أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسامة على عبد الحليم - ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم















المزيد.....

ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم


اسامة على عبد الحليم

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 00:04
المحور: الادب والفن
    


تعرفت إلى تجربة الشاعر والأديب السوداني الكبير عمر الصائم عبر قراءة الكثير من نتاجه الأدبي، ومنها مجموعته يابسة فوق الحنين، ورائعتة حول الجثة المفعمة بالحياة، وفضائح مثقلة الورود،... فضلًا عن المتعة الكبيرة ونداء القراءة الخفي الذي يطل على القارئ عبر رحلته في كل نص. تجربة عمر الصائم عمومًا، كما أراها، هي محاولة جادة لإعادة ترسيم حدود المخيلة السردية السودانية.
في مارخدر، لا يكتفي الصائم باستدعاء التراث أو بالمغازلة المجانية للواقعية السحرية، بل يقدم مشرطًا نقديًا يشرّح به الوعي الجمعي ومآزقه.
وأنا لا أرغب في أن تتجاوز هذه القراءة الاحتفاء التقليدي باللغة والأسلوب؛ فهذا حق الكاتب وميزة نصه. لكنني أريد أيضًا أن آخذ القارئ إلى أفكار ومفاتيح ربما لم يتوقف عندها بعض القراءات الأخرى.

لغة الصائم في مارخدر ليست مجرد كتابة جيدة، بل هي لغة شعرية ومسرحية ومشهدية تعتمد على التكثيف والرمز البصري. السرد يتنفس بروح الشاعر الذي يعرف كيف يزن الصمت قبل الكلمة؛ فالجمل قصيرة، محملة بالإشراق الصوفي، وتحول الأماكن المتهالكة في الرواية إلى مسرح مفتوح تعزف عليه الشخصيات مأساتها، بلغة طالما هزّت خشبات المسارح داخل السودان وخارجه.

غالبية القراءات التي تناولت النص وقفت عند حدود احتفاء الرواية بالتراث الصوفي والنوبي. لكن الملمح الأكثر رهافة لدى عمر الصائم هو أنه لا يتعامل مع الأسطورة بوصفها ديكورًا فلكلوريًا أو وسيلة للهروب من قسوة الحاضر، بل بوصفها بنية رمزية يستخدمها المجتمع الكادح للدفاع عن بقائه، ويمكن أن تستغلها السلطة لتدجين العقول.
مارخدر هنا ليس مجرد رمز للبركة، بل هو تعرية لكيفية صناعة الخلاص الوهمي في أوقات الهشاشة.

من هو الخضر، أو مارخدر، في النص؟
هو تجسيد لأسطورة الخضر التراثية المزروعة في الوجدان الصوفي والشعبي، ذلك العبد الصالح الذي ارتبط في المخيال الشعبي بالعلم اللدني والحضور الممتد عبر الأزمنة. وفي الرواية يرتدي الخضر مسحة كوشية ونوبية، إذ تحمل كلمة مار معنى السيد أو المعلم، ليصبح رمزًا مركبًا للوعي والبركة والتجدد.
لغة الخضر ليست تقريرية مباشرة، بل هي لغة رمزية وإشراقية وشاعرية. يتحدث بالرمز والإشارة والألغاز الشبيهة بالشطحات الصوفية، مما يترك للمجتمع والمتلقي حرية تفسير كلامه وفقًا لأهوائهم أو حاجاتهم.
أما دوافعه في النص فتتصل بحفظ التوازن وتعرية الزيف. فهو لا يسعى إلى السلطة، بل يتجول في الهوامش شاهدًا على خراب الواقع، ومحركًا للمياه الراكدة في أرواح البسطاء، ومذكرًا المجتمع بكرامته المفقودة وسط القمع.
في الرواية، يكفكف عمر الصائم الزمن ليديره في حركة حلزونية؛ فالماضي الكوشي والنوبي لا يقع خلفنا، بل يمشي بيننا في الشوارع. وهذا التداخل الزمني ليس مجرد لعبة أسلوبية، بل هو موقف فلسفي يعلن أن الأزمات الحالية ليست سوى ظلال مكررة لخطايا تاريخية لم تُعالج بعد.

