جابر احمد
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 02:45
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
سبق أن كتبت مقالاً مختصراً عن حقل سهراب النفطي تحت عنوان: «مأساة هور العظيم بعد مأساة هور الحويزة»؛ فهور العظيم هو المحطة الوحيدة للطيور المهاجرة وموطن لغيرها من الأسماك والكائنات المائية الأخرى، فضلاً عن كونه الفلتر المتبقي الوحيد الذي يفلتر تراب العواصف التي تهب على إقليم الأهواز. وهذه المرة سوف أقوم بترجمة مقالة تتعلق بالهور للسيدة نادرة الوائلي، التي نشرتها تحت عنوان «حقل سهراب النفطي منزل الطيور المهاجرة»، وقد أجريت بعض التعديلات عليها وفقاً لما تقتضيه الترجمة للعربية، خاصة الأسماء التاريخية، لأن الكاتبة كتبت مقالتها وهي تعلم جيداً أنها لن تُنشر إذا ذكرت تلك الأسماء. وفيما يلي ترجمة المقالة:
يهدد شق الطرق من قبل الشركات النفطية وأضواؤها الكاشفة، والتلوث الناتج عن أعمال هذه الشركات وما تحدثه من ضوضاء نتيجة فتح الطرق في عمق «هور العظيم»، أمن موطن الطيور وإمكانية تعشيشها وتكاثرها. لقد حل الخريف وبدأت هجرة الطيور الشتوية إلى إقليم الأهواز (عربستان)، حيث يُعتبر «هور العظيم» أكبر مستضيف لهذه الطيور المهاجرة، وهو يعيش ظروفاً بيئية حرجة؛ فقد بقي الهور يعاني طوال الصيف من الجفاف، كما أنه يعاني في الوقت الراهن من جفاف تصل نسبته إلى ما يقارب 60 بالمئة، بينما استمرت أنشطة البحث والتنقيب عن حقول النفط بكثافة. وقد استمر هذا البحث بالتزامن مع الثامن من مهر (تشرين الأول/أكتوبر) 2026، وهو «اليوم العالمي لحماية الطيور المهاجرة» الذي أُقيم هذا العام تحت شعار «لكل طير نصيب». وفي الوقت نفسه، صدر إذن حكومي يسمح بتطوير حقل سهراب النفطي، مما يزيد من المخاوف بشأن تدمير ما تبقى من هذا المسطح المائي الوحيد في هور العظيم. ورغم أن الخبراء حذروا من أن تنفيذ مشروع «سهراب النفطي» سيخلف تداعيات بيئية لا تُحمد عقباها، إلا أن «منظمة حماية البيئة» لم ترد بعد على مطالبات إلغاء رخصة تنفيذ هذا الحقل، حيث يُخشى أن تؤدي مشاريع النفط من خلال توسعها إلى القضاء على «كنز أهوار الشرق الأوسط» وممر هجرة الطيور إلى الأبد، لأن الحقول النفطية ستفتك بأسراب طائر الفلامينغو وغيره من الطيور المهاجرة.
في أوائل تموز/يوليو 2023، عندما توجه المراقب البيئي لتفقد أول مستعمرة لطائر الفلامينغو في هور العظيم، صُدم برؤية أعشاش محطمة وقشور بيض من دون أن يشاهد أي أثر لصغار الفلامينغو. ولم تمضِ سوى أسبوعين فقط على إحصاء 367 فرخاً وتسجيل مستعمرة جديدة للفلامينغو في عموم الإقليم وهور العظيم، حتى باتت اليوم كلها في خبر كان، بعد أن وقعت صيداً سهلاً للكلاب التي جلبتها معها معسكرات شركات النفط إلى الهور. فقد بنت طيور الفلامينغو أعشاشها الطينية في وسط الهور، بين أبراج النفط وشعلات الغاز، في مكان كان عمق الماء فيه مناسباً ويُعتقد أنه آمن وبعيد عن المنشآت النفطية. كان ذلك الصيف هو الأول والأخير لتكاثر الفلامينغو في هور العظيم. وظل المراقبون البيئيون لفترة طويلة في حداد على الموت الجماعي لصغار الفلامينغو، وكان غضبهم من هذه الحادثة المريرة أشد بكثير من غضبهم بسبب حفر آبار غير مرخصة في حقل «ياران» النفطي، إلا أن هذا الخبر، رغم أهميته، تجاهلته وسائل الإعلام ولم تشر إليه.
