... وسامحوني.
ونحن نمضي في الطريق إلى فلسطين، إلى كل حبة ترابٍ فيها، كما نريد ونحلم، أعدكم أن أبقى منتصب القامة، مرفوع الهامة، وألا أنكسر.
وليت لي من قادم الأيام والليالي متسعًا، لأواصل الاستمتاع بما وعدتُ نفسي به... برفقتكم جميعًا.
الاردن - ٢٠٢٦/٧/٧



#سمير_محمد_ايوب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ها هو الحبُّ يمضي ...
- يا عرب، قرطبه لم تبح بكل اسرارها بعد!!!!
- القهوةُ المالحة
- نظرة على ماضٍ، من باب موارب، من سُباعية يا ابن الرومي لا قوا ...
- استهلالية وتقديم كتاب - تراتيل تل أبيل - للاديب الدكتور هاني ...
- اطلالة على أدب السيده جهاد قراعين
- في حضرة القهوة، تواضعوا ! المرأة وفلسفة القهوة...
- عُدْ يا سَيِّدي الفادي، فقد ضَلَّتِ جُلُّ الخِراف! إضاءة إيم ...
- نظرة على ما جرى في - مجلس الأمن -،
- أيْنَكُم؟! وإلى أين؟!!! إضاءة على المشهد في فلسطين!!!
- للمرة الثالثة والثمانين، يعود تموز!!!
- الصاروخ الايراني الفرط صوتي
- للنازفين كرامتهم وجدارتهم في الحياة! إضاءة على المشهد العام.
- رسالة ، لكل متصدر لصف امامي عام : التغيير حاجة وضرورة البدء ...
- أيها المسافر وحدك ...
- ما تقول الاخبار، وما الجديد فيما تقول؟! إضاءة على المشاهد في ...
- على عجل، لِزْعُلُّطي الواق ...!!! إضاءة على فلسطيننا الحبيبة ...
- هيَّا الق بعصاك او بقبضتك إضاءة على فلسطين
- يا وحدنا، ولكأننا الكل ...
- أيُّ ألأبناءِ أنتْ ؟!!! إضاءاتٌ على المشهدِ الأجتماعي المعاص ...


المزيد.....




- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- همسات من سجل الذكريات ( أزفُ شوقي أزفُ تحياتي إليك)
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...
- حكم قضائي بإدانتها.. وزيرة الثقافة المصرية تتقدم باستقالتها ...
- يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
- لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته ...
- جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير محمد ايوب - وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق لن أعود إلى ربي كنودًا