أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - الصفات والأدوار التي أُلصقت بأجهزة المخابرات أثناء الربيع العربي















المزيد.....


الصفات والأدوار التي أُلصقت بأجهزة المخابرات أثناء الربيع العربي


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 22:18
المحور: قضايا ثقافية
    


الملخص
تتناول هذه الورقة البحثية الصفات والأدوار التي نُسبت إلى أجهزة المخابرات في العالم العربي خلال فترة الربيع العربي وما بعدها (2011-2021). وتنطلق من فرضية مفادها أن هذه الأجهزة لم تكن مجرد أدوات تنفيذية في يد السلطة السياسية، بل كانت فاعلاً مركزياً في تحديد مسار الانتفاضات ومآلاتها. وتعتمد الورقة منهجاً تحليلياً مقارناً، تستند فيه إلى الأدبيات الأكاديمية والتقارير البحثية الصادرة عن مراكز الدراسات المتخصصة، مع تركيز خاص على حالات مصر وتونس وسوريا وليبيا واليمن والأردن. وتخلص الورقة إلى أن أجهزة المخابرات العربية حُمّلت أثناء الربيع العربي بجملة من الصفات والأدوار المتضاربة: فهي "حارس النظام" و"أداة القمع" في الخطاب الثوري، وهي "العقل المدبر للثورة المضادة" و"المُخفق" في الخطاب الأكاديمي الغربي، وهي في الوقت نفسه "المُصلِح المتأخر" و"الفاعل الذي أعاد إنتاج نفسه" في خطاب الإصلاح الأمني. وتُظهر الورقة أن هذه الصفات لم تكن مجرد أوصاف موضوعية، بل كانت في كثير من الأحيان صوراً ذهنية مصطنعة ومضخمة، تخدم أغراضاً سياسية متعارضة.

المقدمة
شكّل الربيع العربي لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين أجهزة المخابرات والمجتمعات العربية. فبعد عقود من الهيمنة شبه المطلقة على الحياة العامة، وجدت هذه الأجهزة نفسها أمام تحدٍ وجودي: كيف تتعامل مع انتفاضات شعبية غير مسبوقة تهدد بتقويض الأنظمة التي كانت تحميها؟ وكيف أعادت تعريف أدوارها وصفاتها في ظل هذا التحول؟
وتكمن إشكالية البحث في أن أجهزة المخابرات العربية كانت الهدف الأول للانتفاضات في كثير من البلدان، إذ كانت رمزاً للقمع والفساد وانعدام الحريات. ومع ذلك، فإن الصورة التي رُسمت لها خلال الربيع العربي وما بعده لم تكن صورة واحدة، بل كانت صورة متعددة ومتناقضة، تبعاً للخطاب السياسي الذي أنتجها. ففي حين صورت بعض الخطابات هذه الأجهزة على أنها "العدو الأول للشعب"، صورت خطابات أخرى على أنها "آخر خط دفاع عن الدولة الوطنية" أمام الفوضى والإرهاب.

الإطار النظري: من "الأداة" إلى "الفاعل"
يُشير لو بكايتينغ وأنيس لوفالوا إلى أن أجهزة الاستخبارات في العالم العربي تُصنَّف من حيث علاقتها بالسلطة السياسية إلى ثلاثة أنواع رئيسة: النوع الأول تكون فيه الأجهزة "أداة بيد السلطة"، والنوع الثاني تكون فيه متمركزة داخل السلطة، والنوع الثالث تكون فيه مركز السلطة ذاتها وجوهرها. وهذا التصنيف يكشف عن مفارقة جوهرية: ففي حين يبدأ معظم الأجهزة العربية كأدوات بيد السلطة، فإنها تميل بمرور الوقت إلى الاندماج في نسيج السلطة، بل إلى أن تصبح السلطة نفسها في بعض الحالات.
وتُشير الدراسات إلى أن هذه الأجهزة "تتمتع بهوامش واسعة للحركة والتصرف وباستقلالية كبيرة"، وأنه "بقدر ما يكون النظام السياسي القائم عربياً مفتقداً للشعبية أو للشرعية، تكون أجهزة الاستخبارات قوية ، أي التمتع بحرية التصرف في إطار حماية النظام السياسي أو المجموعة الحاكمة، وتعويض النقص في الشرعية". وهذا يعني أن قوة أجهزة المخابرات العربية لم تكن نتاج كفاءة مهنية، بل كانت في جوهرها قوة تعويضية عن ضعف الشرعية وغياب المؤسسات.
وقد أدى هذا الوضع إلى أن تصبح هذه الأجهزة "متماهية، بدرجات متفاوتة، مع الرغبات السياسية لصانع القرار"، وأن تفتقد "شروط الاستقلالية والحيادية، إلى جانب عدم خضوعها لرقابة مؤسساتية جدية توضح حدود تدخلاتها". وهذا التماهي هو ما جعلها هدفاً رئيسياً للانتفاضات، لكنه أيضاً هو ما جعلها قادرة على الصمود وإعادة إنتاج نفسها بعد سقوط الأنظمة.

