|
|
ترجمتي لرواية توماس بيلي ألدريتش قصة فتى مشاغب
اسامة على عبد الحليم
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 18:47
المحور:
الادب والفن
قراءة في الطفولة والذاكرة وتكوين الإنسان
ليست «قصة فتى مشاغب» حكاية عن طفل كثير الحركة والمغامرات فحسب، وليست مجموعة من الذكريات الطريفة التي يستعيدها رجل حين ينظر إلى طفولته بعد سنوات طويلة. إنها، في جوهرها، رحلة في تكوين الإنسان؛ رحلة تبدأ بالطفل الذي كانه الراوي، لكنها لا تنتهي عنده، وإنما تمتد إلى الرجل الذي صار إليه، ثم تفتح الطريق أمام القارئ لكي يتساءل عن الطفل الذي كانه هو أيضًا.
وهنا تكمن إحدى أهم متع هذا العمل وطرافته.
فنحن لا نقرأ توم فقط لكي نعرف ماذا فعل، وأين ذهب، ومن تشاجر معه، وما المغامرة التي تورط فيها، وإنما نقرأه لنرى كيف كان طفلًا يفكر ويخاف ويتخيل ويحب ويخطئ، وكيف كانت هذه الأشياء الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تفاصيل عابرة، تشارك في صناعة الإنسان الذي سيصبحه لاحقًا.
ولعل أفضل مدخل إلى الرواية هو عنوانها نفسه: «قصة فتى مشاغب». فالراوي لا يقدم لنا طفلًا مثاليًا، ولا يحاول أن يعيد كتابة طفولته لكي تبدو أكثر تهذيبًا مما كانت عليه. إنه يعترف منذ البداية بأنه كان «فتى مشاغبًا»، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن يعني ذلك أنه كان فتى سيئًا.
وهذه نقطة مهمة.
فالطفولة ليست درسًا أخلاقيًا جاهزًا، والطفل ليس مشروعًا لإنسان كامل ينتظر من الكبار أن يملأوه بالمواعظ. الطفل كائن في طور التكوين؛ يخطئ لأنه يتعلم، ويبالغ لأنه يتخيل، ويخاف لأنه لم يختبر العالم بعد، ويغامر لأنه يريد أن يعرفه.
وهكذا فإن «المشاغبة» عند توم ليست نقيض البراءة، بل إحدى صور الحركة داخل عالم لم يكتمل فهمه بعد.
الطفل الذي كانه الراوي
منذ الفصل الأول، «أعرّفكم بنفسي»، يعقد ألدريتش علاقة خاصة بين الراوي والقارئ.
لا يبدأ الحكاية من حدث كبير، ولا يقدم لنا خلفية تاريخية طويلة، وإنما يقول لنا، في ما يشبه جلسة تعارف، من كان هو، ومن كانوا رفاقه، وما الذي أصبح إليه هؤلاء الرفاق بعد أن كبروا.
وهنا يحدث شيء بالغ الأهمية: الرجل الذي يروي لا يختفي تمامًا خلف الطفل الذي كانه.
إننا نسمع صوتين في الوقت نفسه.
هناك الطفل الذي يعيش اللحظة ولا يعرف مستقبلها، والرجل الذي يعرف الآن ما آل إليه ذلك الماضي. الطفل يرى العالم من داخله؛ أما الرجل فينظر إلى الطفل من مسافة الزمن. لكنه لا ينظر إليه باحتقار أو تعالٍ، وإنما بشيء من الحنان والسخرية والمحبة.
وهذه المسافة هي التي تمنح الرواية كثيرًا من خفتها.
فالراوي يستطيع أن يضحك من نفسه القديمة دون أن يسخر من الطفل الذي كانه. يستطيع أن يكشف غرابة بعض أفكاره دون أن يسحق براءتها. وحين يتحدث عن زملائه في المدرسة، لا يقدمهم بوصفهم أسماء عابرة في طفولة بعيدة، وإنما يترك الزمن يمر أمامنا: هذا صار قاضيًا، وذاك ذهب إلى مكان بعيد، وآخر مات في الحرب.
