أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مرهف فهد - اقتصاد الظل في سورية














المزيد.....

اقتصاد الظل في سورية


مرهف فهد

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 00:56
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


عندما تصبح المخالفة هي القاعدة والاقتصاد الرسمي هو الاستثناء

ليس أخطر ما يواجه الاقتصاد السوري اليوم تراجع الإنتاج أو ضعف الاستثمار، بل التحول الهادئ الذي يكاد يمر دون نقاش: انتقال مركز الثقل من الاقتصاد الرسمي إلى اقتصاد الظل. فما كان يُعرف سابقًا بـ"العمل بالأسود" لم يعد مجرد نشاط هامشي يمارسه بعض التجار أو أصحاب المهن، بل أصبح بالنسبة لآلاف المنشآت والأفراد الطريقة الأكثر واقعية للاستمرار في سوق أنهكته الحرب والتضخم والضرائب وضعف المؤسسات.

بعد أربعة عشر عامًا من الصراع، لم تعد المشكلة تقتصر على حجم الخسائر الاقتصادية، بل امتدت إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها. فوفق أحدث تقييم للبنك الدولي، انكمش الاقتصاد السوري بأكثر من 50% مقارنة بعام 2010، بينما تشير تقديرات أخرى اعتمدت على قياس النشاط الاقتصادي عبر الإضاءة الليلية إلى أن الانكماش قد يكون وصل إلى نحو 84% بين عامي 2010 و2023، في واحدة من أكبر حالات التراجع الاقتصادي في العالم خلال العقود الأخيرة.

في هذا الواقع، لم يعد السؤال: لماذا يعمل الناس خارج الاقتصاد الرسمي؟ بل أصبح: كيف يمكنهم البقاء داخله؟

السبب الأول يتمثل في العبء الضريبي والرسوم. فكلما ارتفعت كلفة الالتزام الرسمي، وانخفضت القدرة الشرائية، تقلص هامش الربح إلى الحد الذي يدفع كثيرًا من أصحاب الأعمال إلى تجنب التسجيل الضريبي أو إصدار الفواتير. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يمثل العمل غير الرسمي خيارًا لتحقيق أرباح إضافية، بل وسيلة لتجنب الخسارة.

العامل الثاني هو غياب منظومة تقنية متكاملة تربط بين الفوترة الإلكترونية والإدارة الضريبية والمصارف والسجل التجاري. ففي الاقتصادات الحديثة، تترك كل عملية بيع أثرًا رقميًا يجعل إخفاء النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة. أما عندما تغيب هذه الحلقة، تصبح التجارة النقدية غير الموثقة هي النموذج الأسهل والأقل تكلفة، ويزداد اتساع الاقتصاد غير الرسمي عامًا بعد آخر.

لكن العامل الأكثر تأثيرًا يبقى الإرث الذي صنعته الحرب. فعلى مدى أربعة عشر عامًا، اعتاد السوريون البيع والشراء والعمل والإنتاج في بيئة يغيب عنها التوثيق، سواء بسبب تعطل المؤسسات أو الانقسام الجغرافي أو الضرورات المعيشية. نشأ جيل كامل من التجار وأصحاب الورش والمهن الحرة وهم يمارسون أعمالهم دون سجلات أو فواتير أو عقود نظامية، حتى أصبح هذا النمط هو السلوك الاقتصادي الطبيعي، وليس الاستثناء.

وليس هذا الواقع سوريًا بالكامل. فبحسب منظمة العمل الدولية، يعمل 61.2% من العاملين في العالم، أي نحو ملياري شخص، في الاقتصاد غير الرسمي، بينما تشير المنظمة إلى أن أكثر من 80% من المنشآت في العديد من الاقتصادات النامية تنشط خارج المنظومة الرسمية بدرجات متفاوتة. إلا أن الدول الخارجة من النزاعات تشهد عادة مستويات أعلى من "اللا رسمية" بسبب ضعف المؤسسات وتراجع قدرة الحكومات على التنظيم والرقابة.

