|
|
تحليل قرار الحكومة العراقية برفع سعر صرف الدولار (أكتوبر 2026): الآثار والبدائل
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
خليل ابراهيم كاظم الحمداني باحث في مجال حقوق الانسان مقدمة: سياق القرار في 7 أكتوبر 2026، أقرّ مجلس الوزراء العراقي تعديلاً جديداً لسعر صرف الدينار مقابل الدولار، محدّداً سعر البيع النهائي للمواطنين بـ1520 ديناراً لكل دولار، بعد أن كان السعر الرسمي السابق 1320 ديناراً. ويُعد هذا التعديل الثالث من نوعه بعد قرار ديسمبر 2020 (خفض الدينار إلى 1450) وقرار فبراير 2023 (رفع السعر إلى 1310). جاء القرار في ظل ظروف اقتصادية استثنائية، أبرزها الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز الذي أثّر سلباً على الصادرات النفطية العراقية التي تؤمّن أكثر من 90% من إيرادات الدولة. وقد اتخذ القرار بناءً على توصية مشتركة من وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، وفقاً لصلاحيات مجلس الوزراء في إقرار السياسة النقدية. أولاً: الإيجابيات المحتملة للقرار 1. معالجة أزمة السيولة وتقليص الفجوة بين السوقين الرسمية والموازية كان الهدف المعلن للقرار هو تقليص الفجوة المتسعة بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازية الذي كسر حاجز 1600 دينار للدولار الواحد في الأسابيع السابقة للقرار. ويهدف رفع السعر الرسمي إلى جسر هذه الفجوة، مما يقلل الحافز للتعامل في السوق السوداء ويوجّه الطلب على الدولار نحو القنوات الرسمية. غير أن الشواهد الميدانية الفورية تشير إلى أن القرار لم يحقق هذا الهدف بالكامل، إذ قفز سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 1800 دينار بعد ساعات من إعلان القرار، مع شبه توقف في تداول العملة الأجنبية وإغلاق أغلب المخازن التجارية ومحال البيع بالجملة أبوابها. ويعزو المراقبون ذلك إلى أن رفع السعر الرسمي لم يخلق دولارات إضافية في السوق، بل غيّر فقط القيمة الدفترية للدولار الموجود، مما دفع التجار والمضاربين إلى رفع أسعارهم استباقاً لمزيد من الارتفاعات. من ناحية أخرى، يوفّر رفع السعر الرسمي للحكومة مكاسب مالية فورية على صعيد الإيرادات النفطية. فعند تحويل إيرادات النفط بالدولار إلى دنانير بسعر 1500 بدلاً من 1310، تحصل الخزينة على فارق يقدّر بنحو 19.2 تريليون دينار إضافية سنوياً، مما يساعد في تغطية عجز الموازنة. ويوضح تحليل وكالة AP أن خفض قيمة الدينار يعني أن كل دولار يُكتسب من صادرات النفط يجلب دنانير أكثر، مما يساعد الحكومة العراقية على تغطية نفقاتها المحلية. وهذا يعني أن القرار يمنح الحكومة هامشاً مالياً أكبر لتمويل الرواتب والنفقات العامة دون الحاجة إلى الاقتراض أو استنزاف الاحتياطيات النقدية. 2. تحفيز الاستثمار الأجنبي وتحسين القدرة الاقتصادية للدولة من الناحية النظرية، يمكن أن يؤدي خفض قيمة الدينار إلى تحسين القدرة التنافسية للصادرات العراقية غير النفطية (وإن كانت محدودة) وتقليل الواردات الاستهلاكية، مما قد يشجع على تنمية الإنتاج المحلي على المدى المتوسط. ويشير تقرير معهد MERI إلى أن تبني سعر صرف مرن لن يدعم فقط قطاعات الاقتصاد الأخرى، بل سيخفض تكاليف الأجور والمنتجات المحلية. غير أن الواقع يشير إلى تحديات كبيرة في هذا الجانب. فقبل القرار، بلغ حجم الاستثمار في العراق خلال عامين 102 مليار دولار، منها 62% استثمارات أجنبية. لكن استمرار عدم الاستقرار في سعر الصرف قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى تأجيل مشاريعهم أو تقليصها، خاصة أن العراق ما يزال مصنفاً على "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، مما يزيد من المخاطر التنظيمية والبيروقراطية التي تواجه المستثمرين. ويضاف إلى ذلك أن ارتفاع كلفة الاقتراض عالمياً وارتفاع أسعار الفائدة الأميركية يدفعان المستثمر الأجنبي نحو الأصول الآمنة والابتعاد عن الأسواق الناشئة، مما يعني عملياً تأجيل بعض المشاريع وتقليص تدفقات الأموال إلى العراق. ثانياً: السلبيات المحتملة للقرار 1. تآكل القدرة الشرائية للمواطنين يُعدّ الأثر الأكثر مباشرةً لقرار رفع سعر الصرف هو تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول الثابتة والمحدودة. فمع رفع سعر بيع الدولار للمواطن من 1320 إلى 1520 ديناراً، يصبح شراء الدولار أغلى بنسبة تقارب 15%، مما يخفض القيمة الحقيقية للدخل والمدخرات بالدينار. ويشير تحليل رويترز إلى أن خفض قيمة الدينار "يرفع كلفة الواردات ويقلل القدرة الشرائية للأسر". وبحسب تقديرات نيابية، تآكلت قيمة الرواتب بأكثر من 20% بعد القرار، إذ كان المواطن الذي يتقاضى راتباً قدره مليون دينار يحصل على ما يعادل نحو 757 دولاراً، وقد انخفضت هذه القيمة إلى ما يقارب 658 دولاراً بالسعر الجديد، وإلى نحو 610 دولارات إذا احتُسب السعر الموازي البالغ 1700 دينار. ويشير هذا إلى أن التأثير لا يقتصر على الفئات الفقيرة فقط، بل يمتد إلى شرائح واسعة من ذوي الدخل المتوسط، مما يعني وقوع ملايين العراقيين تحت ضغط معيشي يتعلق بالاحتياجات الأساسية وفي مقدمتها الغذاء والدواء. 2. ارتفاع الأسعار والتضخم المستورد يعتمد السوق العراقي بشكل كبير على الواردات، إذ يصل حجم الاستيراد السنوي إلى نحو 85 مليار دولار. ولأن جزءاً كبيراً من هذه الواردات يُسعّر بالدولار، فإن أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس مباشرةً على أسعار السلع المستوردة. ويوضح الخبير الاقتصادي دريد العنزي أن "ارتفاع الدولار يدفع إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، فيما قد يلجأ التجار إلى تأجيل البيع وتخزين البضائع انتظاراً لارتفاعات جديدة في سعر الصرف". وقد حذّر من أن تثبيت سعر البيع عند 1520 ديناراً قد يدفع بعض التجار إلى البيع بأسعار تصل إلى 1650 أو 1700 دينار. وقد أشار تقرير مؤسسة "عراق المستقبل" إلى أن انخفاض قيمة الدينار يزيد من التكلفة الدينارية للسلع المستوردة ويؤدي إلى التضخم. كما حذّرت تحليلات من أن معدلات التضخم قد ترتفع إلى نحو 5% نتيجة لهذا القرار، مع احتمال انسحاب بعض المستثمرين بسبب التذبذب في سعر الصرف. ويُتوقع أن يلجأ التجار إلى تأجيل البيع وتخزين البضائع انتظاراً لارتفاعات جديدة في سعر الصرف، مما يزيد من ندرة السلع ويرفع أسعارها بشكل أكبر. 3. تفاقم الفقر واتساع دائرة المتضررين يُعدّ الفقر من أخطر التداعيات المحتملة لقرار رفع سعر الصرف. فقبل القرار، كان العراق يعاني أصلاً من تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، حيث بلغ معدل البطالة 15.5% في 2024، مع تأثر النساء بشكل غير متناسب (30.4%) مقارنة بالرجال (13.3%). كما أن 47% من الأطفال العراقيين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد. وفي هذا السياق، حذّر الخبير الاقتصادي دريد العنزي من أن ارتفاع معدلات الفقر قد يتراوح بين 15% و20% مع زيادة سعر الدولار. ثالثاً: الأثر على حقوق الإنسان 