وفجأة، نجد أنفسنا أمام الزمن نفسه.
الطفولة التي تبدو في بدايتها عالمًا مكتملًا ليست سوى لحظة من حياة طويلة. والأصدقاء الذين كانوا يملأون العالم في نظر الطفل أصبحوا لاحقًا جزءًا من الذاكرة.
ثم تأتي الحركة الأكثر ذكاءً: يسأل الراوي القارئ عن اسمه.
منذ تلك اللحظة، لم يعد القارئ خارج الحكاية تمامًا.
لقد أصبح، بطريقة ما، زميلًا قديمًا لتوم.
وهكذا تتحول الحكاية من «أنا» إلى «أنا وأنت». وتصبح طفولة توم طريقًا محتملًا إلى طفولة القارئ.
العالم الذي يصل إلى الطفل قبل أن يعرفه
في الفصل الثاني، «أُبدي فيه آراءً غريبة بعض الشيء»، تظهر قضية أعمق مما يبدو لأول وهلة: كيف يتكون تصور الطفل عن العالم؟
توم لم يكن يعرف الشمال، لكنه كان يملك صورة عنه.
كان الشمال بالنسبة إليه مكانًا بعيدًا مليئًا بالهنود والمخاطر والأشياء الغريبة. ولم يصنع الطفل هذه الصورة من لا شيء. لقد تلقاها من المحيط الذي عاش فيه، ومن الأشخاص الذين وثق بهم، ومن الحكايات التي سمعها.
وهنا يمكن أن نرى الأسرة والبيئة لا باعتبارهما مكانًا يعيش فيه الطفل فقط، وإنما باعتبارهما أول مصدر لتكوّن رؤيته للعالم.
العالم حاضر في حياة الإنسان قبل أن يبدأ الإنسان في اختياره.
فالطفل لا يولد وفي رأسه تصور كامل عن الخير والشر، والخطر والأمان، والآخر والصديق، والمكان القريب والمكان البعيد. إنه يتلقى هذه الصور أولًا من الكبار، ومن اللغة، ومن القصص، ومن المجتمع، ومن التجارب التي تقع حوله.
ولهذا فإن توم لا يخاف من «الشمال» كما هو، وإنما يخاف من الشمال كما تخيله.
وهنا نصل إلى سؤال يتجاوز الرواية:
هل نحن أبناء ما حدث لنا فقط، أم أبناء الطريقة التي فهمنا بها ما حدث لنا؟
إنها مسألة شديدة الأهمية في تكوين الإنسان.
فقد يتعرض شخصان للتجربة نفسها، لكنهما لا يخرجان منها بالشخصية نفسها، لأن التجربة لا تدخل إلى الإنسان عارية؛ تدخل عبر تفسيره لها، وخياله عنها، ومخاوفه منها، والطريقة التي يعيد بها بناءها في داخله.
الإنسان ابن مخاوفه... وابن مواجهته لها
توم طفل يخاف، لكنه ليس أسيرًا للخوف.
وهذه إحدى أجمل المفارقات في شخصيته.
هو يخاف من أشياء كثيرة، وبعض مخاوفه مضحكة في نظرنا نحن الكبار. لكنه في الوقت نفسه يريد أن يختبر العالم بنفسه.
يستعد للرحلة.
يتهيأ للمجهول.
يريد أن يحمل مسدسًا لمواجهة الهنود الذين صنعهم خياله.
ثم يصعد إلى السفينة.
وهنا تتحول الفكرة إلى تجربة.
ربما يكون الإنسان ابن مخاوفه وأفكاره، لكنه أيضًا ابن قدرته على اختبار هذه المخاوف والأفكار. فالشجاعة لا تعني بالضرورة غياب الخوف؛ أحيانًا تعني أن الإنسان يتحرك رغم وجوده.
وهذا ما يجعل شخصية توم أكثر عمقًا من مجرد «فتى مشاغب».
إنه يريد أن يعرف العالم بنفسه.
