اسامة على عبد الحليم
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 04:49
المحور:
الادب والفن
استخدم لوران بينيه مأساة لوي ألتوسير ونظريات رولان بارت ليثبت افكاره حول ان اللغة ليست مساحة محايدة، والمؤلف ليس ميتاً. لقد أظهر الكاتب كيف أن الفلاسفة الذين حاولوا إلغاء( الذات والمؤلف والإنسان) وقعوا في فخ اللغة والتاريخ؛ فالكاتب حاضر بسلطته في النص، والفيلسوف الذي ألغى الإرادة الإنسانية انتهى به المطاف أسيراً لنوبة جنون قتل فيها أقرب الناس إليه.
وقلت في الجزء الاول من هذه القراءة ان
إصرار السارد على الحضور في النص مثل بشكل مباشر وصريح ردا على نظرية موت المؤلف التي أطلقها رولان بارت عام 1967 و صارت واحدة من أركان البنيوية؛ حيث تقول بأن المؤلف يختفي بمجرد كتابة النص، وأن القارئ والنص هما الحقيقة الوحيدة، ولا يهم ماذا كان يقصد الكاتب ولاتفسيره ولارؤيته للنص.
بينيه سخر بطريقة ملفتة للنظر من اساطين الفلسفة واللغة في القرن العشرين . وجعل مرحلة مابعد الحداثة كلها نكتة قتلت الانسان ومرجعياته
وحولت البنيوية والتفكيكية اللغة الى لعبة شكلية معقدة منفصلة عن الحقيقة، وأداة للتلاعب والإخضاع السياسي بدلا عن كونهاو وسيلة لفهم الانسان والكون والحياة
وقفة مع التوسير كما ظهر في الرواية:
اولا لماذا قتل ألتوسير زوجته في الواقع؟
في 16 نوفمبر 1980، أقدم الفيلسوف الماركسي الشهير لوي ألتوسير على خنق زوجته هيلين في شقتهما بمدرسة المعلمين العليا في باريس.
السبب كان ان ألتوسير عانى طوال حياته من اضطراب نفسي حاد (اكتئاب نفسي دوري وفصام)
وخضع لعذاب العلاج النفسي والجلسات الكهربائية لعقود.
في الواقع، وقعت الجريمة أثناء (نوبة صرع حادة) كان يفقد فيها الوعي عادة عندما تأتيه.
لم يُحاكم ألتوسير جنائياً؛ و أعلنت السلطات القضائية الفرنسية أنه (غير مسؤول عقلياً) عن أفعاله وقت ارتكاب الجريمة
تضاربت الآراء حول الفعل؛ فمنهم من رآه نتيجة تدهور عقلي خالص.
ومنهم من رأى في مذكراته اللاحقة محاولة لتفسير الجريمة كـنتاج لانغلاقه داخل نظرياته التي جردت الإنسان من مشاعره وجعلته مجرد أداة في يد الأيديولوجيا.
كل هذا حدث فعلا في الواقع لكن كيف عرضت الرواية الحكاية؟
في رواية (الوظيفة السابعة للغة)، لم يتعامل لوران بيني مع حادثة ألتوسير كواقعة مأساوية معزولة، بل دمجها ببراعة داخل الحبكة البوليسية الميتاسردية
وبالهوس العام والتوتر والارتباك الفكري المتعلق بالبحث عن الوثيقة .
واستغل منطق السخرية والتجريد كعادته في الرواية، ليطرح الحادثة من خلال عين المفتش بايار والسيميائي سيمون.
حيث يتعامل بايار مع الفيلسوف الكبير كـ (قاتل مريض) عادي دون النظر لهالته الفكرية، مما يخلق مفارقة، بين التنظير الفلسفي الفاخر لألتوسير حول الأجهزة الأيديولوجية للدولة، وبين واقعة الخنق البشعة في شقة مغلقة.
( المستقبل يدوم طويلاً)
بعد سنوات من الصمت داخل المصحة، كتب ألتوسير سيرته الذاتية الشهيرة المستقبل يدوم طويلاً.. للرد على محاكمته غيابياً من قبل المجتمع.
وهنا تجلى تناقض صارخ بين ما كتبه وبين الواقع.
في سيرته الذاتية، حاول ألتوسير أن يُظهَر الفعل وكأنه حدث( دون إرادته)
أو كأنه كان يمارس تدليكاً لعنقها فخنقها بالخطأ.. أو بجهل تام لما يفعل.
وكتب الواقعة بأسلوب لغوي رصين يمتص الجرم، مما جعل النقاد يعتبرون السيرة الذاتية تلاعب لغوي لا يخلوا من النرجسية يهدف لتبرير الجريمة .
