مرهف فهد
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 13:07
المحور:
قضايا ثقافية
ليست الدراما مجرد حكاية تُروى على الشاشة، كما أن الشارع ليس مجرد متلقٍ سلبي لما تعرضه الشاشة. بين الاثنين علاقة أكثر تعقيدًا من علاقة المرآة بالصورة؛ علاقة جدلية يتبادل فيها المجتمع والدراما التأثير، فيلتقط أحدهما ملامح الآخر، ثم يعيد تشكيلها وإنتاجها بلغة جديدة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: هل تصنع الدراما الشارع؟ بل: متى تكتفي الدراما بالتقاط ما في الشارع، ومتى تبدأ في توجيهه، أو حتى زرع فكرة جديدة فيه؟
«باب الحارة»… الحنين الذي حمل بذورًا سياسية
ربما لم يكن «باب الحارة» عملًا سياسيًا بالمعنى المباشر. لم يرفع شعارات الثورة، ولم يقدم خطابًا سياسيًا صريحًا. لكنه قدّم شيئًا أكثر عمقًا: مجتمعًا صغيرًا له رجاله وقواعده وكرامته، وفي مواجهته سلطة تتدخل في مصيره.
وهنا تكمن المفارقة.
قد تكون الدراما التي تبدو منشغلة بالماضي شديدة الصلة بالمستقبل.
فحين يعيش الإنسان تحت سلطة يشعر أمامها بالعجز، ثم يشاهد على الشاشة مجتمعًا يتخيل نفسه قادرًا على الدفاع عن كرامته، فإن الدراما لا تقدم له مجرد تسلية؛ إنها تمنحه صورة بديلة عن ذاته.
لا يمكن القول إن «باب الحارة» صنع الثورة السورية؛ فالثورات لا يصنعها مسلسل، وإنما تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية معقدة. لكن يمكن القول إن الدراما قد تلتقط المزاج العام، ثم تعيد صياغته وتضخمه، وقد تمنح فكرة لم تنضج بعد لغةً وصورةً وبطلًا.
وهنا تبدأ الدراما في تجاوز دور المرآة.
الدراما لا تصنع الثورة… لكنها قد تجعلها قابلة للتخيّل
الثورات لا تبدأ من التلفزيون، لكنها تحتاج إلى أن تصبح قابلة للتخيّل.
المجتمع الذي لا يستطيع أن يتخيل نفسه خارج النظام القائم، يصعب عليه أن يتخيل تغييره. وحين تبدأ الروايات والأفلام والمسلسلات والأغاني في تقديم صور مختلفة للعلاقة بين الفرد والقوة، فإن شيئًا ما يتغير في البنية العميقة للوعي.
قد لا تقول الدراما للناس: «اثوروا».
لكنها قد تقول لهم، بصورة أكثر عمقًا:
يمكن أن تكونوا شيئًا آخر.
وهذه الجملة، في بعض الظروف التاريخية، قد تكون أخطر من الخطاب السياسي المباشر.
من الحارة إلى الحي الشعبي: انتقال البطولة
إذا كان «باب الحارة» قد أعاد إنتاج البطولة من خلال الجماعة والزعامة المحلية والكرامة، فإن جزءًا من الدراما المصرية الحديثة يتحرك في اتجاه آخر.
البطل لم يعد بالضرورة كبير العائلة أو شيخ الحارة، بل ابن الشارع؛ الشخص الذي يأتي من الهامش، ثم يفرض وجوده على عالم لا يمنحه الاعتراف بسهولة.
وهنا يمكن قراءة ظاهرة أحمد العوضي، إلى جانب ظاهرة محمد رمضان، باعتبارهما جزءًا من تحول أوسع في صورة البطل الشعبي على الشاشة.
القوة الجسدية، الحضور، القدرة على المواجهة، الانتقام، الصعود الاجتماعي، ورفض الإهانة؛ كلها مفردات أصبحت جزءًا من قاموس البطل الشعبي المعاصر.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:
هل الدراما تعكس شارعًا مصريًا يتغير، أم أنها تساعد في صناعة الشارع الذي ستعكسه غدًا؟
والجواب ربما هو: كلاهما.
«علي كلاي»… حين ينتقل الصراع إلى الاعتراف
الشخصية الشعبية الحديثة لا تبحث دائمًا عن إسقاط النظام السياسي، بل عن شيء أكثر التصاقًا بالحياة اليومية:
أن تُحترم.
أن لا تُهان.
أن يكون لها مكان.
أن تنتصر على من يملك المال أو النفوذ أو المكانة الاجتماعية.
وهذه ليست مسألة بسيطة.
