أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - رمزية الشاهين















المزيد.....

رمزية الشاهين


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 11:48
المحور: قضايا ثقافية
    


في طبيعة العلاقة بين الإنسان و الطبيعة، و منها الحيوان، و منها الطيور ومنها الصقور و منها الشاهين... نبدأ بالرؤية الإسلامية في قوله تعالى (و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) سورة الإسراء الآية 70 .
و هي الرؤيا التي يبنيها التصور العقدي الإسلامي القائم على التفضيل والسخرة المشروعة و الشرعية التي يقدمها النص الديني مفعمة بالحلال. قال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) سورة الأعراف - الآية 32
أما بخصوص مسألة الصيد أو البيزرة أو القنص أو ماشابه ذلك فنستند إلى قوله تعالى (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه و اتقوا الله إن الله سريع الحساب) سورة المائدة، الآية 4
قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عديّ بن حاتم و زيد المهلهل الطائيين، و هو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد الخير... قال يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب و البزاة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت الآية .
في سفر التكوين تظهر ظهورا جليا صدارة الإنسان على الحيوان (وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا و ليتسلط على سمك البحر وطير السماء و البهائم و جميع الأرض). الآية 26 الفصل الأول
و منذ ذلك الحين دأب الإنسان على إخضاع الطبيعة و كائناتها لإرادته عبر سلطان العقل و العلم و التقنية. و كان هذا الدّأب محتشما في بدايات الانفتاح على عوالم الطبيعة انطلاقا من الخوف منها حتى تغوّل إلى التحكم فيها والسيطرة عليها، سيطرة لم تكتف باستهلاكها بل صنعت المسافة السحيقة بين الإنسان و الحيوان. و هي المسافة المفارقة التي تحدث عنها الفيلسوف البريطاني توماس هاكسلي (أنا من أشد المقتنعين بالهوة العميقة التي تفصل بين الإنسان العاقل المتحضر و البهيمة الحمقاء الهوجاء الرعناء)
و اليوم، يمسك الإنسان بالطبيعة و يدخلها مختبراته العلمية كي يحكم قبضته عليها. و من هذه الطبيعة أمسك بالحيوان و طوّعه و روّضه... في حين كان بالأمس يتعامل مع الطبيعة من زاوية نفسية يؤسسها الخوف ويؤطرها. و من ثمة كان الإنسان القديم عندما يحمل عليه النهر أو البركان أو يهجم عليه الحيوان يتخذها آلهة له و يقدم لها القرابين... هكذا تحولت العلاقة بين الإنسان و الطبيعة من حالة اللاثقافة إلى حالة الثقافة، أي من حالة الخرافة إلى حالة العلم .
و عندما نقارب علاقة الإنسان بالشاهين ننطلق من ممارسات البيازرة و هم يتعاملون مع صقورهم داخل حميميتهم في بيوتهم أو في الميدان، و من خلال معاناتهم في تربية و ترويض شواهينهم. و نتساءل: ما الضامن لرجوع الشاهين إلى كف صاحبه عندما يرسله إلى الفضاء؟ وهو الطائر الموسوم بالسماوي و بالشمسي والأسرع؟ ما الضامن لعودته إلى الأسر؟ إن هذه العلاقة غير القابلة للقبض و لا للقياس و لا للتفسير هي ما أوحى لنا بالاشتغال على هذه الورقة المتواضعة في الكشف عن بعض رمزية هذا الكائن الجارح والطائر المتميز، الشاهين .
في كتابه (قاموس الرموز الإنسانية) يقول مالك شبال :
(الصقر حيوان أليف في فضاءات القصور الملكية، و هو طائر مفعم بالكرامة و ذكي و قناص ماهر و هو رمز شمسي و هو حاضر في كثير من الهدايا المتبادلة بين الملوك و السفراء عبر التاريخ القديم).
و الشاهين أو الصقر الجوال يطلق عليه في المصادر التوثيقية الغربية اسم le faucon peregrinus أي الجارح الذي ينزح من جميع الأماكن إلا القطبية منها. لهذا نعتوه بالجوال. و الشاهين كلمة فارسية تعني الميزان وتفيد الملكي أيضا في تفكيكها إلى (شاه) و (ين) الأولى تعني الملك والثانية تفيد علاقة التخصيص .
في مصر القديمة كان الصقر بحكم انسيابية جماله يرمز للمبدأ السماوي. وكانوا يشخصون (حوريس) إله الفضاءات العلوية على شكل إنسان برأس صقر، متأثرين في ذلك بنظرة الصقر المتميزة باعتباره يرى كل شيء حسب منظورهم. من هنا تطورت عين الإله (حوريس) في منظورهم الخرافي حتى تجاوزت الرؤية الشاملة إلى الرؤية الخصيبة .