سيما ان فلسفة التوسير طوال حياته، كانت تدعو إلى (موت الفاعل الإنساني)
وأن الأفراد ليسوا سوى ضحايا للهياكل والأيديولوجيا، ولا وجود لشيء اسمه (الوعي الحر).
لكنه عندما وجد نفسه متهماً بجريمة قتل، كتب سيرة ذاتية مليئة بالاعترافات الذاتية، مفسراً أفعاله من خلال مشاعره وعقده النفسية في الطفولة!
هل عاد التوسير ( للـذاتية والإنسانية) التي ظل يهاجمها طوال مسيرته ليبرر بها خطأه ؟.
......
اما ميشيل فوكو فيلسوف (السلطة والرقابة والجنس)، بدلاً من أن يظهره الكاتب وهو يكتب أطروحاته الخالدة، يُظهره المفتش بايار وهو يتخفى ويتسلل إلى الحمامات العامة لممارسة طقوسه الغريبة مع رجال غرباء، مع كره شديد للشرطة ينقلب إلى مواقف مضحكة للغاية عند استجوابه.
.......
جاك ديريدا:
رائد (التفكيكية)الذي دوّخ العالم بتحليل اللغة، يلقى حتفه في كورنيل بعد أن تهاجمه كلاب بوليسية!
يفكك الكاتب جسد ديريدا تفكيكاً مادياً بواسطة الكلاب في مشاكلة لفظية واضحة مع فكرة تفكيك النصوص!
ولكن هذا حدث في الرواية فقط .في الواقع توفي جاك دريدا في 9 أكتوبر 2004 في مستشفى بباريس نتيجة إصابته بسرطان البنكرياس عن عمر يناهز 74 عاماً
.......
فيليب سوليرس:
الكاتب والمثقف الباريسي الشهير، يظهره بيني كشخص مدعٍ للغاية، يتبجح بذكائه، وعندما يدخل نادي لوغوس السري ليخوض مناظرة بلاغية أمام أومبرتو إيكو، يتعرض لهزيمة نكراء وساحقة تُظهر تهافت فكره ، وتُطبق عليه عقوبة النادي القاسية بتر عضوه الذكري!
هذا المشهد يمثل الذروة في الكوميديا السوداء التي تخلط بين الثقافة والوحشية المادية.
فيليب سوليرس يدخل إلى نادي لوغوس السري للمناظرة، مدعياً أنه يملك البلاغة المطلقة التي لا تُقهر. ليناظر أومبرتو إيكو.
يبدأ سوليرس بنبرة متعالية ومملوءة بالمصطلحات الفلسفية المعقدة والغرور الباريسي. لكن أومبرتو إيكو، بذكائه وسرعة بديهته السيميائية، يفكك حجج سوليرس في دقائق معدودة، ويثبت تهافت منطقه أمام الحضور.
قواعد النادي القاسية تنص على أن الخاسر في هذا المستوى تُقطع أعضاؤه ! ينقلب المنظر فوراً من سجال فكري راقٍ وأنيق إلى مشهد رعب وصرخات كوميدية؛ حيث يُساق الناقد الباريسي المتأنق وهو يتوسل و ويبكي ويصيح، ليُطبق عليه المنفذون العقوبة الرهيبة .
لوران بينيه هنا يضحك القارئ على الماساة ؛ ربما ليقول إن الغرور الفكري عندما يصتدم بالواقع المادي يتحول إلى مهزلة.
........
جوليا كريستيفا:
الناقدة السيميائية والتحليلية الكبيرة، يُجردها بيني من ثوبها الأكاديمي الشريف ليصوّرها كـجاسوسة لحساب المخابرات البلغارية، تستخدم الجنس والنفوذ والسيميائية للوصول إلى الوثيقة السرية وسر السلطة.
في الواقع جوليا كريستيفا مفكرة وفيلسوفة سيميائية فرنسية-بلغارية شهيرة. وتحولها إلى جاسوسة في رواية بينيه هو محض خيال أدبي ساخر
مع ذلك عندما بحثت وجدت انه بعد ثلاثة سنوات من صدور الرواية تقريبا أعلنت لجنة الملفات الرسمية في بلغاريا أن جوليا كريستيفا كانت مسجلة في السبعينات كعميلة للمخابرات البلغارية الشيوعية تحت الاسم الحركي (Sabina). في تطابق كاريكتوري مع خيال بينيه .
لكن كريستيفا نفت هذه الاتهامات قطعيًا، ووصفتها بأنها أخبار كاذبة ومحاولة تشويه مضحكة ومقززة من قبل بقايا النظام الشمولي.
