أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - الناصر خشيني - نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاعتبار للمرأة في محكم التنزيل














المزيد.....

نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاعتبار للمرأة في محكم التنزيل


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 21:59
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


مقدمة
تتعرض الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة لأزمة خانقة ناتجة عن التباس المفاهيم، وخلطٍ متعمد أو جاهل بين الرسالة القرآنية التحررية وبين المنظومة الفقهية الموروثة التي تشكلت في بيئات اجتماعية وسياسية اتسمت بالذكورية وسلطة القبيلة. ومن أشد تجليات هذه الأزمة هو ملف "المرأة"؛ حيث جرى تسليعها وإهانتها باسم الدين زواجاً وطلاقا ومعاشرة، في حين أن النص القرآني يمثل ثورة وجودية كرمت المرأة غاية التكريم، وأشادت بمكانتها في أكثر من عشر سور ومئات الآيات المحكمات، مقرةً مبدأ "المعاشرة بالمعروف" كقاعدة ذهبية لا تنفصم.
إن معالجة إشكالية "الضرب" في الآية 34 من سورة النساء، تتطلب قراءة تفكيكية تقدمية تتجاوز التفسيرات الفقهية التبريرية التي شرعنت العنف، لتعيد الكلمة إلى سياقها اللغوي والقرآني والاجتماعي الإنساني.
أولاً: النص القرآني مقابل المنظومة الفقهية الذكورية
لقد تأسست المنظومة الفقهية التقليدية في عصور تراجع فيها العقل التنويري، فطغت العادات والتقاليد القبلية على مقاصد الشريعة. تحولت العلاقة الزوجية في هذا الفقه من "المودة والرحمة" إلى "عقد ملكية واستتباع"، وهو ما نراه في تشريعات الطلاق التعسفي، والزواج بالإكراه، وحرمان المرأة من أهليتها الكاملة.
هذا الفقه الذكوري يمثل نكسة وتراجعاً عن المشروع القرآني التحرري. فالقرآن الكريم لم يأتِ ليكرس سلطة الرجل الفوقية، بل جاء ليعلن وحدة الأصل الإنساني: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ). وفي الوقت الذي يسعى فيه الفقه التقليدي لشرعنة إهانة المرأة، نجد القرآن يفرد سوراً كاملة تحمل أسماء النساء وشؤونهن (كالنساء، ومريم، والمجادلة، والممتحنة، والطلاق، وغيرها)، ليرسخ مكانة قانونية واجتماعية مستقلة ومكرمة للمرأة.
ثانياً: تفكيك دلالة "الضرب" في القرآن: عنف أم مباعدة؟
إن حصر معنى كلمة "الضرب" في "الجلد أو الإيذاء الجسدي" في آية النشوز هو نتاج عقلية ذكورية تبحث عن مبرر لممارسة الهيمنة. وإذا تتبعنا اللسان القرآني بـ منهجية قرآنية موضوعية، نجد أن مادة (ض ر ب) تأتي في القرآن بأكثر من سبعة عشر دلالة، نادراً ما تعني الإيذاء الجسدي، ومن أهمها:
المباعدة والابتعاد (الضرب في الأرض): كما في قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي سافرتم وابتعدتم.
العزل والفصل الجسدي أو المكاني: كما في قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) أي عزلناهم عن المحيط الخارجي ووفرنا لهم الحماية والهدوء، وقوله: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) أي فُصل بينهما.
التجاهل والإعراض: كما في قوله تعالى: (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) أي نهجركم ونعرض عنكم.
المباعدة وهجر البيت كحل قرآني
بناءً على التناسق البياني للقرآن، فإن العلاج المتدرج للنشوز (وهو الاستعلاء والتمرد على ميثاق الزوجية من الطرفين) يبدأ بالخطاب العقلاني النفسي (وَعِظُوهُنَّ)، ثم يتطور إلى العزل العاطفي داخل الفراش الواحد لعل المراجعة تتم كبرياءً بكبرياء (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)، فإذا لم يجدِ ذلك نفعاً، تأتي الخطوة الثالثة وهي (وَاضْرِبُوهُنَّ)، والتي تعني هنا المباعدة المكانية، أو هجر البيت لفترة مؤقتة لتبريد الصراع وإعطاء مسافة تفكير بين الطرفين قبل الذهاب إلى خطوة التحكيم العائلي (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا...).
إن القول بأن الضرب يعني العنف الجسدي يتناقض بنيوياً مع أمهات الآيات القرآنية مثل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). فكيف تجتمع "الرحمة والمودة" مع "الجلد والضرب"؟ القرآن ينزه منظومة الأسرة عن العنف.
