محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 22:14
المحور:
قضايا ثقافية
ملخص
يشكّل السابع من أكتوبر 2023 لحظة تحوّل جيوسياسي مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، إذ أدى الهجوم الذي شنّته حماس على إسرائيل وما تلاه من حرب إسرائيلية مدمرة على غزة إلى إطلاق سلسلة تحولات متسارعة أعادت تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات وموازين القوى الإقليمية. لم يعد الحديث عن "شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر" مجرد توصيف زمني، بل صار يعني نظاماً إقليمياً جديداً بقواعد مختلفة، تُعاد فيه رسم الحدود السياسية والاستراتيجية، وتُختبر فيه الأنظمة والتحالفات، وتُطرح فيه أسئلة وجودية حول مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية. يحاول هذا البحث تقديم قراءة أكاديمية منظمة للتحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط في أعقاب 7 أكتوبر، مع التركيز على أربعة محاور رئيسية: إعادة تشكيل خرائط النفوذ، تحوّل موازين القوى بين إيران وإسرائيل، صعود قوى إقليمية وسيطة (السعودية وتركيا)، وانعكاسات ذلك كله على النظام الإقليمي والقضية الفلسطينية.
1- مقدمة: لماذا يُعدّ 7 أكتوبر نقطة تحوّل جيوسياسي؟
لم يكن هجوم 7 أكتوبر مجرد عملية عسكرية عابرة، بل جاء في لحظة اتسمت بانتقالية في النظام الإقليمي، مع عدم وجود توافق بين اللاعبين الدوليين والإقليميين على قواعد واضحة لإدارة الصراع. وقد وصفه محللون بأنه "يوم فُجّرت فيه خريطة الشرق الأوسط"، إذ أطلق تغييرات جيوسياسية سريعة سيكون لها تأثير عميق في مسارات المنطقة على المدى البعيد. الأهم من ذلك أن تداعياته كشفت حدود النظام الإقليمي الذي تشكّل منذ نهاية الحرب الباردة، ووضعت المنطقة أمام مرحلة انتقالية جديدة لم تتحدد ملامحها النهائية بعد.
يمكن القول إن 7 أكتوبر أدّى وظيفتين جيوسياسيتين متداخلتين: الأولى تتعلق بـ الكشف عن هشاشة ترتيبات إقليمية كانت قائمة على افتراضات لم تعد صالحة (كقدرة الردع الإسرائيلي المطلقة، وجدوى مسار التطبيع دون حل القضية الفلسطينية)؛ والثانية تتعلق بـ التمكين، إذ منح إسرائيل ذريعة استراتيجية لشنّ حملة عسكرية واسعة النطاق ضد "محور المقاومة" بقيادة إيران، مستفيدة من دعم أمريكي شبه مطلق، ومن انشغال القوى الكبرى الأخرى بحروبها الخاصة.
2- إعادة رسم خرائط النفوذ: من "سايكس-بيكو" إلى خرائط جديدة
من أبرز المؤشرات على عمق التحوّل الجاري أن خطاب النخب السياسية والإعلامية في المنطقة بدأ يتحدث صراحةً عن "محو حدود سايكس-بيكو" وتأسيس حدود أخرى. فبعد أكثر من قرن على اتفاقية 1916 التي رسمت خرائط الشرق الأوسط الحديث، يبدو أن الحرب الممتدة منذ 7 أكتوبر تُعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، لا من خلال معاهدة جديدة بالضرورة، بل من خلال الوقائع الميدانية والضربات العسكرية وإعادة تشكيل التحالفات.
تشمل إعادة الرسم هذه ثلاث ديناميكيات متشابكة:
أولاً، إعادة تشكيل الحدود الفعلية للسيطرة الإسرائيلية. تشير تقارير وخرائط عسكرية إلى أن إسرائيل وسّعت نطاق سيطرتها العسكرية في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا بنحو 1000 كيلومتر مربع منذ بدء الحرب، وهو ما لم تعكسه الخرائط الرسمية بدقة. في غزة، تحتل إسرائيل ما يقرب من 70% من مساحة القطاع، بينما تدير حماس الجزء المتبقي، في تقسيم فعلي غير معلن يطرح أسئلة حادة حول مستقبل القطاع.
