أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مرهف فهد - شيخوخة الحوكمة والإدارة السورية















المزيد.....

شيخوخة الحوكمة والإدارة السورية


مرهف فهد

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 07:32
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


حين تتحول القواعد من أداة للتنظيم إلى عائق أمام المستقبل
ليست المشكلة دائماً في سوء الإدارة، ولا في ضعف القوانين، ولا حتى في الأشخاص الذين يديرون المؤسسات. أحياناً تكون المشكلة أعمق من ذلك بكثير: نظام إداري كامل استمر في العمل بعقلية زمن انتهى.
وهنا تبدأ «شيخوخة الحوكمة».
الحوكمة، في جوهرها، جاءت لتنظيم السلطة، وضبط القرار، وحماية المال العام، ومنع الفوضى، وضمان المساءلة. لكن ما يبدأ كأداة لحماية المؤسسة يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى قيد يحمي نفسه أكثر مما يحمي المؤسسة.
عندما يصبح السؤال الأهم داخل الإدارة: «هل اتبعنا الإجراء؟» بدلاً من «هل حققنا النتيجة؟»، نكون أمام نظام بدأ يفقد صلته بالواقع.
وهذه ليست مشكلة سورية فقط، لكنها في الحالة السورية تبدو أكثر وضوحاً، لأن البلاد عاشت خلال العقد ونصف العقد الماضيين تحولاً هائلاً جعل كثيراً من قواعد الأمس غير قادرة على تفسير واقع اليوم.
سوريا قبل 2010: دولة تعمل بعقلية الاستقرار
قبل عام 2010، كانت الدولة السورية تملك حضوراً واسعاً في الاقتصاد والإدارة والخدمات. وكان النظام الإداري يقوم بدرجة كبيرة على المركزية، وتسلسل الصلاحيات، وكثرة الإجراءات والموافقات.
لم تكن كل هذه الأدوات خاطئة في أصلها. فالدولة تحتاج إلى التنظيم، وتحتاج إلى التسلسل الإداري، وتحتاج إلى الرقابة.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول الإجراءات إلى ثقافة.
عندما يصبح الموظف الأكثر أماناً هو الموظف الذي لا يجتهد.
وعندما يصبح المدير الناجح هو الذي لا يترك وراءه قراراً قابلاً للمساءلة، لا المدير الذي يحقق نتيجة أفضل.
وعندما تصبح عبارة «هذا مخالف للتعليمات» نهاية النقاش، حتى لو كانت التعليمات نفسها قد أصبحت غير مناسبة للواقع.
في هذه اللحظة، لا تعود البيروقراطية مجرد طريقة للإدارة، بل تصبح طريقة للتفكير.
وهذه هي بداية الشيخوخة.
ثم تغيّر كل شيء
بعد عام 2011، لم تعد سوريا تعيش الظروف التي صُممت لها تلك الإدارة.
حرب، نزوح، انهيار اقتصادي، تدمير للبنية التحتية، انقسام مؤسسي، توسع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع شديد في قدرة الدولة على تقديم الخدمات.
وفق البنك الدولي، انكمش الاقتصاد السوري بأكثر من 50% منذ بداية الصراع مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 20% من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من 5%.
أي أن المشكلة لم تعد مجرد «تحديث الإدارة».
لقد تغيّر المجتمع والاقتصاد والدولة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة: حين يتغير الواقع جذرياً، بينما تستمر الإدارة في التفكير بالأدوات القديمة، تصبح الحوكمة جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
بعد 2025: فرصة تاريخية... ومخاطر تاريخية
مع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ نهاية 2024، دخلت البلاد مرحلة انتقالية تفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات.
وفي عام 2025 ظهرت توجهات نحو إعادة هيكلة القطاع العام، ومراجعة حجم الجهاز الحكومي، والتخلص من الموظفين الوهميين، وإعادة النظر في الشركات العامة، وتبسيط النظام الضريبي، مع توجه أكبر نحو القطاع الخاص.
هذه الخطوات قد تكون ضرورية.
لكنها وحدها لا تصنع حوكمة جديدة.
فإذا استبدلنا الأشخاص ولم نغير طريقة صناعة القرار، ستبقى المشكلة.
وإذا أغلقنا مؤسسة وفتحنا مؤسسة أخرى تحمل العقلية نفسها، لم نحقق إصلاحاً.
وإذا نقلنا المعاملة من الورق إلى شاشة الهاتف من دون إلغاء الإجراءات غير الضرورية، فنحن لم نرقمن الدولة؛ بل رقمنّا البيروقراطية.
المشكلة ليست في القاعدة... بل في تقديسها
كل دولة تحتاج إلى قواعد.
لكن الدولة الذكية تعرف أن القاعدة وسيلة وليست عقيدة.
هناك فرق بين كسر القانون لمصلحة شخصية، وبين اكتشاف أن إجراءً إدارياً أصبح يعطل المصلحة العامة.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على شعار «اكسر القواعد»، بل على قاعدة أكثر نضجاً:
اختبر القاعدة، قِس نتائجها، وعدّلها عندما تفشل في تحقيق الغاية التي وضعت من أجلها.
هذه هي النقلة من الإدارة التقليدية إلى الحوكمة الحديثة.
لماذا لا تكون هناك مساحات محددة للتجربة؟