وفي هذا المجال، أدلى رئيس إدارة حماية وإحياء الأهوار في «مديرية حماية البيئة في عربستان»، السيد موسى مدحجي، بتصريح لصحيفة «بيام ما» قال فيه: «كانت هذه المستعمرة مهمة للغاية بالنسبة لنا، ولو زاد عدد طيور الفلامينغو لكانت شكلت جذباً سياحياً نظراً لإمكانية مشاهدتها بمنظار الرؤية المقربة. وقد قُدّر عدد الأعشاش في هذه المستعمرة بين 300 إلى 400 عش، لكن كلاب شركات النفط قضت عليها جميعاً». ويضيف السيد مدحجي: «لقد تواصلنا كتابياً مع هذه الشركات لإيجاد حل للكلاب السائبة في المواقع والأماكن المنتشرة بهور العظيم، وحجزها وتقديم الطعام لها على الأقل، لكن نداءنا صُمّت عنه الآذان ولم نحصل على أي نتيجة حتى الآن».
لقد بدأت عملية البحث والتنقيب عن النفط في الأهوار قبل نحو عقدين من الزمن مع تخصيص حوالي ثمانية آلاف هكتار من الأهوار لاستخراج النفط. فهور العظيم، الذي كان قد أُصيب في مقتل إثر بناء «سد الكرخة»، وجد نفسه يصارع تحديات كبرى أخرى من قبل شركات النفط. وخلال هذه الفترة، جُفف نصف مساحة هور العظيم، ولم يتبقَّ منها في الوقت الراهن إلا أقل من 40 بالمئة كمسطحات مائية أو رطبة. أما ما يهم مسؤولي النظام باهتمام أقل فهو تأثير حضور النفط على تواجد الطيور، ولا سيما الطيور المهاجرة، في هور العظيم.
وأشار رئيس إدارة حماية وإحياء الأهوار، السيد موسى مدحجي، إلى أهمية هور العظيم كمحطة لهجرة الطيور، مبيناً وجود ثلاثة مسارات لهجرة الطيور في إيران تشمل: سيبيريا، وأوروبا الشرقية، وجنوب أفريقيا. وتتأثر أهوار البلاد في المحافظات الأخرى بأحد هذه المسارات، بينما تكمن ميزة أهوار المنطقة، «هور العظيم» وهور الفلاحية، في استضافتها للطيور القادمة من المسارات الثلاثة جميعها. ومع ذلك، تشير الإحصاءات في السنوات الأخيرة إلى انخفاض أعداد الطيور المهاجرة إلى هور العظيم؛ فبناءً على عمليات الإحصاء الشتوية لعام 2026، تم رصد 71,584 طائراً في هذا الهور، مقارنة بـ88,585 طائراً في عام 2023.
ويعد فقدان الأمن، ووفرة الغذاء، والصيد الجائر، وتغير المناخ، والملوثات، والظروف غير الطبيعية مثل أعمدة الكهرباء والتيارات المغناطيسية، من العوامل التي تؤثر على هجرة الطيور وفقاً لتصريحات مدحجي، الذي أضاف: «إن انخفاض أعداد هذه الطيور في هور العظيم يعود إلى موجات الجفاف، وعدم توفير الحصة المائية الكاملة للهور، وتخريب الموطن بسبب استقرار شركات النفط ومد الطرق، والوصول إلى النقاط البكر في الأهوار، مما تسبب في فقدان أمن هذه الطيور. ومن جهة أخرى، خلقت الأبراج وحركة السيارات تأثيرات سلبية على البيئة. كما أدى تفكيك التربة الناجم عن أعمال الردم في مشاريع شق الطرق إلى زيادة ملوحة مياه الهور، وتراجع الكائنات الحية والمائية التي تشكل غذاءً للطيور تبعاً لذلك».