ثانياً، تفكك منظومة "محور المقاومة". كان هذا المحور، بقيادة إيران، يشكّل عمقاً استراتيجياً لطهران يمتد من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن. غير أن الضربات الإسرائيلية المتتالية، التي استهدفت حماس وحزب الله وقدرات إيران في العمق، أدّت إلى تآكل هذا العمق بشكل جذري. ويصف محللون إسرائيليون ذلك بأن "الهلال الشيعي قد انتهى"، وأن إيران أُجبرت على التراجع داخل حدودها.
ثالثاً، تحوّل خرائط النفوذ لصالح قوى إقليمية وسيطة. في مقابل تراجع إيران، برزت السعودية وتركيا كقوتين استفادتا من الأزمة دون أن تتورطا في استنزاف عسكري مباشر، وراكمتا مكاسب نسبية في النفوذ الإقليمي. هذه التحولات لا تعني بالضرورة استقراراً أكبر، بل تشير إلى نظام إقليمي أكثر تعقيداً وتقلباً، حيث لم تعد التحالفات ثابتة ولا الخصومات واضحة.
3- موازين القوى: إيران وإسرائيل في مواجهة مباشرة
3-1-إيران: من "العمق الاستراتيجي" إلى الدفاع عن الذات
دخلت إيران مرحلة ما بعد 7 أكتوبر وهي تمتلك شبكة نفوذ واسعة، لكنها سرعان ما وجدت نفسها في موقف دفاعي غير مسبوق. فقد فشلت طهران في إنقاذ حماس أو حزب الله أو نظام بشار الأسد، وتراجعت قدرتها على الضغط على خصومها بعيداً عن أراضيها. أكثر من ذلك، أدّت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية المباشرة (يونيو 2025) ثم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران (فبراير 2026) إلى استهداف دول الخليج وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، مما جعل إيران في موقف مزدوج: فهي من جهة خرجت من المواجهة أكثر تصميماً على الانتقام، ومن جهة أخرى أصبحت أكثر عزلة اقتصادياً واستراتيجياً. ويخلُص محللون إلى أن الجمهورية الإسلامية "تضغط ثمناً لحسابات خاطئة"، إذ توقعت أن يمنحها الوقت والجغرافيا يداً أقوى، لكن النتيجة كانت عكس ذلك.
3-2-إسرائيل: تحوّل عقيدة الأمن القومي من الردع إلى الاستباق
لم تكن إسرائيل قبل 7 أكتوبر في وضع استراتيجي مستقر، لكن الهجوم كشف هشاشة عقيدتها الأمنية القائمة على "الردع والاحتواء". بعد 7 أكتوبر، تحوّلت هذه العقيدة إلى "القوة والاستباق" (power and preemption)، مما أدى إلى حملة استباقية ضد الخصوم في غزة ولبنان وسوريا. غير أن هذا التحوّل، رغم نجاحاته العسكرية التكتيكية، لم يُترجم إلى مكاسب سياسية مستدامة. فإسرائيل أصبحت في آن واحد أكثر اندماجاً عسكرياً في الإقليم وأكثر عزلة دبلوماسياً على الساحة الدولية. ويشير محللون إلى أن العقيدة الجديدة تتعامل مع القوة العسكرية كغاية في حد ذاتها، دون استراتيجية واضحة لتحويلها إلى مكاسب سياسية دائمة، مما يزيد من مخاطر الانزلاق إلى حروب لا نهاية لها.