1. الحق في مستوى معيشي لائق يُعدّ الحق في مستوى معيشي لائق، بما يشمل الغذاء والمسكن والرعاية الصحية، من الحقوق الأساسية المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أكدت الأمم المتحدة في تقاريرها أن التضخم وتخفيض قيمة الدينار العراقي قد قلّصا القدرة الشرائية للأسر، مما أدى إلى تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي. ومع قرار رفع سعر الصرف الجديد، من المتوقع أن تتفاقم هذه الأوضاع، خاصةً أن الفئات الأكثر ضعفاً - كالمتقاعدين والموظفين وأصحاب الدخل المحدود - هي الأقل قدرة على تحمّل أعباء ارتفاع الأسعار. 2. الحق في الصحة والتعليم يؤثر تدهور القدرة الشرائية سلباً على وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية والتعليمية. فمع ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة، يصبح الحصول على الرعاية الصحية أكثر صعوبة بالنسبة للفئات الفقيرة. كما أن اضطرار الأسر إلى تقليص إنفاقها لتغطية الاحتياجات الأساسية فقط - كالغذاء - يعني حرمان الأطفال من فرص التعليم والأنشطة التنموية. وقد أشارت دراسات سابقة إلى أن انهيار قيمة الدينار العراقي في تسعينيات القرن الماضي أدى إلى تدهور حاد في الظروف المعيشية، وتأثر الحق في التعليم بشكل بالغ بفعل الفقر. 3. الفئات الأكثر ضعفاً: النساء والأطفال تتحمل النساء والأطفال بشكل غير متناسب تبعات الأزمات الاقتصادية. فمع ارتفاع الأسعار، تضطر النساء - اللواتي يتحملن عادةً عبء إدارة شؤون الأسرة - إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والدواء، مما يزيد من مخاطر سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي. كما أن ارتفاع معدلات الفقر يدفع بعض الأسر إلى سحب أطفالها من المدارس لدفعهم إلى سوق العمل، مما يهدد حقهم في التعليم ويعيد إنتاج دورة الفقر عبر الأجيال. رابعاً: الاستناد إلى بيانات ودراسات سابقة تُقدم التجارب السابقة في العراق أدلة مهمة على تداعيات تخفيض قيمة الدينار. فقد أظهرت دراسة أكاديمية شملت الفترة 2020–2023 أن التقلبات في أسعار صرف الدولار مقابل الدينار العراقي أثّرت سلباً على الأفراد، وأدت إلى ارتفاع التضخم والبطالة ومستوى الفقر، وزيادة الأسعار العامة وأسعار السلع المستوردة. كما أشارت دراسة أخرى إلى أن تخفيض قيمة الدينار بنسبة 22% في ديسمبر 2020 قوبل بمعارضة واحتجاجات بسبب آثاره السلبية على القدرة الشرائية للمنتجات المستوردة. وفيما يخص تمرير سعر الصرف إلى التضخم، وجدت دراسة اقتصادية حديثة (2026) باستخدام نموذج ARDL الديناميكي أن تأثير تغيرات سعر الصرف على التضخم في العراق كان "ضعيفاً ومتأخراً" في معظم الفترات، وأن إدارة سعر الصرف وحدها ليست كافية للسيطرة على التضخم، بل يتطلب الأمر معالجة العوامل المحلية والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية. وهذا يعني أن رفع سعر الصرف قد لا يحقق الاستقرار السعري المطلوب إذا لم تُتخذ إجراءات مصاحبة لضبط الأسواق وحماية المستهلك. خامساً: تساؤل حول التعويم: هل يشكل حلاً جذرياً؟ 1. ما هو التعويم؟ يُعرّف تعويم العملة (Floating Exchange Rate) بأنه تحرير سعر صرف العملة الوطنية ليصبح محرراً بشكل كامل، فلا تتدخل الحكومة أو البنك المركزي في تحديد سعره، بل يُترك لآلية العرض والطلب في سوق العملات. ويختلف التعويم عن نظام سعر الصرف الثابت أو المُدار الذي يعتمده العراق حالياً، حيث يحدد البنك المركزي العراقي سعر الصرف الرسمي للدينار مقابل الدولار. 