لماذا لا تستطيع محافظة أو بلدية أو مؤسسة عامة تجربة نموذج جديد للخدمات ضمن إطار قانوني واضح؟
إذا نجح النموذج، يتم توسيعه.
إذا فشل، يتم إيقافه.
إذا أعطى نتائج جزئية، يتم تعديله.
بهذه الطريقة يصبح الخطأ بيانات للتعلم بدلاً من أن يكون سبباً لقتل المبادرة.
أخطر موظف في المؤسسة ليس الفاسد فقط
هناك موظف آخر قد يكون أكثر خطورة على المدى الطويل: الموظف الذي لا يخطئ لأنه لا يفعل شيئاً.
هذا الموظف يطبق التعليمات بحذافيرها، ويغلق الملفات، ويرفض المخاطرة، وينتظر التوقيع الأعلى.
قد يبدو مثالياً في تقارير الرقابة.
لكن المؤسسة التي تمتلئ بهذا النوع من الأداء قد تصبح مؤسسة بلا حياة.
فالابتكار يحتاج إلى مساحة للخطأ.
والقرار يحتاج إلى مساحة للمسؤولية.
والإدارة الحديثة لا ينبغي أن تعاقب الموظف لأنه حاول، بل أن تميز بين خطأ ناتج عن اجتهاد مسؤول وخطأ ناتج عن فساد أو إهمال أو منفعة شخصية.
وهنا تظهر أهمية الحوكمة المرنة.
الدولة الجديدة لا تحتاج إلى دولة أضعف
وهذه نقطة يجب الانتباه إليها.
الدعوة إلى تقليل البيروقراطية لا تعني تقليل هيبة الدولة.
والدعوة إلى إعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر لا تعني انسحاب الدولة.
واللامركزية لا تعني تفكيك الدولة.
على العكس.
الدولة القوية ليست التي تتدخل في كل شيء، بل التي تعرف أين يجب أن تتدخل وكيف.
دولة تضع القواعد، وتراقب، وتحاسب، وتحمي المنافسة، وتصون المال العام، وتضمن الحقوق، لكنها لا تتحول إلى مدير لكل مصنع ومتجر ومشروع وقرار صغير.
هذه هي الدولة التي تحتاجها سوريا في مرحلة إعادة البناء.
من «هل لديك موافقة؟» إلى «ماذا حققت؟»
ربما يكون هذا هو السؤال الذي يلخص التحول كله.
الإدارة القديمة تسأل:
هل لديك الموافقة؟
أما الإدارة الحديثة فتسأل:
ما النتيجة؟
في النموذج الأول، القوة في التوقيع.
في النموذج الثاني، القوة في المسؤولية.
إذا أعطينا مديراً صلاحية، يجب أن نعطيه مؤشرات أداء واضحة.
إذا منحناه مساحة للتجربة، يجب أن نطالبه بالنتائج.
إذا فوضنا الإدارة المحلية، يجب أن نعطيها الموارد والبيانات والصلاحيات.
ثم نحاسبها على ما حققت، لا على عدد الكتب التي أرسلتها إلى المركز.
سوريا تحتاج إلى «حوكمة قابلة للرجوع»
وهنا ربما تكمن الفكرة الأكثر أهمية.
ليست كل القرارات بحاجة إلى أن تكون نهائية.
الدولة الحديثة تحتاج إلى قرارات يمكن اختبارها ومراجعتها والتراجع عنها.
القرار الذي يمكن التراجع عنه ليس قراراً ضعيفاً؛ بل قرار ذكي.
لأن الإدارة التي تعرف أنها تستطيع الاعتراف بالخطأ ستجرؤ على التجربة.
أما الإدارة التي تعتبر التراجع هزيمة، فستستمر في القرار الخاطئ فقط حتى لا تعترف بأنها أخطأت.
وهذه كارثة أكبر من الخطأ نفسه.
سوريا اليوم بحاجة إلى هذا النوع من التفكير:
تجربة، قياس، مراجعة، تصحيح، ثم تعميم.
لا إلى وصفات جامدة جديدة تتحول بعد سنوات إلى بيروقراطية جديدة.
لا نريد أن نستبدل شيخوخة بأخرى
الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط أن تفشل سوريا في التخلص من الحوكمة القديمة.
الخطر أن تنجح في التخلص منها، ثم تبني حوكمة جديدة تبدأ بالشيخوخة منذ يومها الأول.
لذلك لا ينبغي أن يكون هدف الإصلاح مجرد تغيير القوانين والهياكل.
الهدف يجب أن يكون بناء ثقافة مؤسسية تتغير باستمرار.
ثقافة تعتبر السؤال مشروعاً.
والتجربة ممكنة.
والخطأ قابلاً للتعلم.
والقرار قابلاً للمراجعة.
والسلطة مرتبطة بالمسؤولية.
والقانون خادماً للعدالة والنتيجة، لا حاجزاً أمامهما.
الخلاصة
شيخوخة الحوكمة لا تحدث عندما تصبح القوانين قديمة فقط.
تحدث عندما تفقد المؤسسة القدرة على الاعتراف بأن الزمن تغيّر.
سوريا قبل 2010 كانت تحتاج إلى إصلاح إداري تدريجي.
أما سوريا بعد 2025 فهي أمام مهمة أكبر بكثير: إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها.
ولذلك فإن التحدي ليس في أن نكسر القواعد، ولا في أن نتمسك بها.
التحدي أن نعرف متى تحمي القاعدة الدولة، ومتى تبدأ القاعدة بحماية نفسها على حساب الدولة.
ربما تكون الثورة الإدارية الحقيقية التي تحتاجها سوريا اليوم بسيطة في شكلها، عميقة في مضمونها:
أن نعطي المسؤول مساحة ليجرب، والمواطن حقاً في أن يعرف، والمؤسسة قدرة على أن تتراجع، والرقابة أدوات لقياس النتائج، والقانون آليات لتصحيح نفسه.
فالدولة التي لا تسمح لنفسها بالتغيير ستشيخ.
والدولة التي لا تسمح لنفسها بالتراجع ستتعثر.
أما الدولة التي تستطيع أن تجرب، وتتعلم، وتصحح، ثم تتقدم...
فهي الدولة التي لا تخاف من المستقبل.
وهنا تبدأ نهاية شيخوخة الحوكمة.