ولذلك فإن مغامراته ليست كلها مجرد رغبة في العبث. إنها، في مستوى أعمق، محاولات لاكتشاف الذات.
كل تجربة تقول له شيئًا عن نفسه:
هذا أستطيع أن أفعله.
وهذا لا أستطيع.
هذا يخيفني.
وهذا كنت أخشاه بلا سبب.
وهذا الألم يمكنني احتماله.
وهذا الثمن لم أكن أعرفه.
وحين يقبل لاحقًا على تجربة الوشم وما يصاحبها من ألم، يمكن أن نرى الخيط نفسه: رغبة الطفل في اختبار قدرته على الاحتمال، وكأنه يسأل العالم ويسأل نفسه في الوقت ذاته:
ماذا أستطيع أن أتحمل؟
ومن هنا يمكن أن نفهم المغامرة باعتبارها جزءًا من التربية الذاتية.
ركوب التايفون: حين يصبح الخيال واقعًا
وهنا نصل إلى «على متن التايفون».
في الظاهر نحن أمام رحلة بحرية: سفينة، بحارة، أمواج، دوار بحر، عاصفة، حكايات، موانئ، وخوف من المجهول.
لكننا في الحقيقة أمام رحلة داخل توم.
في الفصل السابق كان الطفل يحمل في رأسه عالمًا متخيلًا عن الشمال. أما الآن فقد دخل إلى عالم لا يستطيع أن يتحكم فيه. البحر لا يهتم بما تخيله الطفل عنه، والسفينة لا تتحرك وفق الصور التي صنعها في رأسه.
وهنا تبدأ المواجهة بين التصور والتجربة.
وهي مواجهة أساسية في حياة الإنسان.
قد تكون بعض مخاوفنا أقوى من الأشياء التي نخاف منها فعلًا، وقد تكون الحقيقة أكثر غرابة من الخيال، لكنها في الوقت نفسه قد تكون أقل رعبًا منه.
وتزداد الرحلة متعة لأن توم لا يدخلها بوصفه بطلًا خارقًا. إنه طفل يصاب بدوار البحر، وينبهر، ويخاف، ويتخيل القراصنة، ويستمع إلى حكايات البحارة، ويعيد تركيب كل ما يراه داخل عالمه الخاص.
وهنا تصبح حكايات بن واتسون جزءًا من الرحلة أيضًا.
فالإنسان لا يتعلم فقط مما يعيشه مباشرة؛ يتعلم كذلك مما يسمعه.
الحكاية التي يسمعها الطفل يمكن أن تصبح جزءًا من خياله، والخبرة التي يعيشها يمكن أن تعيد تشكيل الحكايات التي سمعها.
وهكذا يتكون العالم الداخلي من خليط معقد:
ما عشناه، وما سمعناه، وما تخيلناه، وما صدقناه، وما اكتشفنا لاحقًا أنه لم يكن صحيحًا.
ولهذا فإن البحر في «التايفون» ليس خلفية للمغامرة، وإنما اختبار لعالم توم الداخلي.
نحن لا نسأل فقط: ماذا سيحدث لتوم في البحر؟
بل نسأل:
ماذا سيفعل البحر بتوم؟
من التصور إلى الواقع
عندما يصل توم إلى الشمال، تستمر الرواية في تفكيك المسافة بين الصورة والواقع.
الهنود الذين ملأوا خياله ليسوا كما تصورهم.
والمكان الذي تخيله لا يشبه تمامًا المكان الذي يراه.
والتاريخ نفسه لا يظهر في الرواية بوصفه مادة مدرسية جافة، وإنما بوصفه شيئًا حاضرًا في البيوت والشوارع والقصص والأسماء والذكريات.
في ريفرماوث، يدخل توم عالمًا أوسع من طفولته السابقة.
البيت القديم، الكتب، الحكايات التاريخية، الأشخاص الذين يعيشون حوله، وكل التفاصيل التي يلتقطها الطفل بحواسه وخياله، تشارك في توسيع عالمه.
وهنا تظهر أهمية التفاصيل في الرواية.