2. المزايا المحتملة للتعويم من الناحية النظرية، يمنح نظام التعويم عدة مزايا: - تحفيز الصادرات: يؤدي التعويم إلى جعل السلع المحلية أرخص نسبياً في الأسواق الخارجية، مما يعزز القدرة التنافسية للصادرات غير النفطية. - الاستجابة المرنة للصدمات: يتمتع نظام التعويم بقدرة على الاستجابة المرنة للصدمات الخارجية دون استنزاف الاحتياطيات الأجنبية. - استقلالية السياسة النقدية: يمنح التعويم البنك المركزي حرية أكبر في استخدام أدوات السياسة النقدية لتحقيق أهداف محلية، بدلاً من التركيز على الحفاظ على سعر صرف ثابت. - تقليل المضاربة: قد يؤدي التعويم إلى تقليل المضاربة على العملة الأجنبية، لأن السعر يتحدد بالسوق بدلاً من أن يكون هدفاً للتدخل الحكومي. 3. العيوب والمخاطر الجوهرية للتعويم في الحالة العراقية غير أن تطبيق التعويم في العراق يواجه تحديات جوهرية تجعل من غير المرجح أن يشكل حلاً جذرياً في المدى القصير: أولاً: الاقتصاد الريعي وهشاشة التنويع. يعتمد العراق على النفط بنسبة تتجاوز 90% من إيراداته، وهو ما يجعل العملة الوطنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتقلبات أسعار النفط. ويشير تحليل Nidaba Capital Hub إلى أن "ضرورة تحقيق الاستقرار في التعاملات الخارجية ووفرة الغطاء الدولاري تجعل من نظام الربط الثابت الخيار المرجح للسلطات النقدية في الدول الريعية لضمان التوازن في مؤشرات الاقتصاد الكلي". ففي اقتصاد ريعي كهذا، قد يؤدي التعويم إلى تقلبات حادة في سعر الصرف تعكس تقلبات أسعار النفط العالمية، مما يزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي بدلاً من تقليله. ثانياً: مخاطر الانفلات السعري. يحذّر تحليل أكاديمي من أن التعويم في ظل غياب مؤسسات قوية وأسواق مالية متطورة قد يؤدي إلى "تسارع في تكوين التوقعات التضخمية وانفلات سعري لا يحمد عقباه"، وقد يفقد التعويم معناه كنظام بديل لسياسة سعر الصرف الثابت، وعندها قد يتطلب التدخل بالاحتياطيات الأجنبية مجدداً "ولكن بكلفة عالية لصد التوقعات السعرية وامتصاصها وتوطينها عند مستوى اليقين والاستقرار". ثالثاً: الاعتماد على الدولار في التعاملات الداخلية. يعتمد السوق العراقي بشكل واسع على الدولار في التعاملات اليومية، وهي ظاهرة تُعرف بـ"الدولرة". وقد حذّرت مؤسسة "عراق المستقبل" من مخاطر "دلرة الاقتصاد" وتعميق الفقر في حال تخفيض قيمة الدينار. ففي ظل دولرة واسعة، قد لا يحقق التعويم الفوائد المرجوة، لأن الأسعار والمدفوعات ستبقى مرتبطة بالدولار بغض النظر عن سعر الصرف الرسمي. رابعاً: تجربة العراق السابقة مع التعويم. يشير تحليل Nidaba Capital Hub إلى أن العراق اعتمد بعد 2003 "تعويماً حراً" لسعر الصرف مع غياب سياسة نقدية متماسكة، إلا أن الواقع العملي أظهر أن سعر الصرف في المرحلة الانتقالية اتخذ شكل "التعويم المدار" بفعل تدخل البنك المركزي. وهذا يعني أن العراق جرب شكلاً من التعويم ولم يحقق الاستقرار المنشود، مما دفعه للعودة إلى نظام أكثر تنظيماً. خامساً: القيود المؤسسية والرقابية. يخضع العراق لرقابة صارمة من بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على عائدات النفط المحتفظ بها في نيويورك، وتُفرض قيود على التحويلات المالية الدولية للحد من غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. وفي ظل هذه القيود، فإن أي تعويم كامل للدينار سيكون محدوداً بالضرورة، لأن جزءاً كبيراً من تدفقات النقد الأجنبي يخضع لرقابة خارجية. 