|
|
الصندوق والنهر
اسامة على عبد الحليم
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 20:57
المحور:
الادب والفن
هذه محاورة أدبية لموسم الهجرة الى الشمال . ليست محاولة لاستكمالها . ولا ردا عليها . بل قراءة مختلفة للنص. ولن امانع اعتبارها قصة طويلة او رواية قصيرة.
الفصل الأول الصندوق والسؤال
الرجل الذي لم يعد يعرف نفسه
هل انتهت الرحلة هنا؟ الذين ظنّوا أن مصطفى سعيد كان قد توقف عن مواجهة الأسئلة بداخله بعد عودته إلى الشمال، مخطئون. في الواقع، كان السؤال يقلق مضجعه: من أنا؟ وماذا أفعل في هذا المكان؟ ومن هي تلك المرأة في بيتي؟ هذه القرية ليست حتى بلدة أهلي وأجدادي. وأنا، وإن بدوت جزءاً من نسيجها، ما زلت رجلاً غريباً غامضاً، لا يعرف أهل القرية شيئاً عني. ربما لو عدت إلى سوبا، موطن أمي ومرتع طفولتي، لكان ذلك متسقاً مع الحقيقة. أما هنا، فأنا لست إلا رجلاً غريباً تزوج بامرأة غريبة، واشترى أرضاً في قرية غريبة، ثم أصبح عضواً في لجنتها الأهلية لتقاسم المياه مع فلاحيها. أنا الذي غزوت أوروبا ونساءها، المتهم بقتل امرأة بسكينٍ سِنُّها قلمُ كاتبٍ... كيف انتهى بي الأمر إلى هنا، وأنا الذي كنتُ (أُريدُ أن آخذَ حَقّي من الحياةِ عَنْوَةً. أُريدُ أن أُعطيَ بسَخاءٍ، أُريدُ أن يَفِيضَ الحُبُّ من قَلبي فيَنْبُعَ ويُثْمِرَ). هل كنتُ أنا من يعتقد أن (ثَمَّةَ آفاقٌ كثيرةٌ لا بُدَّ أن تُزَارَ، وأن ثَمَّةَ ثمارٌ يجبُ أن تُقْطَفَ، وكُتُبٌ كثيرةٌ تُقْرَأُ)، وأن (ثَمَّةَ صفحاتٍ بيضاءَ في سجلِّ العمر، لأكتبَ فيها جُمَلاً واضحةً بخطٍ جريءٍ)؟ ... ثم أتعبته الأسئلة فسكت لبرهة ليحاول الإجابة عنها، لكنها كانت تُلِحُّ على عقله. ماذا لو تخلصت من كل شيء؟... سأضع كل ذكرياتي وأسئلتي ورسائلي الإنجليزية وصور النساء اللاتي انتحرن، وزوجة المفتش، وجثة جان موريس... كل ما تبقى من لندن في صندوق، أحرقه أو ألقي به في البحر! في ذلك العصر المتأخر، كان المساء قد بدأ يُرخي ركبتيه على تخوم القرية. وكان مصطفى سعيد وحده على ضفة النيل، عازماً على أن يحرق الصندوق، أملاً أن تمحو النار ما كتبته الذاكرة. ثم لمح فجأةً رجلاً يقترب. ارتبك قليلاً. كانت ملامح الرجل تتضح شيئاً فشيئاً كلما اقترب منه. وكان آخر من يتمنى رؤيته في هذه اللحظة: محجوب السارد، القادم من لندن. الرجل الوحيد الذي يمكن أن يكتشف ماضيه. الشخص الوحيد الذي ربما سمع عما فعل في أوروبا. الرجل الوحيد الذي قد يكتشف أنه مثقف، يُجيد الإنجليزية كأهلها، ويحفظ لندن كما لو أنه مولود فيها. الرجل الوحيد القادر على فتح الصندوق، ورؤية السيدة إيزي، وجثة آن