4- صعود القوى الوسيطة: السعودية وتركيا
في خضم المواجهة بين إيران وإسرائيل، برزت السعودية وتركيا كقوتين إقليميتين استفادتا من التحوّلات دون أن تتحمّلا كلفة الاستنزاف المباشر. تجنّبت الرياض وأنقرة الانزلاق إلى الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، وراكمتا مكاسب نسبية في النفوذ الإقليمي. وقد تعزّز هذا الدور بفعل تراجع الثقة في القدرة الأمريكية على إدارة الأزمات الإقليمية، مما دفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالية.
فيما يتعلق بالتطبيع السعودي-الإسرائيلي، كان هذا المسار قبل 7 أكتوبر على وشك التحقق، إذ كانت المحادثات برعاية أمريكية قد وصلت إلى مراحل متقدمة. غير أن الحرب على غزة جمّدت هذا التقدم، وأدخلت شرطاً جديداً: لا تطبيع دون تقدم ملموس في القضية الفلسطينية. ورغم استمرار الاهتمام السعودي بالتقارب مع إسرائيل، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه باتت رهينة تحقيق تقدم على المسار الفلسطيني، وهو ما يبدو بعيد المنال في المدى المنظور.
5- القضية الفلسطينية: العودة إلى مركز المعادلة
من أبرز نتائج 7 أكتوبر إعادة القضية الفلسطينية إلى صلب التفاعلات الإقليمية والدولية، بعد سنوات من محاولات تجاوزها عبر مسارات التطبيع والترتيبات الإقليمية التي تجاهلت جوهر الصراع. وقد أثبتت التحولات الممتدة منذ ذلك اليوم حقيقة محورية: أن أي ترتيبات إقليمية لا يمكنها القفز على القضية الفلسطينية أو تجاوزها.
غير أن هذه العودة إلى المركز جاءت في ظل ظروف بالغة القسوة. فقد تحوّلت غزة إلى أنقاض، مع أكثر من 45 ألف قتيل فلسطيني، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية المدنية. كما أن الانقسامات الفلسطينية الداخلية ازدادت عمقاً بعد 7 أكتوبر، revolving حول قضايا الدولة وال governance وغياب الأفق السياسي. وبهذا المعنى، فإن القضية الفلسطينية عادت إلى الواجهة ليس باعتبارها قضية عدالة تاريخية فحسب، بل باعتبارها عنصراً حاسماً في اختبار الشرعية ومحدِّداً لمستقبل ترتيبات المنطقة.
6- نحو نظام إقليمي جديد: ملامح غير مكتملة
يمكن رصد عدة سمات بارزة للنظام الإقليمي الناشئ بعد 7 أكتوبر:
• تآكل الثنائية القطبية الإقليمية (إيران/إسرائيل). لم يعد الصراع الإقليمي محصوراً في مواجهة ثنائية، بل أصبح أكثر تعددية وتعقيداً، مع صعود قوى وسيطة وتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض ترتيباتها.
• عسكرة متزايدة للعلاقات الدولية الإقليمية. تحوّلت إسرائيل إلى قوة عسكرية استباقية، وإيران إلى قوة انتقامية، مما يزيد من احتمالات المواجهات المباشرة ويقلل من فرص التسويات السلمية.
• هشاشة الترتيبات الأمنية. لا يزال النظام الإقليمي الجديد يفتقر إلى قواعد مستقرة يتعامل معها الخصوم قبل الحلفاء، مما يجعله عرضة للانفجارات المفاجئة.
• ازدواجية الخطاب. فبينما يتحدث البعض عن "سلام ترامب" وترتيبات جديدة، يرى آخرون أن ما يُحاك للمنطقة ليس سلاماً بل "تسويات مسمومة" تكرّس الهيمنة وتقوّض حقوق الفلسطينيين.