أولاً: الصفات المُُلصقة — بين "حارس النظام" و"العدو الأول للشعب"
1. "حارس النظام": الدور البنيوي
كانت الصفة الأكثر رسوخاً لأجهزة المخابرات العربية قبل الربيع العربي هي "حارس النظام". فقد كانت هذه الأجهزة "تمارس دور حارس النظام وحارس مصالح الفئة المستفيدة من النظام، كما كانت تتدخل في الانتخابات التشريعية وفي حياة المواطنين اليومية وتعاقب المعارضين وتمارس بحقهم أبشع الانتهاكات". ولم يكن هذا الدور مقتصراً على بلد دون آخر، بل كان ظاهرة إقليمية شاملة.
وفي تونس، "اشتهر دور وكالة الاستخبارات العامة التي كانت تتبع رئيس الجمهورية وتمارس عملها في ظل غياب أي قانون يوضح صلاحياتها وحدودها". وفي مصر، "استحوذت شبكة النظام الزبائنية التي كان يقودها نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك، جمال، على قوات أمن الشرطة واستخدمتها كقوة مسلحة للدفاع عن مصالحها".
2. "أداة القمع": الدور الوظيفي
لم تقتصر صفة "حارس النظام" على الحماية البنيوية، بل امتدت إلى الممارسة اليومية للقمع. فقد أصبحت أجهزة المخابرات، أو المخابرات، بحسب تقرير الأمم المتحدة، "الكيان الأكثر تأثيراً في الحياة اليومية للمواطن العربي". وقد لخّص الصحافي رامي خوري هذه الظاهرة بقوله إن "الدور المبالغ فيه للشرطة والقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات في العالم العربي على مدى نصف القرن الماضي كان السبب الأهم في الجمود السياسي الجماهيري المخيف، والركود الاقتصادي، والفساد المتفشي، والفراغ الفكري، والانحباس الثقافي، والتهميش العالمي الذي يعاني منه العالم العربي".
وقد وصف مؤيد رباني وظيفة هذه الأجهزة بأنها "تتجاوز قمع المعارضة الداخلية": "مع الولاء والطاعة بدلاً من المهنية والنزاهة كمعايير لها، فإنها تفحص القضاة والجنرالات، وتعيّن المحررين وعمداء الجامعات، وتزور الانتخابات وتحدد التشريعات، وتسيطر على الإعلام، وتنظم الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات غير الحكومية، وحتى خطب الجمعة [...] من الناحية العملية، فإن المخابرات هي أيضاً رئيس القضاة، ورئيس البرلمان، ورئيس الوزراء، ورئيس البلدية، ورئيس الجامعة، ورئيس التحرير، وحتى رجل الدين الأول".
3. الصفات المضادة: "المُخفق" و"الجوكر"
لكن الصورة لم تكن أحادية الجانب. فإلى جانب صفات "حارس النظام" و"أداة القمع"، أُلصقت بأجهزة المخابرات العربية خلال الربيع العربي صفات أخرى متناقضة. فقد صورت بعض الخطابات الغربية هذه الأجهزة على أنها "مُخفقة" — إذ لم تتنبأ بالانتفاضات ولم تستطع منعها. وقد اعترف مسؤول استخباراتي أمريكي بأن "وكالات الاستخبارات الأمريكية أخطأت في رصد أدلة على الاضطرابات في جميع أنحاء المنطقة، وأنها تحاول الآن تحسين أنظمة الإنذار المبكر".
وفي الوقت نفسه، صورت خطابات أخرى هذه الأجهزة على أنها "الجوكر" الذي يمكن أن يقلب الطاولة على الثورات. وقد تحدثت مقالة نشرت على الجزيرة نت عن "اتجاه محموم للإشارة إلى أدوار معجزة تمكنت الأجهزة الاستخباراتية من خلالها من تحويل الربيع العربي إلى صيف قائظ"، مع التشكيك في "أن تكون هذه الأجهزة بمثابة اللاعب المؤثر أو حتى اللاعب القوي"، بل الذهاب إلى "القول باصطناع وافتعال كثير من الصور الذهنية المنطبعة عن حجم هذا التأثير".

