خليل إبراهيم كاظم الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 16:15
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
باحث في مجال حقوق لإنسان
المقدمة
يُعدّ عيد أكيتو (Akitu) واحداً من أقدم الأعياد المُوثّقة في التاريخ البشري، إذ تمتد جذوره إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد على أقل تقدير. وهو احتفال رأس السنة في بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا)، مارسه السومريون ثم البابليون والآشوريون، وتطوّر عبر آلاف السنين ليحمل أبعاداً دينية وسياسية وزراعية واجتماعية متشابكة. وما يجعل دراسته راهنة اليوم هو أنه لم يبقَ حبيس الألواح الطينية، بل لا يزال يُحتفَل به في الأول من نيسان/أبريل من كل عام لدى الآشوريين والسريان والكلدان بوصفه رأس السنة الآشورية-البابلية، مما يطرح أسئلة جوهرية حول الاستمرارية الثقافية، والهوية، وسياسات التراث في الشرق الأوسط المعاصر.
1. الفصل الأول: الإطار المفهومي والمنهجي
أ) إشكالية الدراسة
- تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركّبة:
1. تاريخياً: كيف نشأ عيد أكيتو وتطوّر عبر الحقب الحضارية المتعاقبة في بلاد الرافدين؟
2. جغرافياً: ما هو الامتداد المكاني لممارسة هذا العيد، وما علاقة الطقوس بالبيئة الجغرافية الرافدينية؟
3. راهنياً: ما الذي يجعل عيداً عمره أكثر من خمسة آلاف سنة ذا صلة بالواقع المعاصر؟
ب) المنهج
- تعتمد الدراسة منهجاً تاريخياً-تحليلياً يجمع بين:
1. تحليل النصوص المسمارية (السومرية والأكادية)
2. المقاربة الجغرافية-البيئية
3. المقاربة الأنثروبولوجية لفهم الاستمرارية المعاصرة
ج) المصادر
- تستند الدراسة إلى:
1. الألواح المسمارية المنشورة، ولا سيما نصوص طقوس أكيتو البابلية من عصر السلالات المتأخرة
2. ملحمة الخليقة البابلية «إينوما إيليش» (Enūma Eliš)
3. أعمال الآشوريولوجيين مثل جوليان مورغنشتيرن، ومارك كوهين (صاحب الدراسة المرجعية The Cultic Calendars of the Ancient Near East)، وثوركيلد ياكوبسن
4. - الدراسات الإثنوغرافية المعاصرة حول الاحتفالات الآشورية الحديثة
2. الفصل الثاني: التاريخ — الأصول والتطور
أ) الأصل اللغوي والدلالي
- كلمة أكيتو مشتقة من السومرية «أ-كي-تي» (áki-ti)، وقد ارتبطت في أقدم استعمالاتها بعبارة «أكيتي-شِكينكو» (akiti-šekinku) التي تعني حرفياً «أكيتو بذر الشعير»، مما يشير إلى أن الجذر الأول للعيد كان زراعياً بامتياز، مرتبطاً بدورة زراعة الشعير، المحصول الأساسي في جنوب بلاد الرافدين.
- ثمة أيضاً صيغة ثانية هي «أكيتي-شونونوم» (akiti-šununum) المرتبطة بموسم الحصاد، مما يُرجّح أن أكيتو كان في الأصل يُحتفل به مرتين في السنة: عند البذار (في الخريف) وعند الحصاد (في الربيع).
ب) العصر السومري (الألفية الثالثة ق.م.)
- أقدم الشواهد على أكيتو تأتي من مدينة أور في عهد سلالة أور الثالثة (2112-2004 ق.م. تقريباً)، حيث تذكر النصوص الإدارية تخصيص موارد للاحتفالات. كما تشير نصوص من نيبور وأوروك إلى ممارسات مشابهة.
- في هذه المرحلة:
1. كان العيد مرتبطاً بالإله المحلي لكل مدينة-دولة (city-state)
2. كان إنليل في نيبور ونانّا/سين في أور محوراً للطقوس
3. كان يتضمن مواكب دينية وتقديم قرابين
4. كان بيت أكيتو (Éakiti) مبنى خاصاً يُقام خارج أسوار المدينة لاستقبال الإله في موكبه
ج) العصر البابلي القديم والوسيط (الألفية الثانية ق.م.)