ثالثاً: كرامة المرأة في محكم التنزيل: مراجعة لعشر سور
في المقابل، يتجلى التكريم القرآني للمرأة في مفاصل عديدة تشيد بمكانتها وتلغي فكرة "التسليع"، ويمكن رصد هذا التكريم في محاور وسور شتى:
سورة النساء: أسست للحقوق المالية المستقلة للمرأة (الإرث، الصداق كملكية خاصة لا ثمن للجسد) وحرمت وراثة النساء كأكره وأشكال المتاع.
سورة آل عمران: أشادت بمريم العذراء واصطفائها على نساء العالمين، وجعلتها رمزاً للطهور والفاعلية الإنسانية المستقلة.
سورة المجادلة: استمع الله فيها لشكوى امرأة (خولة بنت ثعلبة) من فوق سبع سموات، وغيّر تشريعاً ظالماً (الظهار) انتصاراً لكرامتها ونصرةً لها ضد تحكم الرجل.
سورة الممتحنة: قررت مبدأ المبايعة السياسية للمرأة استقلالاً عن زوجها وقبيلتها، مما يعني أهليتها الفكرية والسياسية الكاملة.
سور البقرة والطلاق والروم والمائدة والنور والتحريم والاحزاب: كلها سور رسخت قيم العدالة، وحرمت قذف المحصنات، وجعلت الطلاق مساراً تسريحياً بإحسان (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، مانعةً تحويل المرأة إلى سلعة تُمسك ضراراً للاعتداء.
خاتمة: من أجل مشروع نهضوي عروبي قرآني
إن التحرر القومي والتقدم الاجتماعي لامتنا العربية لا يمكن أن يتحقق طالما بقيت نصف مجتمعاتنا مكبلة بأغلال الفقه الذكوري المتخلف. إن العودة إلى الينابيع النظيفة للقرآن الكريم تفرض علينا تبني قراءة تنويرية تقدمية تعيد للمرأة كرامتها الإنسانية، وتنزع عن النص الإلهي إسقاطات العصور المظلمة.
الضرب في القرآن هو مباعدة وهجر عاقل، والزواج هو سكن ومودة، والمرأة شريكة الكفاح والوجود وليست سلعة للمتعة أو العبودية. هكذا نفهم القرآن، وهكذا نبني مجتمعنا التقدمي العربي المنشود.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك ...
- اليمن… الحرب التي لا تجد من يبررها إلا الخراب
- معركة باب المندب: صمود اليمن يكسر الحصار الإمبريالي
- تفكيك بنية الموطأ: قراءة نقدية في تهافت المرويات ومحورية الن ...
- البخاري بين قداسة النص وإساءات المتن: قراءة نقدية في -أصحّ ك ...
- قضايانا المصيرية بين القبر الاستراتيجي والبعث الممكن
- اتفاق مكة الهش... ومن أين يستمد الحوثيون هذه الجرأة؟
- التفسير التجريدي للقرآن: تحرير النص من أسر -أسباب النزول- ال ...
- قراءة في كتاب البخاري
- موقعة بدر: استشهادية من قبل الصحابة، استعراضية من قبل قريش
- سلسلة قرأت لكم : كتاب حوار مع الشباب العربي. د عصمت سيف الدو ...
- سلسلة قرات لكم كتاب التقدّم… على الطريق المسدود للدكتور عصمت ...
- قرأت لكم: لمصر لا لعبد الناصر — محمد حسنين هيكل
- ليبيا تحترق... وتونس والجزائر بين التضامن والتوجس: إلى أين ت ...
- ثورة الممرات ومعركة المصير: الجماهير العربية في مواجهة الوحش ...
- إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآني ...
- جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة ...
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...
- نقد المتن والسند: نحو غربلة منهجية للتراث الحديثي


المزيد.....




- محكمة النقض الأرمينية ترفض طعون دفاع امرأة حامل قضت تحت عجلا ...
- دائرة المرأة باشتراكي عدن تبحث تعزيز العمل التنظيمي وتستعد ل ...
- كيف أثرت مشاركة النساء الفلسطينيات من صحراء النقب في الانتخا ...
- فجر السبت.. جنود الاحتلال يداهمون منازل في جنين ويعتقلون ثلا ...
- التعليم العالى: جامعة أسوان تعزز شراكتها في الحاضنة الرقمية ...
- مؤسستا المرأة الديمقراطية وإمباكت تبحثان فرص التعاون والشراك ...
- اللجنة الوطنية للمرأة تطالب المبعوث الأممي بتحرك دولي عاجل ل ...
- مقتل امرأة وإصابة 5 مدنيين بينهم طفل بنيران وقصف مليشيا الحو ...
- القومي للمرأة ينظم أولى ورش العمل لتعزيز المساواة بين الجنسي ...
- ختام المرحلة الأولى من مشروع مؤسسة «خير ورحمة» لتعزيز الوعي ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - الناصر خشيني - نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاعتبار للمرأة في محكم التنزيل