ثانياً: الأدوار التي مارستها — من التمهيد للثورة إلى هندسة الثورة المضادة
1. الدور التمهيدي: "المراقب الذي لم يرَ"
على الرغم من القبضة الأمنية المحكمة، فشلت أجهزة المخابرات العربية في التنبؤ بالانتفاضات أو منعها. وقد لاحظت دراسات أكاديمية أن "خدمات الاستخبارات لديها سجل سيئ السمعة في توقع الثورات". وهذا الفشل لم يكن فشلاً في جمع المعلومات فحسب، بل كان فشلاً في التفسير والاستعداد. فقد كانت هذه الأجهزة مدربة على قمع المعارضة المنظمة، وليس على التعامل مع احتجاجات شعبية عفوية. وقد أشار تقرير لمركز أبحاث إلى أن "أهم نقاط الضعف في نظام الاستخبارات والإنذار ليس نقص المعلومات ذات الصلة، بل غياب مؤسسة قادرة على تنسيق مصادر المعلومات المتعددة والمصالح البيروقراطية المتضاربة لتقديم تقييم موضوعي لبيئة التهديد في لحظة معينة".
2. الدور التنفيذي: "آلة القمع"
عندما اندلعت الانتفاضات، تحولت أجهزة المخابرات من "المراقب الذي لم يرَ" إلى "الآلة التنفيذية للقمع". وفي سوريا، كان علي مملوك، رئيس المخابرات العامة، "مشاركاً مباشرة في التنسيق للقمع العنيف للاحتجاجات السلمية" منذ الأيام الأولى لاندلاع الربيع العربي في مارس 2011. وقد كان لهذه الأجهزة دور محوري في "الاعتقالات الجماعية والاختفاء القسري".
وفي البحرين، وُجهت اتهامات لجهاز الأمن الوطني "بممارسة التعذيب المنهجي و ترويع المشتبه بهم خلال انتفاضات الربيع العربي". وفي مصر، كانت قوات أمن الدولة، التي كانت جزءاً من وزارة الداخلية، مسؤولة عن "الكثير من القمع والانتهاكات" التي سبقت الربيع العربي.
3. الدور المضاد للثورة: "مهندس الرد"
مع تراجع زخم الانتفاضات، تحولت أجهزة المخابرات من دور "المنفذ" إلى دور "المهندس" للثورة المضادة. ويُظهر جان-بيير فيليو في كتابه "من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية" كيف أن "أنظمة الاستبداد في سوريا ومصر واليمن سحقت الانتفاضات الديمقراطية للثورة العربية" من خلال "اللجوء إلى وكالات الاستخبارات الغامضة وأجهزة الأمن الداخلي لما يسمى الدولة العميقة ".
وقد استخدمت هذه الأجهزة مجموعة متنوعة من التكتيكات: "الاعتقالات المستهدفة وسوء المعاملة ضد أعضاء بارزين في المعارضة والصحافة أو الجماعات المصنفة ناقدة للدولة"، بالإضافة إلى "استهداف عائلات الناشطين". وفي مصر، لعبت أجهزة الاستخبارات دوراً محورياً في "خنق الاحتمال الديمقراطي بانقلاب آخر" بقيادة عبد الفتاح السيسي.
4. الدور الاستراتيجي: "الفاعل الذي أعاد إنتاج نفسه"
الدور الأكثر إثارة للاهتمام، والأقل اعترافاً به، هو ذلك الذي مارسته أجهزة المخابرات بعد سقوط الأنظمة التي كانت تحميها. فقد أظهرت هذه الأجهزة قدرة استثنائية على البقاء وإعادة إنتاج الذات. ويؤكد الباحث ماريانا فالساو تشايس أن "الفرضية البحثية هي الحفاظ على العناصر المحددة الرئيسية للأنظمة السابقة للاحتجاجات الشعبية في 2010 و2011، ولا سيما الدور السياسي للقوات الأمنية والعمل السياسي لوكالات الاستخبارات".
وفي تونس، على الرغم من الإصلاحات التي أُعلنت بعد الثورة، "لم تعثر الأجهزة على توازن بين الاستخبارات والديمقراطية"، ولا تزال بحاجة إلى "توجيه أكثر قوة ووضوحاً لأدوار ومهام وكالات الاستخبارات، ومزيد من الجهود لمهنية الوكالات، ورقابة رسمية أكثر فعالية".