وتُعد أهوار هور العظيم الحدودية في جنوب غربي البلاد آخر ما تبقى من أهوار بلاد ما بين النهرين، حيث يقع ثلثها في إيران وثلثاها في العراق.
بدوره، يصف «كرامت حافظي بيرگاني»، عضو «لجنة تسجيل الطيور في إيران» (IBRC) وممثلها في المنطقة، هور العظيم في حواره مع صحيفة «بيام ما» بأنه كنز أهوار الشرق الأوسط والممر العالمي لهجرة الطيور في آسيا وأوروبا وأفريقيا؛ فمن بين 411 نوعاً من الطيور المسجلة، تم تسجيل أكثر من 300 نوع منها في هور العظيم: «هذه الأهوار الواقعة بين النهرين هي موطن فريد يضم أنواعاً من الطيور. تعيش في هذا الهور طيور متنوعة، منها طيور مهاجرة صيفية، وطيور شتوية، وأخرى عابرة. وقد شوهد بين 20 إلى 30 نوعاً من الطيور المهددة بالانقراض والمدرجة في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) داخل هور العظيم؛ من بينها البط المرقط، والبجع الأبيض، والبط الحذري. كما تعتبر موطناً لحيوانات نادرة مثل قضاعة بلاد ما بين النهرين (كلب الماء الناعم)، وفأر ذيل النهرين الطويل، وسلحفاة الفرات. إضافة إلى طيور نادرة جداً في الشرق الأوسط مثل طائر الثعبان (المغرز)، واللقلق الأفريقي، ومالك الحزين العملاق. ولكننا، للأسف، نرى أن هور العظيم، الذي يُعد من أهم أهوار العالم وأهم مركز لمراقبة الطيور في الشرق الأوسط، غير مسجل في قائمة اتفاقية رامسر للأهوار (رامسر سايت)».
ويصف ظروف المحافظة على هور العظيم بالحرجة، قائلاً: «إن المشاريع النفطية تدمر الموطن الطبيعي للطيور. ورغم أنه يمكن تنفيذ هذه المشاريع بمخاطر أقل، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن، ولم نشهد أي رعاية خاصة أو التزام بالمعايير البيئية. ولا يمكن حصر التلوث بالتلوث النفطي وحده؛ فمع حضور النفط في الهور نواجه التلوث الضوضائي والضوئي، ومحلات الإقامة، وشق الطرق، وتغيير المشهد الطبيعي للأهوار. فقد تحولت الأهوار، بسبب أبراج الكهرباء العالية والأسلاك الطويلة، إلى ورشة عمل، ونتيجة لوجودها في مسار طيران الطيور فإنها تتسبب في صعق وموت عدد كبير منها. كما أن شق الطرق أتاح الوصول إلى كل نقطة، وبسبب وجود آلاف الكلاب السائبة التي جلبتها شركات النفط معها إلى الأهوار، باتت حياة الطيور وأعشاشها في خطر داهم».
ويُعد حقل سهراب خامس حقل نفطي في هور العظيم بعد حقول «آزادگان الشمالي»، و«آزادگان الجنوبي»، و«ياران الشمالي»، و«ياران الجنوبي». وقد صدرت الرخصة البيئية لتطوير مشروع سهراب في 25 مرداد (أغسطس) 2025 عن منظمة حماية البيئة، في حين كانت لجنة التقييم التابعة للمنظمة نفسها قد رفضت المشروع في أذر (ديسمبر) 2023 بسبب احتمال وقوع أضرار جسيمة وجفاف أجزاء واسعة من هور العظيم. وأثار إصدار هذه الرخصة احتجاجات واسعة طالب خلالها الخبراء والنشطاء والأهالي المحليون بإلغائها. ومن المقرر، ضمن عقد تطوير مشروع سهراب النفطي الممنوح للشركات المقاولة لمدة 20 عاماً، أن يتم خلال هذه الفترة حفر أكثر من 20 بئراً نفطياً، وإنشاء 6 مواقع جديدة لرؤوس الآبار، ومركز تصفية، ومحطة ضخ، ومد 58 كيلومتراً من خطوط أنابيب نقل النفط إلى الخزان رقم 1 الواقع شمال الهور، وهو الجزء المائي الوحيد وموطن الحياة الفطرية فيه.