4. هل التعويم "حل ثوري" أم "مقايضة" بين أزمات؟ تطرح بعض التحليلات فكرة أن التعويم قد يكون "الحل الأسهل" من خلال "تحميل الفئة الأضعف من أبناء المجتمع عبء تلك الأزمة"، على أساس نجاحه في دول أخرى، فضلاً عن كونه سيمنح الدولة الفرصة لزيادة إيراداتها بالعملة الوطنية لتتمكن من دفع رواتب الموظفين. غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات جوهرية حول العدالة التوزيعية: فمن يتحمل تكلفة التعويم؟ في الحالة العراقية، حيث يعاني 47% من الأطفال من الفقر متعدد الأبعاد، وترتفع البطالة بين النساء إلى 30.4%، فإن أي "حل" يعتمد على تحميل المواطن أعباء إضافية قد يكون غير مقبول اجتماعياً وسياسياً. ويؤكد تحليل مركز المعرفة الرقمي أن التعويم قد يكون "الحل الأسهل وتحميل الفئة الأضعف من أبناء المجتمع عبء تلك الأزمة". وهذا يعني أن التعويم، رغم كونه حلاً نظرياً جذرياً، قد لا يكون حلاً عادلاً في ظل الظروف العراقية الراهنة. سادساً: توصيات للتعامل مع الآثار السلبية بناءً على التحليل السابق، يمكن تقديم التوصيات التالية لمعالجة الآثار السلبية لقرار رفع سعر الصرف: 1. تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي: توسيع نطاق الدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، وربط قيمة الدعم بمؤشر التضخم لضمان عدم تآكل قيمته الحقيقية. كما يجب زيادة مخصصات البطاقة التموينية وضمان استمرارية توزيعها بأسعار مدعومة. 2. الرقابة الصارمة على الأسواق: تكثيف الحملات التفتيشية على الأسواق ووكلاء المواد الغذائية لمنع التلاعب بالأسعار والاحتكار، وفرض عقوبات رادعة على التجار الذين يرفعون الأسعار بشكل غير مبرر أو يحتكرون السلع الأساسية. 3. تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية: بدلاً من الاعتماد على خفض قيمة العملة لسد عجز الموازنة، ينبغي تعظيم الإيرادات غير النفطية عبر تحسين تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية، ومراجعة عقود تراخيص الهاتف النقال وعقود إدارة النفط والغاز، وخفض الإنفاق غير الضروري. ويؤكد الخبير دريد العنزي على أن "معالجة مشكلة الدولار لا تقتصر على سعر الصرف، وإنما تتطلب مساهمة الدولة في تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي". 4. دعم الإنتاج المحلي: توجيه القطاع الخاص نحو الإنتاج والتصنيع المحلي بدلاً من الاستنزاف المستمر للعملة الصعبة في استيراد أبسط السلع، عبر تقديم القروض والتسهيلات للأراضي والمشاريع الإنتاجية. 5. التنسيق بين السياسات المالية والنقدية: تفعيل آليات التنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية لضمان استقرار سعر الصرف وإدارة السيولة بشكل فعّال، مع تعزيز شفافية قرارات السياسة النقدية وإعلانها مسبقاً لتقليل حالة عدم اليقين في الأسواق. 6. حماية حقوق الإنسان في السياسات الاقتصادية: إجراء تقييمات مسبقة لأثر أي قرارات اقتصادية على حقوق الإنسان، خاصةً الحق في الغذاء والصحة والتعليم، وضمان مشاركة المجتمع المدني في صياغة السياسات الاقتصادية. 