|
|
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الخامس عشر) * ترجمة
أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 23:30
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الفصل الخامس عشر الحرب العالمية الأولى: الانتهازية مقابل التكتيك الثوري أدى صعود الإمبريالية منذ مطلع القرن إلى نشوب حروب بين القوى الإمبريالية سعياً للسيطرة على المستعمرات. ومن الأمثلة على هذه الصراعات الحرب الروسية اليابانية التي أُشير إليها في الفصل السابق؛ فقد اندلعت هذه الحرب نتيجة رغبة كل من روسيا واليابان في السيطرة على منشوريا (في شمال الصين) وكوريا. وبدأت حروب مماثلة - هدفت إلى غزو المستعمرات أو استعادتها - تندلع في أنحاء مختلفة من العالم. ومن ثم، أصبح من الضروري للغاية أن تتبنى الحركة البروليتارية العالمية الموقف الثوري الصحيح إزاء قضايا الاستعمار والحرب، وهو ما جرت مناقشته في مؤتمرات الأممية الثانية. غير أن النزعة الانتهازية كانت قد انتشرت على نطاق واسع آنذاك داخل أحزاب الأممية الثانية؛ إذ بدأت قطاعات قيادية عديدة في هذه الأحزاب - داخل البلدان الإمبريالية - تتبنى مواقف البرجوازية بشأن العديد من القضايا السياسية المصيرية. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال مؤتمر الأممية الثانية عام 1907، حيث طُرحت قضايا الاستعمار والحرب للنقاش لأول مرة. وفي ما يتعلق بمسألة الاستعمار، أقرت الهيئة التوجيهية للمؤتمر (اللجنة المختصة) قراراً بشأن السياسة الاستعمارية وعرضته على الهيئة العامة للمصادقة عليه. ورغم أن هذا القرار انتقد السياسة الاستعمارية للبرجوازية، إلا أنه لم يرفض رفضاً قاطعاً مبدأ غزو المستعمرات. بالفعل، جادلت تلك الجهة بأنه في ظل نظام اشتراكي، قد يكون من "مصالح الحضارة" السيطرة على مستعمرات. تعرض هذا الموقف الإمبريالي الصريح - الذي تبناه من يُطلق عليهم اسم الماركسيين - لهجوم شديد من قبل الثوريين في الهيئة العامة، وفي النهاية أُسقط القرار، وإن كان ذلك بفارق ضئيل (127 صوتاً مقابل 108). ولوحظت انتهازية مماثلة من جانب القيادة في ما يتعلق بموقفها من مسألة الحرب؛ إذ أعدّ بيبل - وهو قيادي بارز وتلميذ مقرب وشريك لماركس وإنجلز - قراراً بهذا الشأن. غير أن القرار كان غامضاً، وخلا من أي توجيهات محددة أو خطة عمل يتبعها الأعضاء في حال نشوب حرب. وقد قوبل هذا الأمر بانتقادات حادة من الثوريين - ولا سيما روزا لوكسمبورغ في ألمانيا ولينين - الذين اقترحوا تعديلاً يمنح أعضاء الأممية توجيهاً واضحاً بالنضال لمنع الحرب، والعمل على إنهائها بسرعة في حال اندلاعها، والاستفادة الكاملة من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي ستتمخض عنها لإيقاظ الجماهير وإشعال الثورة. وكان هذا الموقف استمراراً للموقف البروليتاري من الحرب الذي سبق أن حدده ماركس بوضوح. ونظراً لأن الانتهازيين لم يتمكنوا من معارضة هذا التحليل علناً، فقد أقر المؤتمر ذلك القرار. ومع تزايد خطر الحرب، عاودت مؤتمرات الأممية في عامي 1910 و1912 مناقشة هذه المسألة وأقرت قرارات جديدة بشأن الحرب. قرروا أن على جميع الاشتراكيين في البرلمان التصويت ضد اعتمادات الحرب، كما أعادوا التأكيد في قراراتهم على صياغة التعديل الذي اقترحته لوكسمبورغ ولينين عام 1907. ومع ذلك، كان توغل الانتهازية في الأممية الثانية كبيراً لدرجة أن معظم القادة الذين تبنوا تلك القرارات لم تكن لديهم أي نية على الإطلاق للالتزام بها. وقد تجلى ذلك بوضوح عند اندلاع الحرب العالمية الأولى في شهري يوليوز وغشت من عام 1914؛ إذ كان الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني - الذي كان القائد بلا منازع للأممية الثانية - هو من مهد الطريق لذلك. فبدلاً من السعي لحشد العمال ضد الحرب ومن أجل الثورة، أبرم البيروقراطيون النقابيون على الفور اتفاقيات مع أرباب العمل تقضي بعدم الإضراب. وخلال اجتماع الحزب الذي عُقد قبيل التصويت