- مع صعود بابل بوصفها مركزاً سياسياً ودينياً، خاصة في عهد حمورابي (1792-1750 ق.م.) وما بعده، بدأ أكيتو يتحول من عيد زراعي-محلي إلى عيد كوني (كوزمولوجي) مرتبط بـ:
1. الإله مردوخ (Marduk)، الإله الأعلى للبانثيون البابلي
2. ملحمة الخليقة «إينوما إيليش» التي تروي انتصار مردوخ على تيامات (الفوضى البدئية) وخلقه للعالم
3. تجديد الملكية: أصبح الملك البابلي يخضع لطقس إعادة تنصيب سنوي
د) العصر البابلي الحديث — أكيتو في ذروته (القرن السابع-السادس ق.م.)
- في عهد نبوخذنصر الثاني (604-562 ق.م.)، بلغ عيد أكيتو ذروته العمرانية والطقوسية. وقد وصلتنا أوصاف تفصيلية لطقوس اثني عشر يوماً (من 1 إلى 12 نيسانو) تُمارَس في بابل:
- البرنامج الطقوسي (كما تصفه النصوص الكهنوتية):
1. من اليوم الأول الى الرابع:تحضيرات كهنوتية: صلوات التطهير، ترتيل الكاهن الأعلى وحده في معبد إيساغيلا
2. 5 اليوم الخامس:طقس إذلال الملك: يُقاد الملك أمام تمثال مردوخ، يُنزع عنه التاج والصولجان، يُصفع على خده من قبل الكاهن الأعلى، ويُجبر على الركوع والاعتراف بأنه لم يُذنب تجاه بابل ولم يُهمل عبادة مردوخ. يبكي الملك، فيُعاد إليه شارات الملك — وهو ما يُفسَّر بوصفه تجديداً رمزياً للعقد بين الملك والإله
3. من اليوم السادس الى اليوم التاسع:وصول تماثيل آلهة المدن الأخرى (نابو من بورسيبا مثلاً)، تلاوة إينوما إيليش كاملةً، تمثيل درامي لأسر مردوخ وتحريره (موته وقيامته الرمزيان)
4. اليوم العاشر:الموكب الكبير: ينتقل تمثال مردوخ عبر شارع المواكب (Processional Way) ثم عبر بوابة عشتار إلى بيت أكيتو خارج المدينة
5. اليوم الحادي عشر:مجلس الأقدار: تجتمع الآلهة في بيت أكيتو لتحديد مصائر السنة القادمة. يرأس مردوخ هذا المجلس — وهو تجسيد لسيادة بابل على المدن الأخرى
6. اليوم الثاني عشر:عودة تماثيل الآلهة إلى معابدها، انتهاء الاحتفال
- وقد رُبط بالعيد أيضاً طقس الزواج المقدس بين الملك وكاهنة تمثّل الإلهة، وهو طقس يرمز إلى تجدد الخصوبة الكونية.
ه) أكيتو في السياق الآشوري
- في آشور (العاصمة) ونينوى، مارس الآشوريون عيد أكيتو بخصوصيات مختلفة:
1. الإله المركزي هو آشور بدلاً من مردوخ
2. يُحتفل به في شهر نيسانو (الربيع) وأيضاً في شهر تشريتو (الخريف)
3. التركيز أكبر على البعد العسكري-الملكي: العيد تأكيد لقوة الملك الآشوري بوصفه نائب الإله آشور على الأرض
4. بناء الملك الآشوري سنحاريب (705-681 ق.م.) بيت أكيتو خاصاً قرب نينوى، مزيّناً بنقوش حجرية تمثل انتصار آشور على تيامات
و) أفول أكيتو القديم
- استمر الاحتفال بأكيتو في بابل حتى العصور المتأخرة:
1. في العصر الأخميني (الفارسي): يُروى أن الملك قمبيز حاول المشاركة في الطقوس، وأن الإسكندر المقدوني (331 ق.م.) أمر بترميم إيساغيلا رغبةً في كسب الشرعية البابلية
2. في العصر السلوقي (312-63 ق.م.): هناك أدلة على استمرار الطقوس، وإن بشكل متراجع
3. في العصر الفرثي/البارثي: آخر الإشارات النصية إلى أكيتو تعود للقرن الثاني الميلادي تقريباً
- بعد ذلك، أدى انتشار المسيحية ثم الإسلام في بلاد الرافدين إلى انقطاع ظاهري في الممارسة الطقوسية القديمة.
