أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - تفكيك بنية الموطأ: قراءة نقدية في تهافت المرويات ومحورية النص القرآني














المزيد.....

تفكيك بنية الموطأ: قراءة نقدية في تهافت المرويات ومحورية النص القرآني


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 18:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة
إن معركة الوعي المعاصر تفرض غزل "التراث الفقهي والحديثي" بمغازل النقد العلمي الصارم (متناً وسنداً)، لتنقيته من ركام المرويات التي أحدثت شروخاً معرفية وأخلاقية نتيجة تقديم "النقل الظني" على "العقل القطعي" أو على "المحكم القرآني". ويقف كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس كشاهد تاريخي مبكر على بداية تشكل هذه البنية التراثية؛ فبين دفتيه تتجلى بذور الصراع المنهجي بين النص الإلهي والمروية البشرية.
أولاً: تهافت السند والمرويات المنقطعة (صدمة البلاغات)
عند إخضاع الموطأ لمعايير النقد السندي، تسقط دعاوى "الضبط الكامل" التي حاولت الأجيال اللاحقة إضفاءها على الكتاب لشرعنة تقديسه. فقد احتوى الموطأ على ثغرات إسنادية واضحة تمثلت في "البلاغات" و"المراسيل"؛ حيث كان مالك يسوق الحديث بصيغة غامضة مثل "بلغني عن فلان" دون خط إسنادي متصل.
إن بقاء هذه المرويات المنقطعة لجهالة الواسطة يمثل فجوة علمية تُسقط حجيتها الحديثية، ورغم المحاولات المستميتة لعلماء الأندلس (كابن عبد البر) لوصل ما انقطع، فإن وجودها الأصلي في كتاب يُعد عماد المذهب يثبت تاريخية النص وبشريته وقابليته للخطأ والخلل.
ثانياً: ظاهر التعارض وأثر المرويات المعارضة للقرآن
لا يكمن الخطر في انقطاع الأسانيد فحسب، بل في المضمون (المتن) حين يصطدم بظاهر النص القرآني وتشريعاته الكلية:
تشريع الرجم: أورد مالك آثاراً تدعي وجود آية منسوخة اللفظ وباقية الحكم تُشرع رجم الزاني المحصن. هذا المتن يصطدم صِداماً مباشراً مع محكم سورة النور التي حصرت عقوبة الزنا بالجلد دون تمييز، مما يجعل مروية الرجم مدخلاً لنسخ النص الإلهي الثابت بالرواية البشرية الظنية.
الشاهد واليمين: أورد الموطأ أحاديث تقضي بالاكتفاء بشاهد واحد ويمين صاحب الحق، وهو حكم يضرب في الصميم التوثيق القرآني الصارم في سورة البقرة الذي اشترط (رجلين أو رجل وامرأتين)، مما يُعد افتئاتاً على كمال النص القرآني التشريعي وتضييقاً لمقاصده العدلية.
ثالثاً: منهج مالك في "عرض الحديث على الأصول" (بارقة عقلانية عُطّلت)
رغم المآخذ، يسجل المنهج المالكي المبكر بارقة عقلانية مهمة تمثلت في قاعدة "عرض الحديث على الأصول القرآنية". كان مالك يملك شجاعة رد ظاهر الحديث إذا تعارض مع كليات القرآن وعمل الناس، ومن أمثلة ذلك:
رد حديث "غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً": حيث رفض مالك العمل بظاهره لأن القرآن أباح صيد الكلب المعلم ومسكه للصيد بفمه دون اشتراط الغسل، فقدم عموم القرآن وفطرته على خصوص الحديث.
رد حديث "خيار المجلس": فلم يعمل به التزاماً بأمر القرآن المطلق والقطعي بوجوب الوفاء بالعقود فور إبرامها ({أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}).
رابعاً: معضلة "لا وصية لوارث" وتفكيك دعوى النسخ
تتجلى الذروة النقدية في الموقف من مروية "لا وصية لوارث"؛ فبينما يقرر القرآن الكريم في سورة البقرة حقاً ثابتاً ومحكماً: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ}، جاء الموطأ ليعلن أن هذه الآية "منسوخة" بآيات المواريث وبحديث آحاد يُلغي الوصية.