البرلماني على اعتمادات الحرب، صوتت أغلبية ساحقة لصالح الحرب، ولم يعارضها سوى قلة من الثوريين بقيادة كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ، في حين امتنع كاوتسكي - الذي كان آنذاك الزعيم الإيديولوجي الرئيس للأممية الثانية - عن التصويت. وهكذا، وفي 4 غشت 1914، وضع الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني جانباً جميع القرارات السابقة للمؤتمر، وصوت بالإجماع في البرلمان لصالح دعم الحرب الإمبريالية. بالنسبة للبروليتاريا الثورية، توقفت الأممية الثانية عن الوجود منذ ذلك التاريخ. وسرعان ما حذا حذو الحزب الألماني غالبية الاشتراكيين في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا ودول أخرى، لتتفكك الأممية الثانية وتتحول إلى أحزاب اشتراكية-شوفينية منفصلة ومتنافسة.وكان البلاشفة الحزب الوحيد تقريباً الذي التزم بقرارات مناهضة الحرب. في هذا السياق، حيث انزلق القادة الدوليون نحو انتهازية مطلقة، كان لزاماً على لينين والبلاشفة الحفاظ على الموقف الماركسي السليم بشأن الحرب العالمية وتطبيقه. وقد بادر لينين فوراً إلى نشر كتابات تعرض هذا التحليل؛ إذ دعت اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة) إلى "تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية" وإلى تأسيس "أمُمية ثالثة" جديدة تحل محل "الأمُمية الثانية". بدأ لينين عملية بناء الأمُمية الثالثة من خلال توحيد كافة القوى اليسارية المناهضة للحرب. ورغم أن هذه القوى بدأت في تنظيم مؤتمرات منذ عام 1915، إلا أن حالة من الارتباك الشديد كانت تسود المشهد؛ لذا كان على لينين أن يسعى جاهداً لتبديد هذه الفوضى وترسيخ الموقف الثوري السليم بين هذه العناصر، وذلك استناداً إلى مبادئ الاشتراكية فيما يتعلق بالحرب، وكذلك المهام المنوطة بالاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين على الصعيدين الدولي والروسي. وقد أنجز لينين ذلك عبر كتاباته المتنوعة التي نُشرت وراجت سواء داخل روسيا أو على المستوى الدولي. يمكن عرض المبادئ والمهام التي حددها لينين على النحو التالي: أولاً، الاشتراكيون ليسوا دعاة سلام يعارضون كل الحروب؛ فهم يهدفون إلى إرساء الاشتراكية والشيوعية، وهو ما سيؤدي - عبر القضاء على كافة أشكال الاستغلال - إلى إزالة إمكانية نشوب الحرب من الأساس. ومع ذلك، فإن النضال من أجل تحقيق النظام الاشتراكي قد يتضمن دائماً احتمال نشوب حروب ضرورية وذات طابع ثوري. ثانياً، عند تحديد الموقف الواجب اتخاذه إزاء حرب معينة، تبرز أمام الاشتراكيين أسئلة جوهرية: ما هو الغرض من هذه الحرب؟ وأي الطبقات تتولى تنظيمها وقيادتها؟ وفي هذا السياق، أشار لينين إلى أن ماركس، إبان مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية، قد أيّد الحروب التي خاضتها البرجوازية ضد الإقطاع والملوك الرجعيين؛ إذ كان يُنظر إلى تلك الحروب - التي استهدفت القضاء على الإقطاع وترسيخ الرأسمالية أو تعزيزها - على أنها حروب تقدمية وعادلة. وانطلاقاً من معايير مماثلة، أكد لينين أنه في عصر الإمبريالية والثورة البروليتارية، ينبغي على الاشتراكيين دعم كافة الحروب التي تدفع عجلة الثورة الاشتراكية العالمية إلى الأمام. وفقاً لهذا الفهم، قدّم لينين أمثلة على أنواع الحروب التي يمكن وصفها بأنها حروب عادلة أو تقدمية: 1) الحروب الوطنية التي تخوضها دولة مستعمرة أو شبه مستعمرة ضد المستغل الإمبريالي؛ 2) الحروب الأهلية التي تخوضها البروليتاريا والطبقات المضطهدة الأخرى ضد الطبقات الحاكمة الإقطاعية أو الرأسمالية؛ 3) الحروب الاشتراكية دفاعاً عن الوطن الاشتراكي. ثالثاً، أكد لينين أنه بناءً على التحليل المذكور أعلاه، لم يكن هناك أي شيء عادل أو تقدمي في الحرب العالمية الأولى. فقد شبّه الحرب الإمبريالية بصراع بين سيد يملك 100 عبد وسيد يملك 200 عبد، حيث يتقاتلان من أجل إعادة توزيع "أكثر عدلاً" للعبيد؛ إذ كان الهدف الجوهري للحرب العالمية