3. الفصل الثالث: الجغرافيا — المكان بوصفه نصّاً طقوسياً
أ) البيئة الرافدينية وعلاقتها بأكيتو
- لا يمكن فهم أكيتو بمعزل عن جغرافية بلاد الرافدين:
1. السهل الرسوبي الجنوبي (جنوب العراق)
- أرض مسطحة، خصبة، تعتمد كلياً على الري من دجلة والفرات
- فيضانات الربيع (نيسان-أيار) كانت حدثاً حاسماً: إما أن تأتي بالخصوبة أو بالدمار
- أكيتو في جوهره كان طقس استدرار لنظام كوني مستقر: أمطار معتدلة، فيضانات منضبطة، محاصيل وفيرة
- ملحمة إينوما إيليش، بانتصار مردوخ على تيامات (المياه البدئية الفوضوية)، هي ترميز ميثولوجي للسيطرة على الفيضان
2. دورة الشعير
- الشعير يُزرع في الخريف ويُحصد في الربيع
- نيسانو (آذار-نيسان) هو شهر نضوج المحصول
- أكيتو الربيعي يتزامن مع لحظة الانتظار القلِق قبل الحصاد — ومن هنا الحاجة إلى تأكيد إلهي بأن النظام الكوني مستمر
3. الموقع الجيوسياسي
- بابل تقع عند ملتقى فرعي الفرات (الحلّة والهندية حالياً)، موقع يجعلها عقدة تجارية ومائية
- أكيتو في بابل كان أيضاً مناسبة اقتصادية: تدفق الحجاج والتجار، أسواق موسمية
ب) العمارة الطقوسية: الجغرافيا المقدسة لأكيتو
1. معبد إيساغيلا والزقورة (إيتيمينانكي)
- إيساغيلا: معبد مردوخ الرئيسي في قلب بابل
- إيتيمينانكي "معبد أساس السماء والأرض"): الزقورة الشهيرة (برج بابل التوراتي)
- هذان المبنيان يمثلان المحور العمودي نقطة اتصال السماء بالأرض
2. شارع المواكب وبوابة عشتار
- شارع المواكب: شارع مرصوف بالحجر المزخرف بأسود ونقوش، يمتد شمالاً من إيساغيلا
- بوابة عشتار: البوابة الرئيسية المزيّنة بالثيران والتنانين المزجّجة باللون الأزرق
- هذا المحور يمثل البعد الأفقي للطقس: الانتقال من المركز المقدس (المعبد) إلى الهامش (بيت أكيتو خارج الأسوار) ثم العودة
3. بيت أكيتو
- مبنى يقع خارج أسوار المدينة، محاط بحدائق
- يرمز إلى العالم البري/الفوضوي خارج حدود الحضارة المنظمة
- انتقال مردوخ إليه يمثّل خروجه لمواجهة قوى الفوضى، وعودته تمثّل إعادة تأسيس النظام
- هذه الجغرافيا الرمزية (مركز ← هامش ← مركز) هي بنية مشتركة في كثير من طقوس التجديد عبر الثقافات
ج) الامتداد الجغرافي للعيد
- لم يكن أكيتو حكراً على بابل. النصوص تشهد على ممارسته في العديد من المدن القديمة ومنها :
1. مدينة أور الإله المركزي فيها نانّا/سين و من أقدم الشواهد (سلالة أور الثالثة) |
2. مدينة أوروك الإله المركزي فيها آنو وإنانا/عشتار و استمر حتى العصر السلوقي
3. مدينة نيبور و الإله المركزي فيها إنليل وهي المركز الديني لسومر
4. مدينة آشور (المدينة) و الإله المركزي فيها آشور و بيت أكيتو ملكي خاص .
5. مدينة نينوى و الإله المركزي فيها آشور/عشتار وقد وثّق الاحتفال نقوش سنحاريب .
6. مدينة حرّان و الإله المركزي فيها هو سين وقد استمر متأخراً جداً (القرن العاشر الميلادي عند الصابئة الحرّانيين؟)
7. مدينة بورسيبا الإله المركزي فيها نابو وفيها يُرسل تمثال نابو إلى بابل لأكيتو
8. مدن دلبت، كوتا، سيبار الإلهة المركزية فيها | آلهة محلية |وهي مشاركة في موكب باب
- هذا الامتداد يكشف أن أكيتو كان نظاماً طقوسياً إقليمياً يعكس الجغرافيا السياسية: المدينة المهيمنة (بابل أو آشور) تستقطب آلهة المدن التابعة في موكب يُجسّد الوحدة السياسية تحت غطاء ديني.