هاموند، وإيزابيل سيدار، وجان موريس، ويعرف كل شيء. اقترب محجوب السارد مبتسماً. وكان من الطبيعي أن يسأله عن الصندوق الغريب. لكن مصطفى سعيد جفل بشكل مفاجئ وهو يحاول منعه من لمسه. كان يحمي الصندوق بكل ما يملك من قوة، موقناً أن حياته كلها تعتمد على ألا يعرف أحد عنه شيئاً. لكن محجوب لم يكن يتصور أنه بصدد اقتحام حياة كاملة وماضٍ يسعى خلف صاحبه... ولذلك لم يتصور أن (يَجُرَّهُ) مصطفى سعيد بهذا العنف. فسقط على الأرض وارتطم رأسه بصخرة، ومات. هكذا بكل بساطة. أظهرت الحياة هشاشتها وغدرها، وفارقت صاحبها كامرأة ناشز تردد لبعلها: (ما رأيتُ منك خيراً قط). ... "أردت أن أكفّر عن جريمة، فإذا بي أرتكب أخرى." قال لنفسه، وهو يحاول تجنب النظر إلى جثمان محجوب المسجّى بقربه. وكان الليل قد مضى ثلثه، في ليلة لم تكن مقمرة. في تلك الليلة، لم تكن السماء صافية، والنجوم كأنها انكدرت، وزادت وحشة الظلمة الحالكةأصوات كثيرة.. كانت تأتي من حيث لا حيث: مواء مزعج لقطط في موسم التزاوج، وكلاب تنبح، وعواء غامض بعيد، وبوم يطلق أصواتاً كالنحيب. عند الفجر، كان مصطفى قد استقر على أن يذهب إلى مركز الشرطة. – سأعترف بكل شيء. سأقول لهم: أنا مصطفى سعيد. وسأضع أمامهم الصندوق ليقرأوه، لعلهم يتفهمون.
---
الفصل الثاني: لقاء المؤلف ..أريد حياة أخرى
في الطريق، رأى مصطفى سعيد فجأةً شاباً من أبناء القرية. كان يعرفه بطبيعة الحال، ففي القرية كل الناس أقارب ويعرفون بعضهم، لكنه لم يتذكر اسمه. كان الشاب منغمساً في قراءة رواية يعرفها جيداً... لكنه نسي اسمها ايضا . بطل هذه الرواية لا يمكن وصفه بصفة البطل الإشكالي؛ كان موظفاً عادياً، عاش حياته بين عمله وبيته، أحب امرأة واحدة، وربّى أبناءه، ثم مات شيخاً دون أن يذكره أحد. فكر مصطفى سعيد مبتسماً في السيد أحمد عبد الجواد، بطل نجيب محفوظ. عاش لدكانته وزوجتيه، لديه عيال وأحفاد ومشاكل عائلية عادية، ومات في سريره. ثم تذكر ياقين في (آنا كارنينا) مزارع، أحب وتزوج كيتي، وأنجب أطفالاً، وعاش حياة مستقرة عادية، ثم مات.... – كان يمكن للمؤلف أن يختار لي هذا الطريق... لكنه اختارني لأكون الذبيحة. قال لنفسه. ثم قرر ألا يذهب إلى الشرطة. بل إلى مؤلفه... --- لم أطرق الباب. دخلت كما تدخل الشخصيات التي تعرف أنها تملك حق الاستئذان. كان الطيب صالح يجلس إلى مكتبه. لم يرفع رأسه. ظل يكتب، كأنني كنت جملة انتهى من مراجعتها. لكنه توقف فجأةً وقال لي: – أهلاً مصطفى. قتلت ساردي. ثم اخترعت له اسماً: محجوب السارد؟ ياله من اسم! – أنا لم أقتل أحداً. أنت من قرّرني هكذا. أنا لم أكن أريد أن أكون هذا الشخص يا طيب. لم أطلب منك أن تجعلني أسطورة، ولا ضحية، ولا نابليون، ولا عطيل. كنت أريد أن أكون مثل السيد أحمد عبد الجواد. أفتح عينيّ في الصباح لأشم رائحة الخبز. أنزل الدكان. أشاكس الزبائن على النصف فرنك. أرجع البيت، أجد المرأة قد سخّنت الغداء، والعيال يتضاربون بين رجليّ. أكبر. أشيب. أحضر عرس أولادي. وأموت في سريري... وعلى صدري مصحف. لكنك اخترت لي مصير الذبيحة. جعلتني أعبر البحر فأصبح وحشاً. أحب فأصبح قاتلاً. أقرأ شكسبير فأصبح مسخاً، لا هو إنجليزي ولا هو سوداني. لماذا؟ لماذا حرمت عليّ العادي؟ لماذا كان علىّ أن أنزف ليصدق العالم أنني حي؟ – هكذا رأيتك، وهكذا صنعت أسطورتك. ماذا تريد أكثر؟ – أريد أن أتفاوض. – الشخصيات لا تتفاوض. – الشخصيات الجيدة تفعل. أما الرديئة فتموت. رفع الطيب رأسه، وقال: – ألم تمت بالفعل؟ قلت: – تلك كانت نهايتك أنت. أما أنا فما زلت أعيشها. وساد صمت طويل جداً في هنيهة قصيرة جداً. ثم قلت: – أريد حياة أخرى. قال: – والحياة التي عشتها؟ هل تظن أن حياتك كانت لتختلف لو أنني أردت لك مصيراً مختلفاً؟ – لكنك لم تعطني حياة. أنت جعلتني فكرة. ملفاً يحمل أسئلتك عن الشرق والغرب، والاستعمار والرغبة والهوية. كنت تحتاج إلى رجل يحتمل كل هذا الخراب، فصنعتني. ثم تركتني وحدي مع الجثث. وضع الطيب قلمه جانباً، ثم قال: – وما الذي تريده الآن؟ قلت: – أريد أن أعرف لماذا لم تمنحني فرصة للفشل العادي. قطب حاجبيه. – ماذا تقصد؟ – أن أخطئ كما يخطئ الناس. أن أحب امرأة فلا تموت ولا أموت. أن أندم على كلمة، لا على جريمة. أن أكبر حتى يصبح أكبر همومي ألم المفاصل، لا ذاكرة الإمبراطورية البريطانية. ابتسم صالح ابتسامة شاحبة وقال. – لو فعلت ذلك، ما كتبك أحد. اقتربت من مكتبه. – هذه هي القضية. أنتم، معشر الروائيين، لا تؤمنون إلا بالاستثناء. أما الذين يعيشون في هدوء فتتركونهم للغبار. أغلق الطيب الدفتر، ثم قال: – لم أكتبك لأنني أردت لك الشقاء... بل لأنني لم أستطع أن أراك إلا هكذا. قلت: – إذن نحن ضحيتان؛ أنا لخيالك، وأنت لزمنك. ضحك الطيب حتى وقعت سيجارته، ثم قال: – ربما أنت محق يا مصطفى. لكن قل لي: لو أنني منحتك حياة جديدة... ماذا ستفعل بها؟ ولأول مرة منذ عرفته... لم أجد جواباً. كنت أقف صامتاً، عاجزاً عن الإجابة. أفكر: لو أنه أراد، كيف يمكن أن يعيد كتابتي؟ "أنت لست ضحية." قال صالح، ثم أردف: بل نموذج إنساني كغيره... من قال إن الإنسان العادي حياته سهلة؟ الطيبون أيضاً يخطئون، ويرتكبون الجرائم، ثم يواصلون العيش. ... أدرك مصطفى سعيد مقدار المسافة بينه وبين الطيب صالح. كان صالح يعرف جيداً من هو مصطفى، بينما كان مصطفى يحترق بالسؤال عمن هو صالح؟ وبدت فكرة الحصول على فرصة أخرى في الحياة لرجل استنفذ فرصه، وكأنها فكرة تخرج من أساطير اليونان. فكرة ما كان صالح ليجربها أصلاً. وكان صوت صالح يأتيه هادئاً عميقاً وواثقاً، كفكرة تخرج من حفرة في عمق الكون. في طريقه إلى الخارج، سمع مصطفى سعيد صوت صالح لآخر مرة: – أين ستذهب يا مصطفى؟ وعندما التفت إليه ليرد، لم يجده. كان هناك فقط مكتبه المتواضع، وكرسي لا يجلس عليه أحد. خرج مصطفى وهو لا يعرف إن كان قد أنهى حديثاً، أم أنه بدأه للتو مع نفسه! ... في وقت لاحق، لاحظ ساردي تكاثف التفاصيل. وكان يفكر في إمكانية أن تمنح الحياة حياة ثانية لرجل استنفذ حياته الأولى! ثم انتهى إلى أن الحياة ليست كتاباً يُعاد تنقيحه كلما أخطأنا في فصل منه. بل مسودة تكتب نفسها وتمضي، غير عابئة بما كنا نريد. الحياة ليست مرتبة بحيث توافق رغباتنا؛ لا خيراتها مكافآت، ولا مصائبها عقوبات. إنها تحدث فقط، كما يهطل المطر على أرض واحدة؛ فتزدهر بقعة، وتبقى أخرى طيناً. ولو كان الإنسان قادراً على إعادة كتابة قصته، لاختل الكون؛ لأن الكون لا يقوم إلا على تناقضاته. ولولا التيه، لما عرف أحد الطريق. ولولا الظلم، لما صار للعدل معنى. ولولا الندم، لما وُلد الغفران. ... في اليوم الثالث لعزاء محجوب الراوي، كانت القرية ما زالت حزينة. كان مصطفى جالساً مع غيره يتلقى العزاء مع أهل القرية في الصيوان المنصوب. يشرب الشاي ويشارك في نحر الخراف والثيران مع غيره لضيافة أهل القرى المجاورة الذين يحضرون للعزاء. والقصة التي استقر عليها ناس القرية همساً، أن محجوب كان سكراناً وسقط على رأسه. وهذه القصة كانت متوافقة مع رؤية الطبيب الذي نُقل إليه بعربة سليمان ود عطية، بعد أن وجده أحد أقربائه ميتاً قرب النهر. لم يتحدث أحد عن شبهة جنائية. ولم يجد مصطفى سعيد نفسه مطارداً. ... ومر شهر على الحادثة، وقرر مصطفى سعيد أن يخرج إلى الخرطوم. لم يكن يعرف ما يريد. هو فقط شعر أن القرية مكان ضيق جداً عليه. سئم مصطفى من غموضه، وذكريات القرية عن المرحوم محجوب، وثرثرات أهلها، وكره رؤية النيل وشجرة الدومة على ضفته. ترك خلفه كل شيء... أرضه، وزوجته، وشجر البرتقال والبطيخ. لم يلتفت إلى الخلف. ليس لأن شيئاً لم يكن ينتظره، بل لأن بعض الأبواب لا تُغلق إلا إذا توقفت عن النظر إليها. في البداية لم يكن قد قرر شيئاً. ركب أحد لواري سليمان ود عطية المتجهة إلى الخرطوم محملة بالتمر. خفيفاً، لا يحمل معه إلا الشيء الوحيد الذي كان يتمنى لو استطاع تركه: ذلك الصندوق، آخر ما تبقى من الرجل الذي حاول أن يهرب منه.