ثالثاً: دراسات حالة مقارنة
1. مصر: من "التمهيد للثورة" إلى "إجهاضها"
في مصر، كانت أجهزة المخابرات — وخاصة المخابرات العامة وأمن الدولة — جزءاً لا يتجزأ من نظام مبارك. وقد لعب جمال مبارك، نجل الرئيس، دوراً محورياً في "استحواذ شبكة النظام الزبائنية على قوات أمن الشرطة واستخدامها كقوة مسلحة". وعندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011، كانت أجهزة المخابرات "حاضرة في المشهد وإن لم تكن مؤثرة"، ثم أصبحت "مؤثرة في الأحداث وما بعدها وإن لم تكن صانعة لها"، وانتهى بها الأمر إلى أن تكون "مستفيدة من الثورة".
وبعد الإطاحة بمبارك، ظلت أجهزة المخابرات جزءاً من النظام الأمني، بل ازداد نفوذها. ويشير تحليل إلى أن "الحكومات التي وصلت إلى السلطة في مصر وتونس في أعقاب الربيع العربي تعتمد بشكل متزايد على الأجهزة الأمنية القمعية التي صنعها أسلافها". وفي عهد السيسي، "تم تطهير جهاز المخابرات العامة المدني من ضباط عصر مبارك واستبدالهم بمقربين من السيسي من المخابرات العسكرية".
2. تونس: "الاستثناء" النسبي
تُعدّ تونس الحالة الأكثر تعقيداً، إذ توصف بأنها "قصة النجاح الديمقراطي الوحيدة" في دول الربيع العربي. لكن حتى في تونس، كان جهاز الاستخبارات تحت حكم بن علي "يستخدم العنف المفرط والمراقبة والقمع والرقابة وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان ضد المعارضين الحقيقيين أو المتخيلين للنظام ".
وبعد الثورة، بدأت محاولات إصلاح حقيقية. ففي مارس 2011، "أُحيل 42 من كبار مسؤولي قوات الأمن الداخلي إلى التقاعد المبكر"، وظهرت "نقابات أمنية" مستفيدة من الحريات الجديدة. لكن الإصلاحات ظلت محدودة، إذ "لا يزال لا يوجد قانون جديد يحدد دور والتزامات أجهزة الأمن"، ولا تزال وزارة الداخلية "الصندوق الأسود الذي يتهيب الرقابة المدنية".
3. سوريا: "الدولة العميقة" في أقصى تجلياتها
في سوريا، كانت أجهزة المخابرات أكثر من مجرد أجهزة أمنية؛ كانت نظاماً موازياً للحكم. فالنظام السوري كان يضم أربع إدارات أمنية: المخابرات العسكرية، ومخابرات القوات الجوية، وأمن الدولة، والأمن السياسي. وقد كانت هذه الإدارات "تهيمن عليها عائلة الأسد في الممارسة العملية"، حتى إن "ضابطاً برتبة أدنى له صلات بعائلة الأسد قد يمتلك سلطة وامتيازات أكبر من رؤسائه، فقط بسبب صلات القرابة".
وقد كان علي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني، الشخصية المحورية في قمع الاحتجاجات. وفي عام 2019، رُقّي إلى منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية، وهو ما يعكس "أهمية الدور الأمني في هيكل النظام". ويُتهم مملوك بأنه "أشرف على القمع المنهجي للاحتجاجات السلمية والجرائم الواسعة ضد الإنسانية في سوريا، بما في ذلك الاعتقالات الجماعية والاختفاء القسري".
4. ليبيا واليمن: "الانهيار" و"التوظيف"
في ليبيا واليمن، كان مصير أجهزة المخابرات مختلفاً. ففي ليبيا، انهار نظام القذافي بالكامل، ولجأ رئيس استخباراته إلى قطر. وفي اليمن، كانت أجهزة الاستخبارات "غالباً ما تكون عائقاً بقدر ما هي مساعدة لوكالة الاستخبارات المركزية"، إذ كان أحد أهم أجهزتها، وهو تنظيم الأمن السياسي، "يعتبر منذ فترة طويلة مخترقاً بمتعاطفين مع القاعدة".
5. الأردن: "النجاة بالمرونة"
في الأردن، اتبع النظام استراتيجية مختلفة. فقد "شعر النظام أنه في الواقع نجا من الربيع العربي، من خلال شق طريق ثالث بين الثورة والثورة المضادة". وقد استخدمت أجهزة المخابرات الأردنية، وخاصة دائرة المخابرات العامة، نهجاً "ناعماً" في التعامل مع الاحتجاجات، مع الحفاظ على "دعم اقتصادي وعسكري خارجي واسع". ومع ذلك، يرى نشطاء المعارضة أن "المخابرات فعالة للغاية وواسعة الانتشار، وأنها هي الفاعل الرئيسي الذي يعيق محاولات التحرر والإصلاح في المملكة الهاشمية".