فالمجتمعات التي تتسع فيها الفجوة بين ما يراه الإنسان حقًا له وبين ما يحصل عليه فعليًا، تنتج خيالًا شعبيًا يبحث عن التعويض.
قد لا يستطيع الإنسان تغيير موقعه الحقيقي في المجتمع، لكنه يستطيع أن يرى على الشاشة شخصًا يشبهه ينتزع اعترافًا لا يحصل عليه في حياته اليومية.
وهكذا تتحول الشاشة إلى مساحة رمزية للعدالة.
لكن العدالة الرمزية تحمل وجهين.
فمن جهة، تمنح المهمش إحساسًا بالقوة والاعتراف.
ومن جهة أخرى، قد تزرع نموذجًا للعدالة الفردية:
أنا أسترد حقي بيدي.
وهنا تنتقل الدراما من مجرد التعبير عن الغضب إلى إعادة تعريف الطريقة التي ينبغي أن يُدار بها الصراع الاجتماعي.
من «الكرامة» إلى «القوة»
في كثير من الدراما العربية القديمة، كانت قيمة البطل مرتبطة بالصبر والحكمة والعائلة والسمعة والتقاليد.
ثم ظهر بطل آخر أكثر خشونة: البطل الذي لا ينتظر العدالة، بل ينتزعها.
وهذا التحول ليس فنيًا فقط؛ إنه يعكس تغيرًا في علاقة الفرد بالمؤسسات.
كلما ضعفت ثقة الإنسان في قدرة المؤسسات على تحقيق العدالة، ازداد الإغراء بفكرة العدالة الفردية.
وحين تكرر الدراما هذا النموذج، فإنها لا تكون قد «اخترعت» الرغبة بالضرورة، لكنها قد تمنحها شرعية رمزية، وتحولها إلى سلوك يمكن تخيله والإعجاب به وتقليده.
وهنا تكمن قوة الإعلام الناعم.
إنه لا يأمر.
إنه يطبّع.
يجعل فكرة ما مألوفة، ثم مقبولة، ثم محبوبة، ثم ربما طبيعية.
هل نحن أمام «باب حارة» مصرية جديدة؟
المقارنة بين سوريا ومصر تحتاج إلى حذر؛ فلكل مجتمع تركيبته وتاريخه وبنيته السياسية والاجتماعية.
لكن المقارنة الثقافية تظل مشروعة.
في الحالتين يمكن ملاحظة ظاهرة واحدة:
الدراما تلتقط توترًا موجودًا في المجتمع، ثم تعيد صياغته في صورة بطل.
وفي لحظة معينة قد يصبح البطل أكثر من شخصية.
قد يتحول إلى نموذج اجتماعي.
والسؤال هنا ليس هل سيخرج الناس إلى الشوارع لأنهم شاهدوا مسلسلًا.
هذا تبسيط شديد.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا يحدث عندما تتراكم، على مدى سنوات، عشرات القصص التي تقول إن القوة الشخصية أهم من المؤسسة، وإن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وإن الفقير يستطيع أن ينتصر، وإن صاحب النفوذ يمكن كسره؟
عندها لا يعود المسلسل مجرد مسلسل.
يصبح جزءًا من المناخ النفسي للمجتمع.
الشارع قد يسبق الشاشة أيضًا
من الخطأ أن نضع الدراما دائمًا في موقع الفاعل.
أحيانًا يكون الشارع هو الكاتب الحقيقي، وتأتي الشاشة متأخرة لتقرأ ما كتبه الناس في حياتهم اليومية.
الفنان لا يعيش خارج المجتمع؛ إنه يرى التحولات في اللغة، والموسيقى، والعلاقات، وصعود نماذج جديدة من البطولة، والغضب من الفوارق الاجتماعية، والرغبة في الصعود، والإحساس بالتهميش.
ثم يحول كل ذلك إلى شخصية.
لذلك قد يكون البطل الدرامي في كثير من الأحيان ابن الشارع قبل أن يصبح صانعًا له.
لكن المشكلة تبدأ عندما يعيد الشارع استهلاك هذا النموذج، ثم تعيده الدراما مرة أخرى في صورة أكثر قوة، فيتغذى كل طرف من الآخر.
وهنا تنشأ الدائرة:
الشارع ينتج المزاج → الدراما تلتقطه → الدراما تضخمه → المجتمع يعيد استهلاكه → فيصبح المزاج أكثر رسوخًا.
«الحكم ليس للأقليات»… ولكن كيف يكون الحكم؟
لا تعني عبارة «الحكم ليس للأقليات» أن للأكثرية حق إقصاء الأقلية؛ فالمسألة ليست فقط من يحكم، بل كيف يُحكم.