و أما الأسطورة الجرمانية السكندنافية فقد أوْلَتْ للصقر أهمية كبيرة، فربطته بمقولة الخصب و العطاء كما جعلته شارة للفرسان تيمنا به باعتباره رمزا إلهيا ضد كل ما هو شيطاني. و قد اعتبره الفيلسوف (بورفيري) شخصية تتقمص معنى الرسالة السماوية لأن الطائر الجارح يمتلك القدرة على قراءة المستقبل. من هنا جاء اعتقادهم أن ظهور هذا الطائر فأل خير و من هنا نفهم أيضا تطيّر أهل الجاهلية قبل أن يصحح عقيدَتهم النبيُّ محمد صلى الله عليه و سلم في حديثه (... إذا تطيرتَ فامض ...).
تقدم بعض الدراسات الميتولوجية الصقر في ثقافات العصور الوسطى وهو يقطع أوصال الأرانب. و هو مشهد مألوف إذا قسناه بمقولة التوازن الطبيعي. لكن تفكير أهل هذا العصر يمضي به إلى اعتبار هذه العلاقة علاقة تطهيرية لأنهم فسروا الأرانب في رمزية الفسق في حين فسروا الصقور في رمزية النقاء. الصقر في هذه الميتولوجيا ينتصر ضد الشهوة و هو في نظرهم انتصار للذكورية النهارية على المبدأ الأنثوي الليلي .
في حضارة الأنكا بالبيرو قديما، اعتقد أهلها أن زعيم هذه السلالة (مانكو كاباك) كان له أخ أو معادل روحي أو ملك حارس. و تمثلوه على شكل صقر .
و تجدر الإشارة إلى أن بعض الميتولوجيا قدرت في مشهد الصقر غير ذلك، أي أنها ربطته بالطاقة السلبية كما كان أهل (بورنيو) جنوب أسيا يعتقدون. فبحارتهم كانوا إذا سمعوا صوت الصقر غيروا وجهة قواربهم .
نعتبر الصقر و الشاهين تحديدا طائرا جارحا إشكاليا لا بالمفهوم المشكلة وإنما بمفهوم التركيب . ذلك لأن الشاهين يختزن في عمقه الوجودي كثيرا من الأسرار أو بعبارة أقرب كثيرا من الدلالات .
نذكر منها و هي المستعصية على الحصر دلالتين فقط هما: الرؤية و المعرفة في بعدها الغريزي .
و نحن في هذا الصدد نلوذ بالتأويل لسلوكات الشاهين التي قرأها المتخصصون في عالم البيزرة. و هو تأويل مشروط بنتائج بحوثهم العلمية ولا يشط بعيدا خلف بريق القراءات المجانية. قال فرانز بوس و هو عالم أنتربولوجيا (الصقر هو البصيرة و الرؤية اللتان نتمكن عبرهما من رؤية العالم). و نحن نرى العالم في عين الشاهين و في معرفته الخارقة لما حوله. نرى فيه قوة البصر والبصيرة و قوة المباغتة و قوة الانقضاض و السرعة الخيالية و الكرامة والنبل و القدرة على التكيف و القدرة على تحقيق التوازن و غيرها من الدلالات التي لا يتسع لها المقام هنا .
و سنضرب مثلا واحدا يكفينا طائلة السرد، و يتعلق بالمصور الأمريكي كاستر الذي اجتهد و جاهد كثيرا حتى تمكن من التقاط صورة للشاهين في حالة هبوط مثالي تجاوز فيه 360 كم في الساعة. و هنا نطرح السؤال: لِمَ لم تتبخر رئتا الشاهين و هو يهبط بهذه السرعة الخيالية؟ إن منطق الأشياء يقول إن العلاقة الفيزيائية بين جسم الطائر و الفضاء تقوم على الخوف من شرط الضغط الجوي الذي يساوي موت الطائر في هذه الحالة التي يتعرض فيها لا محالة لتكسير جهازه التنفسي بالكامل، و الموت طبعا .
لقد زوّد الله الشاهين بعظْمة في أنفه (العظمة الدرنية) و هي تعمل على إبطاء دخول الهواء إلى الرئتين مما يؤدي إلى تخفيف الضغط على الرئتين. كما تعمل هذه العظْمة على تغيير تحقيق توازن الطائر فور تغيير سرعته والانتقال من قوة إلى قوة أخرى دون أن يتأثر الشاهين بهذا التغيير المفاجئ .
هذا مثال من أمثلة من فيض لا متناهٍ لهذا الطائر المختلف. و الشاهين مجال إنساني خصب يعكس المعاني و المفاهيم الإنسانية التي اشتغل عليها النقاد المحدثون و خرجوا منها بنتائج مبهرة بشأن هذا الكائن. فهو طائر مختلف واختلافه لا يتأتى من صورته على جذع شجرة أو فوق نتوء صخري بمنكبيه العريضين و بجلسته النبيلة و نظرته الثاقبة في صمت خرافي أو في تحليقه الساحر أو في انقضاضه على فريسته. الشاهين طائر مختلف لأنه طائر نبيل .
قال عالم الطبيعيات كينيت ريتشموند (عند مقارنتنا نحن البشر بالصقور نبدو مخلوقات أقل درجة، لأن الصقور تمتاز بالقوة و الجرأة و الجمال و الدم الساخن الذي يجعل منها مخلوقات نبيلة).
من هنا نفهم دعوة بعض التيارات الفكرية إلى تجاوز التصور الطبيعاني في علاقتنا بالحيوان و علاقتنا بالصقور و التي هي نظرة تفصل بين الطبيعة والثقافة، إلى تبني التصور الإحيائي الذي ينسب للحيوان ما هو إنساني. وهكذا نحول الشاهين من مجرد طائر جارح قابل للتدريب إلى كائن منخرط في العلاقة الإنسانية التفاعلية .