رابعاً: محاولات الإصلاح — بين الطموح والواقع
بعد الربيع العربي، أُطلقت في عدة دول عربية مبادرات لإصلاح قطاع الأمن. وفي مصر، "اقتُرح أكثر من 10 مبادرات لإصلاح قطاع الأمن منذ مارس 2011". وفي تونس، بدأت جهود الإصلاح "مبكراً في يونيو 2011". وفي ليبيا، بدأ الإصلاح "بتعيين سالم الهاسي رئيساً لجهاز الأمن الليبي".
لكن هذه الإصلاحات واجهت تحديات كبرى. وقد حددت دراسة أكاديمية خمسة متغيرات تحدد مسار عمليات إصلاح قطاع الأمن: "مستويات الاستقطاب السياسي، ومستويات المقاومة الداخلية داخل قطاع الأمن، ومستويات المعرفة والقدرات لدى الإصلاحيين، ومستويات دعم الفاعلين الإقليميين/الدوليين، وحالة التسريح ونزع السلاح وإعادة التأهيل".
ويُلاحظ أن الإصلاحات في معظم الدول العربية ظلت محدودة، إذ "لم يتم إنشاء تدابير للشفافية أو ضوابط خارجية لأجهزة الاستخبارات". وقد ظل "أهم التحديات التي تواجه دول ما بعد الربيع العربي هو خلق بيئة آمنة"، وهو تحدٍ لم يتم إنجازه بعد.

خاتمة
تُظهر هذه الورقة أن الصفات والأدوار التي أُلصقت بأجهزة المخابرات أثناء الربيع العربي كانت متعددة ومتناقضة. فقد صورت هذه الأجهزة على أنها "حارس النظام" و"أداة القمع"، لكنها صورت أيضاً على أنها "مُخفقة" و"عاجزة" عن التنبؤ بالانتفاضات. وصورت على أنها "مهندس الثورة المضادة"، لكنها صورت أيضاً على أنها "مستفيدة" و"قادرة على إعادة إنتاج نفسها". وهذه الصفات المتناقضة لم تكن مجرد أوصاف موضوعية، بل كانت في كثير من الأحيان صوراً ذهنية مصطنعة تخدم أغراضاً سياسية متعارضة.
والدرس المركزي الذي يمكن استخلاصه هو أن أجهزة المخابرات العربية لم تكن مجرد "أدوات" في يد السلطة، بل كانت فاعلاً استراتيجياً له مصالحه البيروقراطية وقدرته على المناورة والتكيف. وقد أظهرت هذه الأجهزة قدرة استثنائية على البقاء وإعادة إنتاج الذات، حتى في ظل سقوط الأنظمة التي كانت تحميها. وهذا يعني أن أي حديث عن "التحول الديمقراطي" في العالم العربي لا يمكن أن يكون جاداً دون إصلاح حقيقي وشامل لقطاع الأمن، يضمن خضوع هذه الأجهزة للرقابة المدنية، واحترامها لحقوق الإنسان، وتحديد صلاحياتها بموجب القانون.

المراجع
1. عبد الفتاح، لؤي. "الاستخبارات وصنّاع القرار في العالم العربي: تشخيص العلاقة وضوابط الحوكمة الديمقراطية." حِكمة، معهد الدوحة للدراسات العليا، العدد 11. https://hikama.dohainstitute.org/ar/issue011/Documents/Hikama-11-abdelfetah.pdf
2. Filiu, Jean-Pierre. From Deep State to Islamic State: The Arab Counter-Revolution and Its Jihadi Legacy. London: Hurst & Company, 2015.
3. United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (UNESCWA). Arab Security Sector Transition: Towards a New Security Governance. https://unescwa.org/sites/default/files/pubs/pdf/arab-security-sector-transition-en.pdf
4. "دور الأجهزة الاستخباراتية بعد الربيع العربي." الجزيرة نت، 1 أكتوبر 2014. https://www.aljazeera.net/opinions/2014/10/1/دور-الأجهزة-الاستخباراتية-بعد-الربيع
5. "إصلاح أجهزة الأمن... مهمّة لم تنجزها دول الربيع." رصيف22، 25 أكتوبر 2016. https://raseef22.net/article/16083
6. Chaise, Mariana Falcão. Mudanças de regime no pós-Primavera Árabe? Obstáculos a partir das polícias políticas no Egito, na Argélia e na Tunísia. Dissertação, Universidade Federal do Rio Grande do Sul, 2017. http://hdl.handle.net/10183/159200
7. Ryan, Curtis R. "Security Dilemmas and the Security State Question in Jordan." Middle East Centre Blog, London School of Economics, 29 December 2014. https://blogs.lse.ac.uk/mec/2014/12/29/security-dilemmas-and-the-security-state-question-in-jordan/
8. Ashour, Omar, and Dana El Kurd. "The Arab Spring and the Challenges of Security Sector Reform." In After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Transition Theory, edited by Abdelwahab El-Affendi and Khalil Al Anani, 251-273. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021.
9. Al Hendi, Ahed. "The Structure of Syria s Repression." Foreign Affairs, 3 May 2011. https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2011-05-03/structure-syrias-repression
10. Türk, Osman. "From Deep State to Islamic State: The Arab Counter-Revolution and Its Jihadi Legacy." Insight Turkey, 2017. https://www.insightturkey.com/author/osman-turk/file/39
11. Matei, Florina, and Jumana Kawar. "Tunisia s Post–Arab Spring Intelligence Reform." International Journal of Intelligence and CounterIntelligence, 2020. https://calhoun.nps.edu/handle/10945/63954
12. "Arab revolts jolt Western intelligence." UPI, 31 May 2011. https://www.upi.com/Top_News/Special/2011/05/31/Arab-revolts-jolt-Western-intelligence/UPI-96301306867145/
13. Planty, Donald J. "Security Sector Transformation in the Arab Awakening." United States Institute of Peace Special Report 317, September 2012. https://www.usip.org/sites/default/files/SR317.pdf
14. "Ali Mamlouk." SETF. https://setf.ngo
15. "New leaders in Egypt and Tunisia, same security forces." The World from PRX, 31 July 2016. https://theworld.org
16. Dickey, Christopher. "How the Arab Spring Has Weakened U.S. Intelligence." Newsweek, 12 June 2011. https://dailyalert.org/archive/index.php?id=27261
17. "Egypt: A Decade of Counter-Revolution." Rosa-Luxemburg-Stiftung, 3 July 2023. https://www.rosalux.de
18. Journal of Security, Intelligence, and Resilience Education. https://jsire.org
19. "Mudanças de regime no pós-Primavera Árabe?" CPLP. https://rc.cplp.org
20. "Arab Spring and the Mukhabarat moment." The Free Library, 1 November 2011. https://www.thefreelibrary.com
21. "US intel official acknowledges missed Arab Spring signs." Los Angeles Times, 19 July 2012. https://www.latimes.com
22. "Egypt: General Intelligence." Mom-RSF, 18 April 2026. https://egypt.mom-rsf.org