4. الفصل الرابع: البنية الرمزية والأبعاد الدلالية
أ) أكيتو بوصفه طقس تجديد كوني
- جوهر أكيتو هو فكرة أن الزمن لا يتقدم خطياً بل دائرياً: في نهاية كل سنة، يتهدد العالمُ بالعودة إلى الفوضى البدئية، ولا بد من إعادة خلقه طقوسياً. هذا يتجلى في:
1) تلاوة إينوما إيليش: إعادة سرد الخلق = إعادة تفعيله
2) موت مردوخ وقيامته الرمزيان: الإله يختفي (يُحبس في جبل العالم السفلي)، والفوضى تسود، ثم يُحرَّر ويعود — وهو نمط الإله المائت والقائم (dying-and-rising god) الذي درسه جيمس فريزر في "الغصن الذهبي"
3) إذلال الملك: تفكيك السلطة ثم إعادة بنائها — الملك "يموت" رمزياً بصفته ملكاً ثم "يُولد" من جديد
ب) البعد السياسي
- أكيتو كان أداة شرعنة سياسية بامتياز:
1) الملك الذي لا يحتفل بأكيتو يفقد شرعيته (النصوص تُسجّل بتوبيخ حين يتعذر الاحتفال بسبب الحرب أو الاحتلال)
2) نابونيدوس (آخر ملوك بابل) اتُّهم بإهمال أكيتو لصالح عبادة سين في حرّان — وقد استخدم قورش الأخميني هذا الاتهام في دعايته (أسطوانة قورش)
3) حضور آلهة المدن الأخرى هو إعلان ولاء سياسي طقوسي
ج) البعد الاجتماعي
- أكيتو كان فترة تعطّل المحاكم وتعليق الأعمال
1) مناسبة للولائم العامة والإطعام الجماعي
2) فترة انقلاب رمزي للنظام الاجتماعي (العبد يتساوى مع السيد — أو هكذا تُقترح المقارنة مع أعياد مشابهة كالساتورناليا الرومانية)
5. الفصل الخامس: الراهنية — ما الذي يجعل أكيتو حيّاً اليوم؟
أ) إحياء أكيتو في العصر الحديث
- في الأول من نيسان/أبريل من كل عام، يحتفل الآشوريون (بمختلف طوائفهم: كنيسة المشرق الآشورية، الكلدان، السريان) بـرأس السنة الآشورية-البابلية تحت اسم «خا بنيسان» (ḥa b-Nīsān = "واحد نيسان") أو أكيتو. وقد بدأ هذا الإحياء الواعي في أوائل القرن العشرين مع نمو الحركة القومية الآشورية.
- مراحل الإحياء:
1) عشرينيات-ثلاثينيات القرن العشرين: المثقفون الآشوريون في العراق ولبنان والمهجر يعيدون اكتشاف التراث الرافديني
2) 1950-1970: تأسيس الاحتفالات المنظمة في بغداد، بيروت، وطهران
3) 1980-2003: النظام العراقي (البعث) يستخدم التراث البابلي-الآشوري في سياق القومية العراقية (مهرجان بابل الدولي مثلاً)، لكن مع تهميش الآشوريين المعاصرين
4) 2003-الآن: بعد الغزو الأمريكي وانهيار الدولة المركزية، أصبح أكيتو أداة تأكيد الوجود لدى المجتمع الآشوري في مواجهة تهديدات وجودية (داعش، التهجير، الهجرة)
ب) الاحتفالات المعاصرة: الشكل والمضمون
- اليوم يُحتفل بأكيتو في:
1) شمال العراق (دهوك، أربيل، نوهدرا/دهوك، عنكاوا): مسيرات شعبية، عروض فلكلورية، إيقاد شعلة أكيتو
2) شمال شرق سوريا (الجزيرة/القامشلي): رغم الحرب، يستمر الاحتفال بوصفه فعل مقاومة ثقافية
3) إيران (أورمية): مشاركة الآشوريين الإيرانيين
4) الشتات (Diaspora): شيكاغو، ديترويت، سيدني، ستوكهولم، موسكو — حيث تضم الجاليات الآشورية أعداداً كبيرة
5) عناصر الاحتفال المعاصر:
إيقاد الشعلة (nūrā d-Akītu): شعلة ترمز إلى استمرارية الحضارة
المسيرات والأزياء التقليدية
تمثيل مشاهد تاريخية (معارك آشورية، مشاهد من حياة القرية)
الموسيقى والرقص الفلكلوري (خيگا/دبكة آشورية)
خطابات سياسية وثقافية: أكيتو منصّة لتأكيد المطالب القومية (حقوق الأقليات، الحكم الذاتي، الاعتراف بالإبادة — سيفو 1915)
ج) أبعاد الراهنية
1) الهوية والاستمرارية الحضارية
- يطرح أكيتو سؤالاً أنثروبولوجياً عميقاً: هل يمكن لشعب أن يحافظ على هويته عبر خمسة آلاف سنة رغم الانقطاعات الدينية واللغوية والسياسية؟
- الآشوريون المعاصرون يتكلمون السورث (الآرامية الحديثة)، وهم مسيحيون، لكنهم يرون في أنفسهم أحفاد آشوربانيبال وسنحاريب. أكيتو هو الخيط الرمزي الذي يربط الحاضر بالماضي البعيد — وإن كان هذا الخيط يتضمن إعادة بناء وابتكار (بالمعنى الذي يستخدمه إريك هوبزباوم في مفهوم "اختراع التقاليد").