---
الفصل الثالث: الخرطوم - مدينة الصناديق
يوليو في الخرطوم. هجير الصيف، وكتاحة الخريف في آن. مزيج الغباش الذي يغمر المدينة البائسة. حين نزل سعيد من اللوري في الميناء، كان الغبار يعلو كل شيء، كما لو أن المدينة نفسها تتواطأ مع الضجر. فقر الناس وبساطتهم الساذجة. مع ذلك فإن الخرطوم مكان جيد للاختباء. هذه المدينة "كرش فيل" كما يقولون. تمحو آثار الزوار، ولا ترد يد مصافح. نزل سعيد من اللوري ثم توجه تلقاء النهر العتيق. هناك وقف يتأمل سليل الفراديس. وتذكر نهر التيمز في لندن. نهران عجوزان. أحدهما كان رمزاً للقوة، يشرب منه الفلاحون وتغتسل فيه النساء. بساطة كانت تصرخ في وجه تعقيداته. بينما الآخر هادئ ومهيب، قوارب التجديف، والنساء الثريات بقبعاتهن المضحكات، والرجال ذوي المعاطف الفاخرة. ذاك النيل كان يعرف أسراره. أما هذا النيل، فلا يبدو أنه يهتم بمن هو مصطفى سعيد. .... في وقت لاحق جلس سعيد في مقهى شعبي، طلب شاياً، وأخذ يراقب الناس. كانوا يتحدثون بصخب عن السياسة والمطر والأسعار. لا أحد يسأل عن الفلسفة، ولا عن شكسبير، ولا عن موت جان موريس. حاول أن يكون واحداً منهم. سأل رجلاً جالساً بقربه عن سعر الطماطم. أجابه الرجل ببساطة. شعر مصطفى بقشعريرة. كان هذا هو العادي الذي حلم به يتحقق. أراد أن يشتم معهم الحكومة، وأن يتشاجر مع أحدهم حول مباراة في كرة القدم. أحب مصطفى كثيراً فكرة أن يبدو كمتعصب لفريق رياضي. لكنه لم يكن يعرف الهلال والمريخ. ولم يكن مهتماً فعلاً بسعر الطماطم. وكان دماغه يعود به تلقائياً للصندوق، وإلى اللغة الإنجليزية، وإلى أصوات صراخ النساء في غرف لندن. "العادية صعبة جداً. لكني لامست طرفاً منها على الأقل. لم يبق إلا أن أعيد كتابة المسار." قال سعيد لنفسه. وحمل دفتره ومجموعة من الأقلام. كان يمسك بها بحرص يفوق امساكه بالصندوق. ........ ثم سمع صوتاً من بعيد. عميقاً وهادئاً كما لو أنه يأتيه من بئر عميقة في قعر الكون: "كل إنسان استثنائي على طريقته. ومع ذلك أنا لم أكتبك استثنائياً أبداً. كنت ومازلت بالنسبة لي إنساناً عادياً..." واختفى صوت صالح. وبقي سعيد يفكر. وعلى مقهى في الشارع المجاور، خيل إليه أنه يرى (باختين) ينظر إليه بامعان ويلوح له بيده محيياً في خبث جميل. ..... "أنا مصطفى سعيد" كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي استطاع كتابتها في تلك المكتبة الهادئة. وعلى بعد خطوات منه لمح شاباً مشغولاً بالبحث عن شيء في كومة من الكتب أمامه. وكان بامكانه أن يرى أيضاً نسخة من الرواية بالقرب منه. اقترب من الشاب وحياه بهمس. ثم اجتذبه للحديث حول الرواية. قال الشاب: "الرواية عبقرية. لكن مصطفى سعيد شخصية معقدة. منحرف قليلاً، شهواني، وسيء الحظ كأغلب السودانيين. لكني أراه شخصاً عادياً..." في نسخة أخرى من الرواية وجد هامشاً واضحاً لقارئ آخر كتب: "هذا الرجل ذكوري منحوس. لم تنجُ أي امرأة عرفته. كلهن ميتات." واستمر سعيد يبحث، ويسأل الآخرين عنه. كان بعضهم يراه في صورة المغوي القاتل. آخرون رأوه "ضحية الاستعمار". وحضرت صورة البطل الذي "انتقم لنا من نساء الخواجات". رجل الشرق الحائر. والحبيب الخائن. كان كل قارئ يراه في صورة مختلفة عن الآخر. --- ثم أتعبته الإجابات