إن قراءتنا النقدية المعاصرة ترى في هذا الصنيع خطورة بالغة؛ حيث فُتح الباب تاريخياً لتعطيل آيات قرآنية محكمة لصالح مرويات حديثية تخدم سياقات اجتماعية أو سياسية معينة. وحتى محاولة مالك ترقيع هذا التعارض باشتراط "إجازة الورثة" لتنفيذ الوصية، هي تحويل للحق الإلهي المفروض والملزم شرعاً إلى مجرد "منة وهبة" بشرية خاضعة لأهواء الورثة ونزاعاتهم، وهو ما يمثل تراجعاً عن المقاصد القرآنية الكلية في حفظ أموال الأقربين والوالدين.
خاتمة
إن نقد الموطأ ليس خصومة مع الإمام مالك كشخص، بل هو تحرير للعقل المسلم المعاصر من سلطة الفكر التاريخي المغلق. إن الموطأ مدونة بشرية عكست وعي عصرها وبيئتها المحلية (المدينة المنورة)، وإن تقديم مروياتها المنقطعة أو المتوهمة على قطعية القرآن وعقلانية التشريع هو الجناية الكبرى التي يرتكبها فكر "الغلو والتقليد" المعاصر، مما يستوجب غربلة مستمرة للتراث ليبقى النص القرآني وحده الحاكم والموجّه.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البخاري بين قداسة النص وإساءات المتن: قراءة نقدية في -أصحّ ك ...
- قضايانا المصيرية بين القبر الاستراتيجي والبعث الممكن
- اتفاق مكة الهش... ومن أين يستمد الحوثيون هذه الجرأة؟
- التفسير التجريدي للقرآن: تحرير النص من أسر -أسباب النزول- ال ...
- قراءة في كتاب البخاري
- موقعة بدر: استشهادية من قبل الصحابة، استعراضية من قبل قريش
- سلسلة قرأت لكم : كتاب حوار مع الشباب العربي. د عصمت سيف الدو ...
- سلسلة قرات لكم كتاب التقدّم… على الطريق المسدود للدكتور عصمت ...
- قرأت لكم: لمصر لا لعبد الناصر — محمد حسنين هيكل
- ليبيا تحترق... وتونس والجزائر بين التضامن والتوجس: إلى أين ت ...
- ثورة الممرات ومعركة المصير: الجماهير العربية في مواجهة الوحش ...
- إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآني ...
- جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة ...
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...
- نقد المتن والسند: نحو غربلة منهجية للتراث الحديثي
- سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب ...
- عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث ضمن ...
- دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم ...
- ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي


المزيد.....




- الولايات المتحدة.. أكبر مؤسسة إسلامية تصدر دليلا مدرسيا يبرر ...
- قاسم يوجه دعوة للدول العربية والإسلامية ويحذر: أمريكا تهيئ ا ...
- نعيم قاسم يوجه دعوة إلى الدول العربية والإسلامية ويؤكد أهمية ...
- تحذير أمني خطير لنتنياهو.. تصاعد -الجريمة القومية- اليهودية ...
- 4 بريطانيين يعترفون بإحراق سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية ...
- ولي عهد الأردن يصطحب ابنته الأميرة إيمان إلى المسجد
- تزايد الثقة برئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش
- رضائي: نؤيد أي مشروع للوحدة الإسلامية بشرط .. مصر وإيران يجب ...
- -نهج الله هو الرحمة والعدالة-... ناشطون يهود يواجهون عنف الم ...
- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - تفكيك بنية الموطأ: قراءة نقدية في تهافت المرويات ومحورية النص القرآني