7-خاتمة
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، يبدو الشرق الأوسط شبه غير قابل للتعرّف. تغيّرت الوجوه، وتبدّلت الخرائط، وسقطت تحالفات وقامت أخرى، وانهارت عقائد أمنية ووُلدت غيرها. غير أن هذا التحوّل لم يُنتج بعد نظاماً إقليمياً مستقراً أو أكثر عدالة. فالحرب المستمرة في غزة، والمواجهات الممتدة من لبنان إلى اليمن، والغموض الذي يكتنف مستقبل إيران وإسرائيل والسعودية وتركيا، كلها مؤشرات على أن عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط لا تزال في ذروتها، وأن ملامح النظام الإقليمي الجديد لم تتحدد بعد. ما يمكن الجزم به هو أن العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر أصبحت مستحيلة، وأن أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة ستُبنى على قواعد جديدة، أقل رحمة وأكثر قسوة، حيث تُختبر الأنظمة وتُعاد رسم الخرائط، والمقاومة مرفوضة في النظام العالمي الجديد.
المراجع
المراجع العربية
1. "تحليل معمق لتغيرات الشرق الأوسط مع راين كروكر"، النهار، 5 أكتوبر 2026.
https://www.annahar.com/international/world/354009
2. "من 7 أكتوبر إلى سلام ترامب .. معركة لا تنتهي"، ربى عياش، صحيفة العرب، 13 أكتوبر 2025.
https://alarab.co.uk/من-7-أكتوبر-إلى-سلام-ترامب-معركة-لا-تنتهي-0
3. "ما بعد 7 أكتوبر: تراجع نفوذ إيران وتآكل شرعية إسرائيل وتعاظم قوة الرياض وأنقرة"، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 30 يوليو 2026.
https://mecouncil.org/ar/blog_posts/ما-بعد-7-أكتوبر-تراجع-نفوذ-إيران-وتآكل-ش-2/
4. "بدأت منذ 7 أكتوبر... متى تنتهي حالة الحرب في الشرق الأوسط؟"، النهار، 18 يونيو 2026.
https://www.annahar.com
5. "ثلاث سنوات على طوفان الأقصى .. كيف غيّر 7 أكتوبر سوريا ولبنان ومعادلات المشرق؟"، سوريا TV، 7 أكتوبر 2026.
https://www.syria.tv
6. "7 أكتوبر... التداعيات الجيوسياسية الكبرى"، العربي الجديد، 7 أكتوبر 2025.
https://www.alaraby.co.uk
المراجع الإنجليزية
7. Kurtzer, Daniel C., and Aaron David Miller. "A Thousand Days After October 7, Washington Still Has No Strategic Plan." Carnegie Endowment for International Peace, July 6, 2026.
https://carnegieendowment.org/emissary/2026/07/gaza-1000-days-united-states-middle-east-policy
8. "Three Years After October 7th: Costs and Consequences." Carnegie Connects Podcast, Carnegie Endowment for International Peace, October 7, 2026.
https://carnegieendowment.org/podcasts/carnegie-connects/three-years-after-october-7th-costs-and-consequences
9. Shama, Nael. "Geopolitical Transformation In The Post-October 7 Middle East (2023–2025): Power Shifts Vs. Structural Shifts." The Journal of Social Encounters, vol. 10, no. 1, 2026.
http://digitalcommons.csbsju.edu/social_encounters/vol10/iss1/4
10. "October 7, 2023: The Day the Middle East Map Was Blown Apart." Annahar (English), December 11, 2025.
https://en.annahar.com/english/region/middle-east/261757/
11. "A Stress Test for Arab Regionalism: Mapping Trends before and after October 7." Project on Middle East Political Science (POMEPS), July 30, 2025.
https://pomeps.org
12. "Three Years After October 7, Iran Pays the Price of Miscalculation." Iran International, October 8, 2026.
https://www.iranintl.com
13. "The Post-October 7 Era: Iranian-Israeli Attrition and Saudi-Turkish Ascendancy." Middle East Council on Global Affairs, July 30, 2026.
https://mecouncil.org
14. "Israel Expands Military Control in Gaza, Lebanon and Syria by 1,000sq km." Al Jazeera, June 14, 2026.
https://www.aljazeera.com
15. "The Aftershocks of October 7, Three Years On." Israel Policy Forum, October 6, 2026.
https://israelpolicyforum.org
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