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترانيمُ الصّدى
- تقاسمُ الحِكمة
- الجسد يُنتج القيمة
- اِهْمِسْ كيْ أسْمَعَك
- اِهْمِسْ كيْ أسْمًعَك
- اِسْتِعارَةٌ مَائِيّة
- تأويلُ الجسدِ في فنّ الأيكيدو
- وِصايَة
- في الكذب السياسي
- كِتابةُ التشيّؤ
- شاعِرٌ قُدّتْ أنامِلُهُ منْ بَهْجَة
- كِتابةُ الْعَراء
- بين المحْوِ والنّسْيان
- بين الحق و الجمال
- الجسد العلماني
- مقدمة في قصيدة النثر
- شاعريةُ الجسد
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت


المزيد.....




- الإمارات تعلق بعد استمرار استهداف الحوثيين للسعودية
- أذربيجان تعلق على الأنباء عن عمالة الرئيس الأسبق للاستخبارات ...
- 8 جنود أوكرانيين تتجاوز أعمارهم 60 عاما يستسلمون لجندي روسي ...
- منظومة -أنتاي- الروسية.. عيون رادارية وصواريخ تضرب أهدافا حت ...
- سنستخدم الذكاء الاصطناعي لعام أو عامين آخرين فقط. استمتعوا ق ...
- مشاكل الديون الفرنسية – سيناريو كارثي
- روبيو من أثينا: مضيق هرمز مفتوح وواشنطن لن تقبل سيطرة إيران ...
- حفرية مصرية تكشف سرا عمره 45 مليون سنة
- أطباء صينيون ينجحون في تقليص ورم خطير داخل صدر جنين قبل ولاد ...
- ماسك يعلق على الاحتجاجات في فرنسا


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - رمزية الشاهين