فالديمقراطية تعني حكم الأغلبية ضمن دولة تحمي حقوق الجميع، وإلا تحولت الأكثرية نفسها إلى صورة أخرى من الاستبداد.
ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس: من يحكم؟
بل: هل توجد مؤسسات تحمي المواطن، وقانون يساوي بين الناس، ونظام يسمح بتداول السلطة دون إقصاء أو انتقام؟
فالأغلبية قد تكون حاكمة اليوم، لكنها قد تصبح أقلية غدًا؛ وما يحمي الجميع هو ألا تتحول السلطة إلى امتياز دائم لفئة، أيًا كانت هذه الفئة.
الدراما باعتبارها جهاز إنذار مبكر
ربما تكون القيمة الأهم في قراءة الدراما سياسيًا ليست قدرتها على التنبؤ بالثورات، بل قدرتها على كشف التغير في المزاج العام قبل أن يظهر في السياسة.
حين تتغير صورة البطل، فهذا يعني أن شيئًا يتغير في المجتمع.
حين يصبح المهمش بطلًا، فهذا يعني أن الهامش يطالب بالظهور.
حين يصبح الانتقام أكثر جاذبية من القانون، فهذه إشارة إلى أزمة ثقة.
وحين تصبح الكرامة أهم من الاستقرار في المخيال الشعبي، فهذه إشارة أخرى تستحق الانتباه.
ومن هنا يمكن النظر إلى الدراما العربية بوصفها نوعًا من جهاز الإنذار المبكر للمجتمع.
لا تتنبأ بالمستقبل.
لكنها تكشف ما بدأ يتغير في الحاضر.
بين «باب الحارة» و«علي كلاي»… ماذا تغير؟
ربما لم يتغير شيء جوهري في الحكاية.
ما زال هناك شخص يشعر أن العالم لا يعطيه حقه.
وما زال هناك بطل يريد أن ينتزع اعترافًا.
لكن الذي تغير هو شكل القوة.
في «باب الحارة» كانت القوة مرتبطة بالجماعة والزعامة والكرامة الجماعية.
أما في كثير من الدراما الشعبية الحديثة، فقد أصبحت القوة أكثر فردية، وأكثر التصاقًا بالجسد والحضور والصعود الشخصي والقدرة على مواجهة الآخر.
من الحارة إلى الفرد.
ومن الجماعة التي تقاوم إلى الشخص الذي ينتصر.
وهذا الانتقال ليس تفصيلًا دراميًا.
إنه انعكاس لتحول أعمق في المجتمعات العربية: من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «من أنا؟»، ومن البحث عن الخلاص الجماعي إلى البحث عن الخلاص الفردي.
لكن المفارقة أن الخلاص الفردي، حين يتكرر ملايين المرات على الشاشة، قد يتحول هو نفسه إلى خطاب جماعي.
وهنا تبدأ الدراما في صناعة ما كانت تلتقطه.
الخاتمة: حين تكتب الشاشة الشارع… ويكتب الشارع الشاشة
لا «باب الحارة» صنع الثورة السورية وحده، ولا «علي كلاي» أو محمد رمضان أو غيرهما يستطيع أن يتنبأ بمستقبل مصر السياسي.
لكن من الخطأ، في المقابل، أن نتعامل مع الدراما باعتبارها تسلية منفصلة عن المجتمع.
الدراما إحدى اللغات التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه.
أحيانًا تلتقط الخوف.
وأحيانًا تلتقط الغضب.
وأحيانًا تلتقط الحنين.
وأحيانًا تلتقط رغبة لم تجد بعد طريقها إلى الواقع.
والأخطر أنها قد لا تكتفي بالالتقاط.
قد تمنح الرغبة وجهًا.
وتمنح الغضب بطلًا.
وتمنح الإهانة معنى.
وتمنح التمرد شرعية رمزية.
وتمنح الإنسان الذي لم يجد مكانه في الواقع مكانًا في الخيال.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على الدراما العربية ليس: ماذا تعرض؟
بل:
أي إنسان تصنعه في مخيلة المشاهد؟
فأخطر ما يمكن أن تفعله الشاشة ليس أن تقول للناس: «انزلوا إلى الشارع».
بل أن تجعلهم، بهدوء وعلى مدى سنوات، يتخيلون شارعًا مختلفًا عن الذي يعيشون فيه.
فحين يتغير الخيال، يبدأ الواقع، عاجلًا أو آجلًا، في مواجهة السؤال الذي كان مؤجلًا:
هل سيظل المجتمع يعيش كما تصفه السلطة، أم سيبدأ في العيش كما تعلم أن يتخيل نفسه؟
#مرهف_فهد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