وتوقف عن البحث عنها. ويقيناً غامضاً يتشكل داخله بأنه لن يستطيع أن يزيد كلمة في دفتره عن الجملة التي افتتح بها مشروعه. وبدأت وجوه مختلفة تظهر أمامه في كل مكان. وجوه لا تشبهه تماماً. ولكنه كان يعرف أنها هو. كان بعض أصحاب هذه الوجوه يحييه، يبتسم له. وكان أغلبهم يتجاهله. مع ذلك لم يظن سعيد للحظة أنه كان على أعتاب الجنون. ظن فقط أنه لم يعد مجرد صيغة طرحها صوت صالح في نصه. بل ملايين الأفكار والتصورات في أذهان الذين قرأوه وتفاعلوا معه عبر صوت صالح. ...... في تلك اللحظة وبشكل غامض ظهر الصندوق فجأة أمامه. لم يفزع. نظر إليه بشكل حيادي. لم يسأل نفسه كيف جاء. تركه مكانه كما لو أنه لم يسع لحمايته بحياته من قبل. وخرج مندساً وسط الجموع. كان الناس كما هم: عاديون، بسطاء، واستثنائيون. لا أحد يعرف الآخر. مشغولون بسعر الطماطم والكتاحة والمطر الذي يشاغبهم كطفل بقطرات، ثم لا ينزل أبداً. لكنه مع ذلك حين أمعن النظر لاحظ أن كل منهم كان يحمل صندوقاً يشبه صندوقه تماماً. صندوق ربما لا يعرف أكثرهم أنه يحمله. ....... في وقت لاحق سيقول ساردي إن مصطفى سعيد هرب من سطوره للحظة ولم يدر ما يفعل. لكن المؤكد أن أحداً لم يعرف أبداً أين ذهب. لم يشعر أحد بأنه غاب ولو للحظة. الرومانسيون قالوا إنه عاد إلى زوجته في ود حامد. والواقعيون قالوا إنه عاد إلى سطور النص الأصلي. لكني مازلت أراه تائهاً في هذه المدينة التي لا تعرفه، قرب نهر لا يهتم به، وقراء يملكونه دون أن يروه.
--- تمت .
#اسامة_على_عبد_الحليم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ترجمتي لرواية توماس بيلي ألدريتش قصة فتى مشاغب
-
ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم
-
الوظيفة السابعة للغة 1
-
الوظيفة السابعة للغة 2
-
التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر
-
الله
-
تعليق حول اتهام الصحابي الجليل زيد بن ثابت باليهودية فى احد
...
-
تعليقات حول قضايا الثوره4
-
الكنداكة والنظام العام
-
النزعات المادية فى تجربة التدين المسيحى3-6
-
ضد الفساد
-
توم&جيرى واشياء اخرى
-
حول المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة1
-
معركة سامى الذيب
-
المسيح والسياسة
-
الماركسية هل تصلح القراءات الادبية فى نقدها؟
-
مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)
-
الجدار
-
ظل الطاغية
-
حول الحرب فى السودان
المزيد.....
-
نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف
...
-
بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع
...
-
اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي
-
فيلم -كلايفيس-.. وحش بلا وجه يحتل غوثام وينتظر باتمان
-
حماس تهاجم بيان غوتيريش وتتهمه بتبني الرواية الإسرائيلية في
...
-
بطرسبورغ تحتفي بذكرى ميلاد شاعرها الأسطوري ليرمونتوف
-
ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور
...
-
ختام فعاليات مهرجان «فنون الأداء» في دورته الخامسة بمسرح نه
...
-
الفنان الروسي يوري بوريسوف يدخل سباق الأوسكار عن فيلم -آرتيف
...
-
موجة احتجاج تطالب بإلغاء حفل أندريا بوتشيلي في البتراء الأرد
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|