قد يبدو وصف بيت قديم أو عربة أو حصان أو غرفة أو كتاب شيئًا زائدًا على الحدث، لكنه ليس زائدًا بالنسبة لطفل.
فالطفل لا يعيش العالم في عناوين كبرى.
إنه يعيش في التفاصيل.
رائحة المكان، شكل النافذة، صوت الحيوان، قطعة الحلوى، لعبة الأصدقاء، خوفه من شخص، إعجابه بشخص آخر، الكتاب الذي وجده في مكان ما.
هذه التفاصيل هي التي تصبح لاحقًا مادة الذاكرة.
المدرسة: حين يتسع العالم الاجتماعي
ومع المدرسة والأصدقاء تنتقل رحلة توم من البيت والعائلة إلى المجتمع.
هنا يتعلم شيئًا مختلفًا: كيف يعيش بين الآخرين.
تظهر الصداقة، والمنافسة، والمشاجرة، والولاء، والغيرة، والسلطة، والقواعد، والعقوبة، والعدل.
ولا يقدم ألدريتش هذه الأشياء في صورة دروس أخلاقية.
إنه يجعلنا نراها وهي تحدث.
في مغامرات الرابع من يوليو، مثلًا، يتصرف الأولاد بمنطقهم الخاص، ثم يكتشفون أن العالم الخارجي لا يعمل دائمًا وفق منطقهم. وفي نادي الـR. M. C. يتحول اللعب الجماعي إلى شكل من أشكال التنظيم والمغامرة، لكنه يحمل أيضًا بدايات فهم المسؤولية والنتائج.
أما في مواجهة كونواي، فتظهر طبقة أخرى من تكوين الشخصية.
توم لا يقاتل من أجل إثبات أنه الأقوى فقط؛ إنه يتدخل دفاعًا عن صديقه.
والأهم أن الرواية لا تجعل توم بطلًا بلا خطأ، ولا تجعل كونواي شريرًا أبديًا. هناك فعل، ثم نتيجة، ثم تحقيق، ثم شهادة، ثم حكم، ثم مصالحة.
وهنا يقدم لنا ألدريتش قيمة تربوية من دون أن يحولها إلى موعظة: العدل لا يعني الانتقام، والقوة لا تكون ذات قيمة إلا حين ترتبط بالمسؤولية.
وحتى الأستاذ غريمشو، في طريقة تعامله مع القضية، يمثل جانبًا مهمًا من عالم الطفل: أن السلطة يمكن أن تكون عادلة، وأن الاستماع إلى الشهادة أهم من إصدار الحكم السريع.
الضحك بوصفه طريقًا إلى الإنسان
من الصعب الحديث عن «قصة فتى مشاغب» من دون الحديث عن الضحك.
لكن ضحك ألدريتش ليس للترفيه وحده.
إنه وسيلة لفهم الإنسان.
نحن نضحك عندما يهرب توم من البيت، وعندما تقع مغامرات الرابع من يوليو، وعندما تنفجر بعض خططه في وجهه، وعندما يقع الأولاد في نتائج لم يتوقعوها.
لكننا نضحك لأننا نعرف شيئًا عن أنفسنا في هذه التصرفات.
كل واحد منا كان طفلًا يعتقد أن خطته ممتازة، ثم اكتشف أنها ليست كذلك.
كل واحد منا عرف لحظة حاول فيها إخفاء خطأ صغير، أو بالغ في قصة، أو دخل مغامرة أكبر من قدرته، أو ظن أنه فهم العالم ثم اكتشف أنه لم يفهمه بعد.
الضحك هنا لا يبعدنا عن الطفل؛ إنه يقربنا منه.
ولذلك فإن الرواية لا تحتاج إلى أن تقول لنا: «تعلموا من أخطاء توم».
يكفي أن تجعلنا نضحك، ثم نتذكر.
جيبسي: حين تصبح المحبة جزءًا من الذاكرة
يبلغ هذا الجانب ذروته في الفصل الحادي عشر، «كل شيء عن جيبسي».