لكن اتضح ان الضباط المسؤولين اشتكوا في تقاريرهم من أنها غير متعاونة ولا تقدم أي معلومات مفيدة، مما جعلهم يغلقون ملفها سريعًا عام 1973
.........
المفتش بايار كمرآة:
جعل الكاتب رجل شرطة يميني غبي أيديولوجياً (المفتش بايار) هو من يستجوب هؤلاء الفلاسفة. كانت الكوميديا تنبع من عدم فهم بايار لـ (مصطلحاتهم المعقدة) وتعامله معها كأدلة جنائية حسية، مما جعل كلام الفلاسفة المعقد يبدو كأنه هرطقة أو مجرد لغو لا معنى له في العالم الحقيقي.
من أطرف مشاهد الكوميديا السوداء في الرواية عندما يلاحق المفتش بايار الفيلسوف الكبير ميشيل فوكو لاستجوابه.
بدلاً من أن يجد المفتشُ الفيلسوفَ الشهير في مكتبة فاخرة في كوليدج دي فرانس أو محاطاً بالكتب، يضطر لملاحقته وتتبعه في أحد الحمامات العامة المعتمة بباريس !
المفارقة ان فوكو هو صاحب كتاب (المراقبة والعقاب)و(تاريخ الجنس) والأطروحات العميقة عن (سلطة الشرطة والرقابة الجسدية) عندما يقترب منه بايار ويلوح ببطاقته الشرطية، يتعامل فوكو مع الشرطي بـذعر على اساس أن أجهزة الدولة القمعية جاءت لتقمع حريته الجسدية.
بينما بايار لا يعنيه كل هذا الهراء الفلسفي، هو يحاول فقط أن يفهم منه من دهس رولان بارت ولماذا؟!
اما كلام فوكو عن (السلطة والجسد) فهو يراه مجرد تبريرات مريبة ومحاولة للتملص من جريمة قتل!
بايار يترجم كلام الفلاسفة إلى لغة الجرائم وهو مشغول باكتشاف هل مصطلحاتهم العالية هذه شفرة إجرامية أم (لغو وهرطقة) بلا معنى .
وعندما يشرح سيمون هيرزوغ للمفتش بايار مفهوم (الدال والمدلول) وعلم العلامات لرولان بارت، يقاطعه بايار بغضب وضجر ويقول ما معناه:
دعك من هذه الخزعبلات يا سيمون! هل الدال هو القاتل ام المقتول أم المدلول؟ اريد. أسماءً وأرقام هواتف!
وبايار يتصرف كأن المصطلحات النقدية (مثل: التفكيك، التناص، والبنيوية) هي أسماء منظمات إرهابية .
وعندما يسمعهم يتحدثون عن (موت المؤلف)، يسارع إلى كتابة الاسم في دفتر ملاحظاته مفترضاً أن هناك جثة جديدة يجب على الشرطة البحث عنها!
من هو المؤلف؟ وهل هو ميت فعلًا؟ ومن قتله؟
وهنا تكمن عبقرية المفارقة.
...........
لماذا سخر الكاتب من هؤلا الرموز ؟
لانه اراد إسقاط الهالة المقدسة عنهم
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان هؤلاء الفلاسفة يُعاملون في فرنسا والجامعات الغربية كاصنام فكرية. ورموز للعظمة والقداسة
مايقوله لوران بيني إن هؤلاء الأكاديميين في النهاية بشر؛ يحركهم الغرور، الشهوة، الجشع، وحب الظهور، وأن نظرياتهم المعقدة لم تحمِهم من السقوط في اكتر المواقف والصراعات ابتذالا .
كشف الكاتب التناقض الصارخ بين ما يكتبه هؤلاء في كتبهم العظيمة عن الحرية والعدالة واللغة، وبين سلوكياتهم الواقعية المليئة بالسعي نحو السلطة والسيطرة، وصولاً إلى التعاون مع أجهزة الاستخبارات أو الركض وراء السياسي (كما كان يفعل بارت مع ميتران).
هل اراد بينيه ان ينتقد تضخم اللغة واللغو الأكاديمي عبر كوميديا تجعل القارئ يضحك ملء فيه من الهوان الذي تسقط فيه الأفكار العظيمة عندما تتصادم مع الحياة اللحظة والجسد والمادة !
ربما ....
.........
في القادم اتناول المبتا ادب والميتا سرد ومفهوم مابعد الحقيقة. الابن الشرعي لقضية مابعد الحداثة . عبر علاقتهم بفكرة الوظيفة السابعة للغة
.......
( الصور:
دريدا الاشيب ؛التوسير بالكدوس
رولان بارت بالسجارة؛ امبرتو ايكو بالبرنيطة ؛جوليا كريستيفا المرأة )
#اسامة_على_عبد_الحليم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