7. معالجة الفساد: ضرب "رؤوس الفساد الكبيرة" التي تلتهم مشاريع الدولة، وتنشيط الاقتصاد عبر مشاريع تعظّم الإيرادات بدلاً من تحميل المواطن كلفة السياسات الخاطئة. خاتمة يمثل قرار رفع سعر صرف الدولار في العراق خطوة اقتصادية معقدة تحمل في طياتها فرصاً محدودة وتحديات كبيرة. فمن ناحية، قد يساعد القرار في تقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية وتوفير مكاسب مالية للحكومة على المدى القصير. ومن ناحية أخرى، فإن آثاره السلبية على القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار وتفاقم الفقر وحقوق الإنسان - وخاصة للفئات الأكثر ضعفاً - تفرض ضرورة اتخاذ إجراءات تعويضية عاجلة. وفيما يتعلق بتساؤل التعويم، يمكن القول إن التعويم الكامل ليس حلاً جذرياً في الحالة العراقية الراهنة، بل قد يكون "مقايضة" بين أزمات. ففي اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90%، ويعاني من دولرة واسعة وضعف مؤسسي، قد يؤدي التعويم إلى تقلبات حادة في سعر الصرف وانفلات تضخمي أكبر. ويبقى نجاح أي إصلاح نقدي مرهوناً بقدرة الحكومة على تنويع مصادر الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وحماية الفئات الهشة من تبعات السياسات المالية الصارمة. إن الحل الجذري الحقيقي لا يكمن في تغيير سعر الصرف - سواء بالرفع أو التعويم - بل في بناء اقتصاد إنتاجي متنوع يحصّن العراق من تقلبات أسعار النفط ويضمن العيش الكريم لمواطنيه. المصادر
1. البنك المركزي العراقي. "سياسة سعر الصرف." تم الوصول إليه في 7 أكتوبر 2026. https://cbi.iq. 2. مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية. "تحذير من تداعيات خفض قيمة الدينار العراقي." شفق نيوز، 20 يونيو 2026. https://www.f-iraq.com. 3. Nidaba Capital Hub. "Exchange Rate Policies in Iraq: Between the Imperative of a Fixed System and the Reality of a Capped System." 13 مايو 2026. https://nidabacapital.org. 4. منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). "العراق: لمحة قطرية." تم الوصول إليه في 7 أكتوبر 2026. https://www.fao.org. 5. وكالة الأنباء العراقية (واع). "البنك المركزي يحدد سعر صرف جديداً للدولار." 7 أكتوبر 2026. https://www.ina.iq. 6. الجهاز المركزي للإحصاء. "إحصاءات البطالة والفقر في العراق." وزارة التخطيط، بغداد، 2024. 7. الأمم المتحدة. "تقرير التنمية البشرية 2025: العراق." برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نيويورك، 2025. 8. دراسة أكاديمية. "تأثير تقلبات سعر صرف الدينار العراقي على الاستثمارات المحلية والأجنبية خلال المدة 2003-2023: دراسة قياسية." المجلة العراقية للعلوم الاقتصادية (2024). https://openurl.ebsco.com. 9. دراسة أكاديمية. "Exchange Rate Pass-Through to Inflation in Iraq: An Endogenous Structural Breaks-Based Dynamic ARDL Analysis." Zenodo, 3 يونيو 2026. https://zenodo.org. 10. مركز المعرفة الرقمي. "تحليل: بين التعويم والتخفيض، أيهما أنسب للعراق؟" تم الوصول إليه في 7 أكتوبر 2026. https://www.knowledge.nic.in. 11. مجموعة العمل المالي الدولية (FATF). "قائمة الولايات القضائية الخاضعة للرقابة." تم الوصول إليه في 7 أكتوبر 2026. https://www.fatf-gafi.org. 12. رويترز. "Iraq Devalues Dinar 14.5% as Hormuz Disruption Drains Oil Revenue." 7 أكتوبر 2026. https://www.reuters.com. 13. منظمة العفو الدولية. "تقرير حالة حقوق الإنسان في العراق 2025." لندن، 2025. 14. البنك الدولي. "العراق: نظرة عامة على التنمية." واشنطن العاصمة، 2026. 15. صندوق النقد الدولي. "مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع العراق." واشنطن العاصمة، 2025.
#خليل_إبراهيم_كاظم_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مؤسسة تُشاهد ولا تُحاسب: عندما يتحوّل الرصد إلى تبرير عن الم
...
-
عيد أكيتو: التاريخ، الجغرافيا، والراهنية
-
أفول الحلم الديمقراطي في العراق: من سراب الفجر إلى ليل الأول
...
-
تذكرة إلى جنيف: حين تنتصر الدبلوماسية وتبكي العدالة في بغداد
...
-
حقوق الطفل في العراق: بين النصوص المعلَّقة والواقع الموجِع…
...
-
عندما يحتج السفّاح على صوت الضحية- الانسحاب من عضوية مجلس حق
...
-
عائلتي تربح-: عندما يصبح تسطيح العقول مرآة بائسة للشاشة العر
...
-
سقوط نظام صدام وتدوير ثقافته جمهورية التعذيب: العراق وثغرا
...
-
الحماية الاقتصادية والقيم السائلة قراءة في أثر سياسات ترامب
...
-
العدالة في مواجهة السياسة: تداعيات الانسحاب المجري المحتمل م
...
-
كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات،
...
-
حقوق الإنسان كنتاج تاريخي دور الدولة القومية في صياغة مفاهيم
...
-
-الجلادون الجدد: كيف يصنع اللااكتراث مجتمعاتٍ مريضة؟-
-
الخوف من الحرية: بين التاريخ والفلسفة وعلم النفس والأدب
-
التنافر المعرفي وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان: صراع القيم وبر
...
-
الانحيازات المعرفية وتأثيرها على القبول المجتمعي لانتهاكات ح
...
-
الخيانة المقننة: كيف تستخدم الحكومات قوانين العمالة للأجنبي
...
-
تعيين مستشار للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق : أزمة
...
-
السيداو و التوصية 40: هل تجرؤ الحكومات على إعادة تشكيل -خرائ
...
-
العراق في مواجهة التقييم الدولي توصيات الاستعراض الدوري الشا
...
المزيد.....
-
-أين أنا؟ ومن أنتم؟-.. محامي كريستا بايك يكشف أول كلماتها بع
...
-
عبدالملك الحوثي يعدد 4 جهات وقفت مع الفلسطينيين بعد عملية -ط
...
-
سالدو: قوات كييف ترتكب جريمة حرب بقتلها أبا لثلاثة عشر طفلا
...
-
وفاة ماري كارمن أيقونة النضال ضد الإخلاءات في إسبانيا بعد ثو
...
-
الهجمات في هرمز تسجّل أعلى حصيلة أسبوعية منذ بدء الحرب.. وقط
...
-
-صديقي الأعز-.. كيم يهنئ بوتين بعيد ميلاده الـ74 ويؤكد -دعمه
...
-
صلات بحزب الله وتقارب مع طهران.. كيف صعد عبد الملك الحوثي من
...
-
فقمة فيل تفاجئ رواد شاطئ كوباكابانا في ريو وتخطف الأنظار
-
إيران وفرنسا تتبادلان استدعاء السفراء بسبب سجال حول احتجاجات
...
-
تقارير أمريكية عن معضلة تواجهها إدارة ترامب بعد رفضها طلبا ل
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|