فقد تبدو الحكاية عن الحصان في ظاهرها مجرد حكاية عن حيوان أليف يحبه طفل.
لكنها في الحقيقة تكشف شيئًا عميقًا عن عالم توم الداخلي.
جيبسي ليست مجرد مهرة في حياته؛ إنها علاقة حب ورفقة وذاكرة.
إنها تفهمه، وتشاركه اللعب، وتنتظر عودته، وتصبح جزءًا من طقوس حياته اليومية. وعندما نصل إلى نهاية الفصل، لا تعود جيبسي مجرد موضوع لمقال مدرسي كتبه طفل؛ تصبح شاهدًا على وجود ذلك الطفل نفسه.
والأجمل أن الرجل الذي يروي القصة ينظر إلى ذلك النص القديم بعين مختلفة.
إنه لا يدافع عن قيمته الأدبية.
بل يهتم به لأنه يحمل أثرًا من ذاته القديمة.
وهنا تأتي واحدة من أعمق لحظات الرواية: حين يرى الراوي في ذلك النص الصغير شبحًا مصغرًا من ذاته الحالية.
هذه العبارة تكاد تختصر المشروع كله.
فالطفل لم يختفِ تمامًا.
إنه ما زال موجودًا في الرجل الذي يروي.
الرجل لا يستطيع أن يعود إلى طفولته، لكنه يستطيع أن يفتح باب الذاكرة إليها.
والذاكرة هنا ليست مجرد استعادة للماضي؛ إنها محاولة لرؤية الذات التي كناها وفهم العلاقة بينها وبين الذات التي أصبحناها.
القراءة: من النص إلى القارئ
وهنا نصل إلى السبب الذي يجعل هذا الكتاب صالحًا لأن يقرأه الطفل والكبير معًا، وإن كان كل منهما سيقرأه بطريقة مختلفة.
الطفل سيرى المغامرة.
سيرى توم وهو يهرب ويخطط ويغامر ويخطئ ويضحك.
أما الكبير فقد يرى شيئًا آخر.
قد يرى نفسه.
قد يتذكر بيتًا قديمًا، أو صديقًا منسيًا، أو لعبة، أو خوفًا كان يملأ عالمه، أو حيوانًا أحبه، أو معلمًا أثر فيه، أو خطأ ظل يتذكره سنوات طويلة.
وهنا تصبح القراءة أكثر من فهم للنص.
القراءة مشاركة في إعادة خلق النص.
فالنص المكتوب مرة واحدة يمكن أن يولد من جديد كلما دخل إليه قارئ مختلف، لأن القارئ لا يأتي إليه فارغًا. إنه يأتي ومعه طفولته، وذاكرته، ومخاوفه، وأفكاره، وأخطاؤه، والأشياء التي أحبها وفقدها.
لهذا لا نريد أن نقدم «قصة فتى مشاغب» للقارئ بوصفها كتابًا عن طفل آخر وحسب.
نريد أن نفتح له بابًا.
بابًا إلى توم، نعم، لكن بابًا آخر إلى نفسه.
فالنص لا يفتح بابًا إلى ذاته فقط، وإنما يفتح بابًا إلى القارئ.
ليست رواية طفولية
ومن هنا يمكن أن نفهم الفرق بين كون العمل رواية عن الطفولة وكونه رواية طفولية.
«قصة فتى مشاغب» رواية عن الطفولة، وليست رواية طفولية.
إنها تستعيد الطفولة، لكنها مكتوبة من موقع معرفة إنسان عاشها ثم تجاوزها زمنيًا، من دون أن يتخلص منها تمامًا.
ولهذا فإن الطفل حاضر في التفاصيل، والرجل حاضر في الذاكرة، والقارئ مدعو إلى أن يضيف تجربته الخاصة.
وفي هذه المساحة بين الطفل والرجل والقارئ تتشكل القيمة الإنسانية للعمل.