الواقعية السحرية واستحضار كوش
يستحضر النص كوش التاريخية إلى الشارع المعاصر. لم يقدم الصائم كوش بوصفها آثارًا في متحف أو ملوكًا في كتب التاريخ، بل عبر عملية استحضار جغرافي ونفسي تجعل الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
فالملامح والطقوس يلمسها القارئ في بائعة الشاي، أو الرجل الصوفي عند الضريح. هؤلاء يتحركون في شوارع أم درمان أو القرى بملامح كوشية وصبر نوبي قديم، ويمارسون التعاويذ والنداءات نفسها التي كُتبت على جدران المعابد، ولكن بلسان سوداني معاصر.
وتتجسد كوش أيضًا حين يجعل السرد الانتهاكات والفقر المعاش اليوم امتدادًا لمظالم قديمة؛ فالشارع الذي يمشون فيه اليوم ليس سوى الطبقة السطحية لأرض امتصت دماء وآلام الآلاف عبر آلاف السنين، ليتصادى صوت التاريخ مع صراخ الواقع.
وربما كان أسهل على النقد الاستعراضي أن يضع مارخدر سريعًا في رف الواقعية السحرية، ثم يغلق الملف مقارنًا إياها بغابرييل غارسيا ماركيز وأجواء مئة عام من العزلة. لكن هذا التسكين السريع يظلم النص.
سحر عمر الصائم ليس سحرًا طائرًا في الفضاء، بل هو سحر ترابي نابع من حزن الأرض السودانية وعقيدتها المتجذرة؛ سحر يستمد توهجه من بؤس الواقع، لا من شطحات الخيال وحدها.

تعدد الأصوات
من الملامح المهمة في الرواية تعدد الأصوات في التعامل مع الحدث الواحد. تستخدم الرواية تعدد الرواة لتقديم الحقيقة بوصفها وجهات نظر متعددة، لا امتياز فيها لصوت واحد.

فعند وقوع واقعة محورية، مثل اختفاء أحد الأفراد، أو ظهور كرامة أو حدث غريب عند الضريح، أو وقوع قمع سلطوي، يمكن أن يتشكل الحدث في وعي الشخصيات على صور مختلفة.

صوت السلطة والمركز يروي الحدث بوصفه تمردًا أو شغبًا خارجًا عن القانون يجب قمعه.

أما صوت العوام والفقراء فيروي الحدث نفسه بوصفه معجزة أو علامة على اقتراب الخلاص ورفع الظلم.

بينما يرى صوت المثقف أو المستنير المأزوم في الحدث انعكاسًا للهشاشة الاجتماعية واستغلال الجهل والخرافة.

وهذا التعدد يترك القارئ أمام واقع متفرق ومفتوح على التأويل، دون أن تمنحه الرواية حقيقة واحدة جاهزة.

فكرة انتظار المخلص
هنا ربما تكمن النغزة الأشد عمقًا في النص، لأنها لا تتجه إلى السلطة وحدها، ولا إلى الأسطورة وحدها، بل تتجه إلى المتلقي والمجتمع نفسه.

لقد اعتاد الخطاب السردي السوداني العربي الاحتفاء بالبطل والمخلص، لكن الصائم يضعنا أمام مرآة قاسية. فالرواية، في جوهرها، ليست تمجيدًا لظهور مارخدر بقدر ما هي هجاء خفي لسلوك الانتظار.