ويوضح «حسين محمودي»، عالم اجتماع البيئة وعضو الهيئة التعليمية في «جامعة الشهيد بهشتي»، في حواره حول آثار تطوير حقل سهراب النفطي على هور العظيم كموطن للطيور المهاجرة، فيقول: «بناءً على إحصاءات الطيور الشتوية المهاجرة لعام 2026، رُصد 141,720 طائراً في إقليم الأهواز، نصفها تقريباً يعيش في هور العظيم، مما يعكس عظمة هذا الموطن. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي تركز عليه مديرية البيئة في الإقليم حول مشروع سهراب هو المسائل المتعلقة بالشؤون الهيدرولوجية والحصة المائية. وهي أمور هامة، ولكن ما يتم تجاهله بوضوح من قبل القائمين على هذا المشروع هو التلوث والضوضاء والأضواء؛ أي تلك العوامل التي تؤثر على الطيور، التي تشكل الأغلبية الساحقة من كائنات هور العظيم الحية، عدداً وجودة».
وفي تقرير التقييم البيئي لتطوير حقل سهراب النفطي، وُصفت مصادر التلوث الضوضائي بأنها تشمل حركة الآليات الثقيلة، ونقل وتخزين المواد والمعدات، وأعمال اللحام، والحفر، والردم، وأصوات الحفارات والخلاطات والاهتزازات الناتجة عنها، فضلاً عن أصوات الضواغط والمراوح ومضخات الهواء والورش. ويشرح محمودي قائلاً: «وفقاً لتقديرات التقرير، يرتفع مستوى الضوضاء والاهتزازات في المنطقة أثناء تشغيل الأجهزة إلى مستوى يتراوح بين 85 إلى 115 ديسيبل، وهو أعلى بكثير من المعيار المتعارف عليه للمناطق المفتوحة، سواء كان ذلك في النهار أو الليل (والبالغ 70 ديسيبل). وتشير مصادر أخرى إلى أن المعيار الملائم لتواجد الطيور يجب أن يكون أقل من 50 ديسيبل (أو حتى 40 ديسيبل)، مما يعني أن هذا المشروع سيولد ضوضاء تفوق المعيار الطبيعي بضعفين إلى ضعفين ونصف، وهو ما يؤدي قطعاً إلى إفراغ المنطقة من الطيور المهاجرة وبقية الكائنات وحملها على الفرار، خاصة الطيور المهاجرة التي تتميز بطبيعة برية حساسة تجاه أي أصوات وأضواء. وأما فيما يتعلق بالتلوث الضوئي، فرغم الوعود بنقل الشعلات الناتجة عن غاز آبار النفط إلى خارج حدود الهور، إلا أن الكشافات وأضواء الإنارة المنصوبة في منصات العمل ستظل تُحدث تغييراً في إيقاع حياة الطيور وسلوكياتها».
ويؤكد محمودي في تصريحه أن غياب المعيار الحقيقي للتلوث الناتج عن الضوضاء والضوء في تقارير التقييم يجعلها مجرد تقارير ورقية لا تعكس حقيقة النظام البيئي المائي للأهوار، محذراً من أن هوراً بلا كائنات حية وطيور مهاجرة يفقد قيمته الإيكولوجية ووظائفه الطبيعية تماماً، مما ينذر بكارثة بيئية ونفسية تحيط بالبيئة وسكان المنطقة على حد سواء.
#جابر_احمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