فالإنسان لا يظهر فجأة في صورته التي نعرفها؛ إنه يتكون ببطء، من الطفل الذي كانه، ومن البيت الذي عاش فيه، والأصدقاء الذين عرفهم، والأخطاء التي ارتكبها، والأشياء التي أحبها، والكتب التي قرأها، والألم الذي مر به، والخيال الذي حمله معه، والمخاوف التي واجهها أو ظل أسيرًا لها.
وهذا هو سر متعة هذه الرحلة.
فنحن نركب السفينة مع توم، ونضحك من مخاوفه، ونتابع مغامراته، ونراه يخطئ ويصيب، ثم نكتشف، دون أن يخبرنا أحد بذلك مباشرة، أننا كنا نقرأ شيئًا عن أنفسنا.
فالطفل يعيش.
والرجل يتذكر ويفهم.
أما القارئ، فإنه يعيش مرة أخرى.
ولهذا فإن «قصة فتى مشاغب» ليست مجرد استعادة لطفولة مضت، وإنما دعوة إلى النظر في الطريقة التي نصبح بها ما نحن عليه.
إنها تقول لنا، من خلال الضحك والمغامرة والذاكرة، إن الطفل لا يختفي تمامًا عندما يكبر.
ربما يسكن في مكان بعيد داخل الذاكرة، وقد لا نلتفت إليه لسنوات.
ثم يأتي كتاب، أو صورة، أو رائحة، أو حكاية، أو اسم حصان قديم، فيفتح الباب.
وفجأة يظهر ذلك الطفل.
ليس كما كان تمامًا، وإنما كما بقي منه شيء فينا.
وهنا، ربما، تكمن أجمل هدية يمكن أن تمنحها رواية عن الطفولة لقارئ بالغ:
أن تعيده، للحظات، إلى الطفل الذي كانه؛ لا لكي يعيش الماضي من جديد، وإنما لكي يفهم شيئًا عن الإنسان الذي أصبحه.
لا نقدم الكتاب للقارئ، بل نفتح له بابًا للدخول إليه.
ومن دخل، ربما اكتشف أن وراء توم طفلًا آخر ينتظره.
طفله هو.
#اسامة_على_عبد_الحليم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم
-
الوظيفة السابعة للغة 1
-
الوظيفة السابعة للغة 2
-
التجاني عبد القادر.. الكتاب الذي علّمني أن أفكر
-
الله
-
تعليق حول اتهام الصحابي الجليل زيد بن ثابت باليهودية فى احد
...
-
تعليقات حول قضايا الثوره4
-
الكنداكة والنظام العام
-
النزعات المادية فى تجربة التدين المسيحى3-6
-
ضد الفساد
-
توم&جيرى واشياء اخرى
-
حول المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة1
-
معركة سامى الذيب
-
المسيح والسياسة
-
الماركسية هل تصلح القراءات الادبية فى نقدها؟
-
مقتطف من روايتى( حكايا الغيبوبة)
-
الجدار
-
ظل الطاغية
-
حول الحرب فى السودان
-
اليمين ملة واحدة
المزيد.....
-
ملكة قازان وبرجها الغامض.. قصة سيومبيكي بين الحقيقة والأسطور
...
-
ختام فعاليات مهرجان «فنون الأداء» في دورته الخامسة بمسرح نه
...
-
الفنان الروسي يوري بوريسوف يدخل سباق الأوسكار عن فيلم -آرتيف
...
-
موجة احتجاج تطالب بإلغاء حفل أندريا بوتشيلي في البتراء الأرد
...
-
نجيب محفوظ في أرشيف نوبل قبل 13 عاما من الفوز.. وستة أدباء ع
...
-
-GigaAM- الروسي يتفوق على OpenAI وNvidia في أداء المهام بالل
...
-
هوليوود تعود إلى أمريكا.. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم
...
-
مصطفى الخاني يعلن تعرضه لتهديد ويخاطب -الصندوق السيادي السور
...
-
مخرج لاتفي يفوز بجائزة كبرى قدرها 400000 يورو في مهرجان أفلا
...
-
تحرك برلماني بسبب “انقطاع الكهرباء” وتوقف الأنشطة المسائية ب
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|