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العسس في الإسلام: النشأة والتطور
- سيناريوهات حادثة طائرة “فلاي دبي”: الأبعاد السياسية والاقتصا ...
- المخابرات وهندسة المستقبل: دراسة معمقة في رواية 1984 لجورج أ ...
- من التقييم الاستخباري إلى القرار الاستراتيجي: دراسة آلية دعم ...
- الأنشطة الاستخبارية الغامضة ودورها في نجاح العمليات السرية: ...
- قراءة تحليلية في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياه ...
- تركيا وإسرائيل، حرب غزة 2023: كيف أنهت ما تبقى من جسور التوا ...
- الفيزياء الكمية للروح: نماذج نظرية، ومآزق تجريبية، وتأملات ف ...
- هل رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي للبيجر في الأمم المتحدة رسالة ...
- إسرائيل 2048: مخطط لقوة جيوسياسية صاعدة غير متماثلة
- السيف والوردة: جدلية الحرب والحب في شعر أبي الطيب المتنبي
- الحرب في مرآة الشعر: قراءة مقارنة في فلسفة الحرب عند المتنبي ...
- كيف سيشكل نتنياهو الحكومة القادمة؟
- استثمار النفط والغاز في شرق المتوسط: مشروطٌ بتوافق إقليمي
- كيف أصبح أطفالنا «حق النقض» في غرفة النوم
- خطوط الصدع في شرق المتوسط: تحليل بنيوي للتناقضات السياسية وا ...
- تطبيق نموذج غريماس على الخطاب الدبلوماسي
- الأحكام المسبقة للنموذج الدبلوماسي العابر للوطنية
- الأمم المتحدة في عصر -قانون الغاب-: القيمة والرهانات ، محمد ...
- قراءة في كتاب -الثورة السورية: من قبضة البعث إلى الحرية- الص ...


المزيد.....




- باكستان تعلن عن موعد ومكان انعقاد الاجتماع الجديد لدول -اتفا ...
- مختبر متنقل للكشف عن إيبولا يقلص زمن تشخيص المرضى في الكونغو ...
- مغامر إستوني يمشي على حبل مشدود على ارتفاع 120 مترا فوق سيول ...
- اشتباكات بين طلاب فرنسيين والشرطة مع اتساع احتجاجات المدارس ...
- في ظل تصاعد التوتر مع الصين.. وصول أول مقاتلتين -إف-16 في- أ ...
- مصر تطرد دبلوماسيا إثيوبيّا -تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل- و ...
- مطلب أممي من واشنطن.. عالجوا ضحايا تجاربكم النووية في جزر ما ...
- -شبكات-.. استهداف محطة كهرباء بالمدينة المنورة وأزمة الديزل ...
- بصر الطفل.. الكشف المبكر من أجل رؤية أفضل في المستقبل
- إعادة تشكيل البنتاغون.. إصلاحات هيغسيث بين تحديث الحرب وتفكي ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - الصفات والأدوار التي أُلصقت بأجهزة المخابرات أثناء الربيع العربي