2) سياسات التراث (Heritage Politics)
- مَن يملك التراث الرافديني؟ هل هو تراث "عراقي" وطني، أم تراث "آشوري" قومي، أم تراث "إنساني" عالمي؟
- تدمير داعش لآثار نمرود ونينوى (2015) أعاد طرح هذا السؤال بقوة
- إدراج مواقع بابل وآشور في قائمة التراث العالمي (يونسكو) يخلق توتراً بين الدولة القُطرية (العراق) والجماعة الإثنية (الآشوريون) والمجتمع الدولي
3) الشتات والعولمة
- أكثر من نصف الآشوريين يعيشون اليوم خارج الشرق الأوسط
- أكيتو في الشتات يؤدي وظيفة إعادة إنتاج الجماعة: هو المناسبة التي يتجمع فيها الآشوريون من مختلف الطوائف والمناطق، متجاوزين الانقسامات الكنسية (كنيسة المشرق، الكلدان، السريان الأرثوذكس)
- الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي خلقت أكيتو رقمياً: بث مباشر للاحتفالات، أغانٍ جديدة، فنون بصرية معاصرة مستوحاة من الثور المجنّح (لاماسو) والنقوش الآشورية
4) أكيتو ومسألة حقوق الشعوب الأصلية
- في العقدين الأخيرين، بدأ ناشطون آشوريون يؤطّرون قضيتهم في إطار حقوق الشعوب الأصلية (Indigenous Peoples Rights):
- الآشوريون بوصفهم السكان الأصليين لبلاد الرافدين
- أكيتو بوصفه دليلاً على الاستمرارية الثقافية التي تؤهل للحماية بموجب إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية (2007)
- هذا الإطار يوفر أدوات قانونية ودبلوماسية جديدة
5) الحوار مع نوروز
- يتقاطع أكيتو زمنياً ومفهومياً مع نوروز (رأس السنة الفارسية/الكردية في 21 آذار). وثمة نقاش أكاديمي حول مدى تأثر نوروز بأكيتو أو العكس؟
أ) في شمال العراق، يتجاور الاحتفالان مكانياً وزمانياً، مما يخلق ديناميكيات تعايش وتنافس رمزي
ب) كلاهما يمثل طقس تجديد ربيعي في المنطقة نفسها
6) البعد البيئي
- أكيتو في جوهره كان طقساً للعلاقة بين الإنسان والطبيعة
- في سياق الأزمة البيئية الحالية في العراق (جفاف، تملّح، انخفاض منسوب دجلة والفرات بسبب السدود التركية والإيرانية)، يُعاد تأويل أكيتو بوصفه تذكيراً بهشاشة العلاقة مع البيئة
- بعض المثقفين العراقيين والآشوريين يطرحون أكيتو كإطار لـوعي بيئي رافديني يتحدى نماذج التنمية المدمرة
6. الفصل السادس: أكيتو في المرآة المقارنة
أ) مقارنات مع أعياد مشابهة
1) عيد نوروز في الثقافات الفارسية/الكردية/الإيرانية و يتشابه مع اكيتو كونه رأس السنة الربيعي، تجديد كوني، ارتباط بالطبيعة.