المخلص في السرد السوداني
وتتجلى براعة عمر الصائم في تفكيك مقولة المخلص بطريقة تفارق بعض المعالجات السائدة لها في الأدب السوداني.
عند الطيب صالح، في شخصيتي مصطفى سعيد والزين مثلًا، يمكن أن يظهر المخلص أو البطل بوصفه قوة استثنائية تُحدث صدمة في المجتمع؛ صدمة حضارية في حالة مصطفى سعيد، وقوة صوفية عفوية في حالة الزين.
وعند إبراهيم إسحاق، يغوص السرد في سوسيولوجيا الهامش، ليظهر المخلص أو البطل من داخل البيئة والمجتمع القبلي والتحولات الاجتماعية المباشرة
أما عند أمير تاج السر، فنجد في بعض أعماله ميلًا إلى السخرية والتهكم من فكرة المخلص الأسطوري ومن عرّافي التاريخ.

أما عند عمر الصائم في مارخدر، فالمخلص ليس شخصًا يأتي لينقذ الجماعة، بل شخصية مركبة تجمع بين رموز ودلالات متعددة، ومع ذلك تفكك وتناقش فكرة المخلص نفسها.
مارخدر ليس بطلًا منقذًا بقدر ما هو مرآة لعجز الجماعة. يدمج فيه الصائم دلالة مار، السيد أو المعلم في السياق النوبي، مع الخضر الصوفي، لكنه يجعله شخصية إشراقية هائمة؛ لا تمنح حلولًا جاهزة، بقدر ما تدفع الناس إلى التحديق في خرابهم.
وبذلك لا يكتفي الصائم بتقديم صورة مختلفة للمخلص، بل يقلب الفكرة من أساسها: إن انتظار المخلص قد يكون هو الداء نفسه، وإن الخلاص لا يبدأ بظهور شخص خارق، بل بقدرة الجماعة على رؤية عجزها ومواجهة واقعها.
ومن هنا يصبح مارخدر أكثر من شخصية أو رمز. إنه مرآة تكشف حاجة المجتمع إلى المخلص بقدر ما تكشف حاجته إلى الخلاص من انتظار المخلص.

ما وراء الأسطورة
كتبت الكثير بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لأن مارخدر نص يقول الكثير.
ولو قدر لي أن أصفه بكلمات قليلة، لقلت إنه نص مشاكس، يفكك المسلمات، ويستعير الأسطورة ليهشم بها جدار الخرافة، ويصنع من التراث منصة للاستنارة لا للبكاء على الأطلال.
وهنا تكمن إهمية مارخدر بالنسبة إليّ
أنها لا تعيدنا إلى الماضي لكي نهرب من الحاضر، بل تستدعي الماضي لكي تجعلنا نرى الحاضر بصورة أكثر وضوحًا....



#اسامة_على_عبد_الحليم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوظيفة السابعة للغة 1
- الوظيفة السابعة للغة 2
- التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر
- الله
- تعليق حول اتهام الصحابي الجليل زيد بن ثابت باليهودية فى احد ...
- تعليقات حول قضايا الثوره4
- الكنداكة والنظام العام
- النزعات المادية فى تجربة التدين المسيحى3-6
- ضد الفساد
- توم&جيرى واشياء اخرى
- حول المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة1
- معركة سامى الذيب
- المسيح والسياسة
- الماركسية هل تصلح القراءات الادبية فى نقدها؟
- مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)
- الجدار
- ظل الطاغية
- حول الحرب فى السودان
- اليمين ملة واحدة
- مصباح ديوجين


المزيد.....




- بعد حفل أصالة.. هل تعود -إنانا- لإنتاج عروض المسرح الراقص في ...
- -ليس الحب الأول. اعتراف الحزن والفرح-.. كتاب سيمونيان يتصدر ...
- مبابي يتحدث عن -صدمة الديربي- ويصف تدريب زيدان لفرنسا بـ-الف ...
- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية
- وزير الثقافة اليمني: فرص التسوية تتلاشى وصنعاء هي هدفنا الاس ...
- توقيف المدون نيكوغلاي في مولدوفا بشبهة الاتجار بالمخدرات
- السعودية.. تأجيل الدورة الـ 6 من مهرجان البحر الأحمر السينما ...
- إعادة المسروقات... العالم بأسره يترقب مصير كنوز القرم
- كيف تعمل مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون على رعاية المواهب الإ ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسامة على عبد الحليم - ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم