أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - ناس النصف














المزيد.....

ناس النصف


بشير الحامدي

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 22:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ماذا نقصد بـ«ناس النصف»؟

في معناها المتعارف عليه تشير هذه العبارة إلى مسايرة الناس وحسن معاشرتهم والتعامل معهم بلطف وتواضع وانتقاء الكلام اللين في مخاطبتهم والصبر على أذاهم تفاديًا للفتنة وسعيًا إلى الحفاظ على الودّ وتحقيق الألفة. ذلك هو المعنى التقليدي للمفهوم أو ما يمكن تسميته بمعناه الرسمي.

غير أن هذا المفهوم أخذ اليوم منحًى آخر، حتى باتت مسايرة الناس تعني الخضوع لهم وأصبح حسن المعاملة ضربًا من الرياء وتحول التواضع أمامهم إلى انحناء أمام أشخاص يتوهمون أنهم أصحاب القوة والنفوذ. أما لين الكلام فقد غدا في نظرهم اعترافًا منك بالعجز عن مواجهتهم أو الرد عليهم وكأن المطلوب منك أن تلزم الصمت كلما حضرت مجالسهم.

وحتى الصبر على أذاهم الذي كان يُفترض أن يكون وسيلة لتجنب المفاسد والحفاظ على العلاقات صار يعني التسليم بجهلهم والتغاضي عن حماقاتهم والاقتناع بأنهم أكبر منك شأنًا لا بفعل السن أو الحكمة بل بما يملكونه من أنانية وغرور. والأدهى من ذلك كله أن يتحول الصبر عليهم إلى خوف والتسامح معهم إلى جبن ومراعاة مشاعرهم إلى تنازل دائم عن كرامتك وحقوقك.

لكنني أرى في «ناس النصف» معنى آخر، مختلفًا تمامًا.

إنهم أولئك الذين اعتادوا الصمت ولم يعودوا يكلفون أنفسهم عناء الدفاع عن حقوقهم أو المطالبة بها. تراهم في كل مكان في الأسواق والطرقات يسيرون مطأطئي الرؤوس، وكأن شيئًا في هذا العالم لم يعد قادرًا على تحريك مشاعرهم فلا الظلم يستفزهم ولا الحب يوقظ فيهم شيئًا.

إنهم أولئك الذين يجلسون في الحانات والمقاهي يتباهون بإنجازات لم يحققوها ويتحدثون عن أمجاد لا تخصهم وكأن مجرد الحديث عن الفعل يغني عن القيام به.

وهم أيضًا الذين يهرولون خلف المسؤولين لا إيمانًا بمشاريعهم ولا اقتناعًا بمواقفهم بل طمعًا في عطاياهم وانتظارًا لما قد تجود به عليهم موائد النفوذ والسلطة.

إنهم أناس ألفوا البقاء في الأسفل في القاع الذي لا أقصد به بالضرورة القاع الاجتماعي أو المادي بل ذلك القاع الآخر الذي تعرفونه جيدًا قاع المهانة والتبعية والتنازل عن الذات حيث يصبح الإنسان مستعدًا للتخلي عن كرامته في سبيل مصلحة عابرة أو امتياز مؤقت.

إنهم أولئك الذين ينطبق عليهم المثل الفرنسي: «Les plus royalistes que le roi»، أي إنهم ملكيون أكثر من الملك نفسه.

إنهم مريدو السلطة والساعون إلى التقرب من أصحابها ويا لها من صحبة!

فالملوك وأصحاب النفوذ مفسدون لكن هؤلاء لا يشغلون أنفسهم بفسادهم ولا يتوقفون عند أخطائهم أو تجاوزاتهم. كل ما يعنيهم هو ما يمكن أن يجنوه من وراء التقرب إليهم وما قد تتيحه لهم تلك العلاقة من مكاسب وامتيازات.

امتيازات تُمنح على حساب الآخرين ومسؤوليات تُستغل للعبث بمصالح الناس والإتيان على الأخضر واليابس أو لا شيء على الإطلاق سوى وهم المكانة والوجاهة.

فبعضهم لا يريد أكثر من أن يسمع الناس يرددون اسمه مقرونًا باسم صاحب السلطة: «فلان صديق الملك!». وكأنه يقول لمن لم يسمع: انتبهوا، فلان أو فلانة من المقربين إلى الملك!

هكذا هم منذ فجر التاريخ: انتهازيون متملقون كثيرو الكلام بارعون في اقتناص الفرص لا يتقنون من العلاقات إلا ما يضمن لهم منفعة ولا يعرفون من الولاء إلا ما يخدم مصالحهم.

وقد يتساءل بعضكم: لماذا أترك المقالات السياسية والفكرية لأكتب عن «ناس النصف»؟

والحقيقة أنني لا أرى أنني غادرت الحلبة السياسية أو الفكرية أصلًا فهذا النص في جوهره مقال سياسي بامتياز. فالسياسة ليست فقط صراعًا على الحكم، ولا نقاشًا حول القرارات والمواقف، بل هي أيضًا سلوك يومي وعلاقات اجتماعية وشبكات مصالح وأشخاص يصنعون حول السلطة هالة من التملق والتبعية.

انظروا حولكم وستجدونهم في كل مكان. يتملقونكم حين تقتضي مصالحهم ذلك ويتاجرون بسمعتكم وكرامتكم وقد يستبيحون دمكم إن اقتضت مصالحهم ذلك ثم لا يترددون في تقديم أنفسهم باعتبارهم من أصحاب الملك والمقربين منه.

إنهم لا يكتفون بالتخلي عن كرامتهم بل قد يجعلون من هذا التخلي وسيلة للارتقاء على حساب الآخرين. ويحسبون أن القرب من أصحاب النفوذ يمنحهم حقًا في التعالي على الناس والتصرف في حقوقهم والتحدث باسم السلطة وكأنهم جزء منها.

ما أكثر «ناس النصف» في بلدي يا بلدي الحبيب!
ــــــــــــــــــــ
الحمامات
16 أكتوبر 2026



#بشير_الحامدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أجل أن تتحوّل احتجاجات المعطلين إلى حركة احتجاجيه عارمة ت ...
- بطّالة تونس يعودون للنشاط السياسي
- هل يمكن القول الآن أن تجربة حكم الإسلاميين في تونس كانت مشرو ...
- آليات الحكم في تونس اليوم
- رجل القوافي
- الوضع الذي جاء بطرابلسية جدد وبن علي جديد
- وائل نوار معتقل في سجون تونس فقط لأنه مناصر للحق الفلسطيني
- نقاش مع حمّة الهمامي و-كان تحبوا أقروه رد على حمّة-
- -الدولة دى بجد .. مش حنسبها لحد-!
- السلطات الجهوية في سيدي بوزيد والمثل الفرنسي Midi à quatorze ...
- نحن - لا تهمنا احتجاجات المعارضة-
- فكيف لا يضحون بقيس سعد!!!
- قبل 25 جويلية بأيام معدودة
- طبقة رابعة أم هي فقط البروليتاريا وعبرنا عنها بالطبقة الرابع ...
- عن الثورة التونسية: المآلات
- حول الربيع العربي
- عائد لمواصلة الحياة عوض المناداة بالتشغيل لمن سنهم فوق الأرب ...
- عن رواية أرض الدماء و الدموع
- من يحكم تونس
- كي لا ننسى وكي تكون لنا ذاكرة


المزيد.....




- وزير الأمن الداخلي الأمريكي يعتزم إجراء تحقيق بعد الانتخابات ...
- مستشار لترامب: نتائج الانتخابات كانت -أكبر من أن تُزوّر-
- من الأحمر إلى الأزرق.. سكان تكساس يحتفلون بفوز تاريخي للديمق ...
- الولايات المتحدة تبدأ تفكيك حاملة -إنتربرايز- النووية
- بمشاركة روسية.. جامعة النور العراقية تستضيف مؤتمرا دوليا لبح ...
- كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها ...
- بوتين: قادة إفريقيا انبهروا بالتوافق الديني في روسيا
- مصر تدعو واشنطن وطهران إلى التهدئة وتجنب العودة للمواجهة الع ...
- بيسكوف: دميترييف ولانتراتوفا سيمثلان روسيا في لقاء ميلانيا ت ...
- الجزائر.. عناوين روسية في معرض الكتاب


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - ناس النصف