الأولى هو إعادة توزيع العبيد المستعمرين. وبالتالي، لم يكن من الممكن أن يكون هناك أي طابع تقدمي أو دفاعي أو عادل في هذه الحرب؛ فقد كانت حرباً ظالمة ورجعية. وكانت الوسيلة الوحيدة لجعلها عادلة هي الدعوة إلى تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية. أما الفائدة الوحيدة الممكنة من مثل هذه الحرب فكانت استغلالها للقيام بالثورة. ولتحقيق ذلك، شدد لينين على أن هزيمة بلده في الحرب ستكون أمراً مفيداً؛ فالهزيمة ستُضعف الطبقة الحاكمة وتُسهّل انتصار الثورة. وعليه، يتعين على كل ثوري اشتراكي أن يعمل من أجل هزيمة حكومته في الحرب. وأخيراً، شدّد لينين على أن من واجب الاشتراكيين المشاركة في حركة السلام. ومع ذلك، يتعين عليهم - أثناء مشاركتهم في هذه الحركة - التأكيد على أنه لا يمكن تحقيق سلام حقيقي ومستدام دون حركة ثورية؛ ففي الواقع، إن كل من ينشد سلاماً عادلاً وديمقراطياً عليه أن يدعو إلى الحرب الأهلية ضد الحكومات والبرجوازية. ورغم أن هذه المبادئ والتكتيكات قد انتشرت بين جميع أحزاب الأممية الثانية، إلا أن البلاشفة كانوا الوحيدين الذين وضعوها موضع التنفيذ. ولقد ساعدهم هذا النهج تجاه الحرب على استغلال حالة الأزمة الثورية التي خلفتها الحرب، وتحقيق النصر في غضون ثلاث سنوات خلال الثورة الاشتراكية في أكتوبر 1917. (يتبع) نفس المرجع
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الرابع عشر
...
-
لماذا أصبح عزيز أخنوش شخصية غير مرغوب فيها؟
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث عشر
...
-
بيان التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد حول نتائج
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الثاني عشر
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الحادي عشر
...
-
تشكيل الحكومة الجديدة: من التفاوض حول المشاركة إلى التفاهم ح
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء العاشر) *
...
-
المنصوري على وشك الانتهاء من مشاورات تشكيل الحكومة المغربية
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء التاسع) تر
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الثامن) تر
...
-
فاطمة الزهراء المنصوري: سبعة أيام لتشكيل أغلبية، وخمس سنوات
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء السابع) تر
...
-
نماذج من ثغرات خطاب توفيق بوعشرين
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء السادس) تر
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الخامس) (ت
...
-
تشكيل الحكومة برئاسة المنصوري: إكراهات آنية وصعوبات متوقعة
-
المغرب/ تشكيل الحكومة برئاسة المنصوري: إكراهات آنية وصعوبات
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الرابع) *
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية
المزيد.....
-
العدد 672 من جريدة النهج الديمقراطي
-
القضاء البريطاني يسجن طاهياً عسكرياً بتهمة حيازة أسلحة مرتبط
...
-
أولويات في سلّم اهتمام الحزب الاشتراكي في ذكرى تأسيسه
-
العدد 671 من جريدة النهج الديمقراطي
-
30 Months After Uproar Over Jonathan Glazer’s Oscar Speech,
...
-
Rising Settler Violence Threatens West Bank Olive Harvest an
...
-
في استخدام العنف في الكفاح ضد الاحتلال: حالة فلسطين
-
هل يقلب نتنياهو واليمين المتطرف الطاولة على آيزنكوت والمعارض
...
-
-بسم الله، إنها الظلمات-… طلبة محتجون في فرنسا يتهمون الشرطة
...
-
The Bees in the City: Organizing China’s Delivery Workers in
...
المزيد.....
-
من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير
/ رزكار عقراوي
-
التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود
...
/ رزكار عقراوي
-
الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم
...
/ شادي الشماوي
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|