#مرهف_فهد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاد السوري في المرحلة الانتقالية: من اقتصاد الحرب إلى ا ...
- اقتصاد الظل في سورية
- الدولة العميقة بين النفوذ الخفي وبناء الدولة القوية
- سوريا 2027: من الدولة الثقيلة إلى الدولة الذكية كيف تنتقل سو ...
- الحوكمة الفعالة: الطريق نحو استقرار وتنمية مستدامه في سوريا
- سورية 2036 اقتصاد معلق بين الجغرافيا غير المفعله والكفاءات ا ...
- البرلمانات بعد الثورات
- أدبيات الوظيفة العامة بين المجتمعات الأوروبية والعربية والآس ...
- التخطيط الثقافي خطوة نحو الوصول للذكاء الثقافي والتنمية المس ...
- ورقة تقدير موقف: دور التكنولوجيا القانونية والذكاء الاصطناعي ...
- التكنولوجيا القانونية (LegalTech) وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ...


المزيد.....




- نصف عام على حرب إيران: هل استنفد ترامب خياراته العسكرية والا ...
- خامنئي يوجه بتقليص دور الدولار في الاقتصاد الإيراني ويحذر من ...
- أسعار الذهب تتراجع بأسرع وتيرة منذ يوليو بعد تصريحات متشددة ...
- منذ 2003.. لماذا بقي العراق مظلما رغم إنفاق 80 مليار دولار؟ ...
- أزمة الطاقة تشتد.. هل تنقذ المفاعلات النووية العالم من الاخت ...
- -إظهار نقاط ضعفنا يخدم العدو-.. مجتبى خامنئي يوجه رسالة تركز ...
- أول رسالة من مرشد إيران عن عقوبات -الإنزال الاقتصادي- وأولوي ...
- خامنئي يدعو الحكومة الإيرانية لتقليل الاعتماد على الدولار: ا ...
- الدفاع الروسية: استهدفنا منشأة أوكرانية لإنتاج مواد لصواريخ ...
- مدفيديف: الحرب الساخنة والاقتصادية ستنتهيان بانتصار روسيا


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مرهف فهد - شيخوخة الحوكمة والإدارة السورية