2) عيد السد/شم النسيم في الثقافات المصرية القديمة/الحديثة ويتشابه مع اكيتو كونه عيد ربيعي زراعي، استمرارية حضارية عبر آلاف السنين
3) عيد ساتورناليا في الثقافة الرومانية ويتشابه مع اكيتو كونه يمثل انقلاب النظام الاجتماعي، تعطيل المحاكم
4) عيد رأس السنة العبرية (روش هشناه) | في الثقافة اليهودية ويتشابه مع اكيتو كونه تأثر بشكل مباشر و محتمل في(السبي البابلي)، و يوم الحكم الإلهي، وتحديد الأقدار
5) عيد الفصح في الثقافة المسيحية ويتشابه مع اكيتو كونه في توقيت ربيعي (نيسان)، و موت وقيامة إلهية
6) عيد هُولي في الثقافة الهندوسية ويتشابه مع اكيتو كونه عيد ربيعي، انتصار الخير على الشر، انقلاب اجتماعي
ب) أكيتو والنظريات الأنثروبولوجية
1) عند فريزر ("الغصن الذهبي"): أكيتو نموذج أصلي لأعياد الملك-الكاهن الذي يُقتل ويُبعث رمزياً
2) عند ميرتشا إلياده ("الأبدي العائد"): أكيتو نموذج مثالي لـلعود الأبدي (Eternal Return) — إلغاء الزمن المدنّس وإعادة تأسيس الزمن المقدس
3) عند فيكتور تيرنر ( في مفهوم "اللا مكان/العتبة" Liminality): طقس إذلال الملك حالة عتبة كلاسيكية — الملك يمر بمرحلة "بين-بين" قبل إعادة إدماجه في بنية السلطة
4) عند هوبزباوم في ("اختراع التقاليد"): أكيتو المعاصر يتضمن عناصر ابتكار واعٍ، لكن هذا لا ينفي صدقيته بل يكشف ديناميكيات بناء الهوية
الخاتمة
- عيد أكيتو ليس مجرد أثر أركيولوجي أو فضول تاريخي. إنه عقدة تتقاطع فيها خيوط الزراعة والمناخ، والسلطة والشرعية، والميثولوجيا والكوزمولوجيا، والهوية والذاكرة. راهنيته تنبع من كونه:
1) شاهداً على قدرة الثقافة على البقاء: في عالم يُسرّع العولمة تآكل الهويات المحلية، يقدّم أكيتو نموذجاً لاستمرارية مدهشة
2) حقل صراع رمزي: من يملك الماضي يملك الحاضر — وأكيتو ساحة لصراع السرديات بين الدولة القُطرية والجماعة الإثنية والخطاب الأكاديمي الغربي
3) مرآة بيئية: في لحظة يتهدد فيها وجود النهرَين اللذَين أنجبا هذه الحضارة، يُعيد أكيتو طرح السؤال الأقدم: كيف نعيش مع الطبيعة لا ضدها؟
4) تجربة إنسانية كونية: الحاجة إلى تجديد الزمن، وإعادة تأسيس النظام، والأمل في بداية جديدة — هذه ليست حاجة بابلية فحسب، بل حاجة إنسانية دائمة
- أكيتو يذكّرنا بأن الحضارة ليست إنجازاً نهائياً بل طقسٌ يُعاد كل يوم.
المراجع لتفاصيل اكثر
أ) مصادر أولية ودراسات آشوريولوجية:
1) Cohen, Mark E. The Cultic Calendars of the Ancient Near East. Bethesda: CDL Press, 1993.
2) Bidmead, Julye. The Akītu Festival: Religious Continuity and Royal Legitimation in Mesopotamia. Piscataway: Gorgias Press, 2002.
3) Lambert, W.G. & Millard, A.R. Atra-ḫasīs: The Babylonian Story of the Flood. Oxford, 1969.
4) Livingstone, Alasdair. Court Poetry and Literary Miscellanea (State Archives of Assyria III). Helsinki, 1989.
5) Thureau-Dangin, François. Rituels accadiens. Paris, 1921. (أول نشر منهجي لنصوص طقوس أكيتو)
ب) دراسات نظرية ومقارنة:
6) Eliade, Mircea. The Myth of the Eternal Return. Princeton, 1954.
7) Frazer, James George. The Golden Bough. London, 1890 (وطبعاته اللاحقة).
8) Hobsbawm, Eric & Ranger, Terence (eds.). The Invention of Tradition. Cambridge, 1983.
ج) دراسات معاصرة عن الآشوريين:
9) Donabed, Sargon. Reforging a Forgotten History: Iraq and the Assyrians in the Twentieth Century. Edinburgh University Press, 2015.
10) Cetrez, Önver & Donabed, Sargon & Makko, Aryo (eds.). The Assyrian Heritage: Threads of Continuity and Influence. Uppsala, 2012.
---
#خليل_إبراهيم_كاظم_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