ويحذر البنك الدولي من أن توسع الاقتصاد غير الرسمي يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية، وتراجع الإنتاجية، وضعف الاستثمار، وصعوبة رسم السياسات الاقتصادية، لأن جزءًا كبيرًا من النشاط الحقيقي لا يظهر في البيانات الرسمية. وعندما لا تستطيع الدولة قياس اقتصادها بدقة، يصبح من الصعب أيضًا إدارته بكفاءة.

المفارقة أن اقتصاد الظل، رغم أضراره بعيدة المدى، لعب خلال سنوات الحرب دورًا في إبقاء عجلة النشاط الاقتصادي تدور. فقد وفر فرص عمل، وسهّل حركة السلع، وأتاح للأسر مصادر دخل في وقت كانت فيه الخيارات الأخرى شبه معدومة. لكن ما كان حلًا اضطراريًا في زمن الأزمة، قد يتحول إلى عقبة حقيقية أمام التعافي إذا استمر بوصفه النموذج الاقتصادي السائد.

إن إعادة النشاط الاقتصادي إلى الإطار الرسمي لن تتحقق عبر الحملات الرقابية وحدها، ولا بفرض مزيد من الضرائب. التجارب الدولية تؤكد أن النجاح يبدأ عندما تصبح الشرعية أقل تكلفة من المخالفة، وعندما يشعر التاجر أو الصناعي أن تسجيل نشاطه يمنحه مزايا حقيقية، لا أعباء إضافية.

اليوم، يقف الاقتصاد السوري أمام مفترق طرق. فإما أن يستمر اتساع اقتصاد الظل حتى يصبح الاقتصاد الرسمي مجرد واجهة إدارية محدودة، أو أن تبدأ عملية إصلاح حقيقية تعيد بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، عبر نظام ضريبي عادل، ورقمنة شاملة للمعاملات، وتبسيط الإجراءات، وتحويل الالتزام بالقانون من عبء إلى فرصة.

ففي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد القوانين التي تفرضها، بل بعدد المواطنين الذين يجدون مصلحة حقيقية في الالتزام بها.



#مرهف_فهد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة العميقة بين النفوذ الخفي وبناء الدولة القوية
- سوريا 2027: من الدولة الثقيلة إلى الدولة الذكية كيف تنتقل سو ...
- الحوكمة الفعالة: الطريق نحو استقرار وتنمية مستدامه في سوريا
- سورية 2036 اقتصاد معلق بين الجغرافيا غير المفعله والكفاءات ا ...
- البرلمانات بعد الثورات
- أدبيات الوظيفة العامة بين المجتمعات الأوروبية والعربية والآس ...
- التخطيط الثقافي خطوة نحو الوصول للذكاء الثقافي والتنمية المس ...
- ورقة تقدير موقف: دور التكنولوجيا القانونية والذكاء الاصطناعي ...
- التكنولوجيا القانونية (LegalTech) وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ...


المزيد.....




- الكرملين يحذر من تداعيات التصعيد في المنطقة على الاقتصاد الع ...
- الغاز وأمن الطاقة والهجرة.. ألمانيا تستميل الجزائر لتعزيز أم ...
- ماذا تريد تركيا من لبنان؟ترفع أنقرة عنوان الشراكة الاقتصادية ...
- الزيدي لـ-شيفرون-: نريد رفع الإنتاج وتوسيع قدرات التكرير
- مشروع طموح للربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا لتعزيز صادرات ا ...
- لبنان وسوريا يراجعان اتفاقاتهما التجارية لإعادة ضبط العلاقات ...
- صندوق النقد الدولي يتفق مع اليمن على برنامج إصلاح اقتصادي
- ارتفاع أسعار الوقود يهدد بإعادة هيكلة شركات الطيران الأوروبي ...
- قمة وزارية بين المغرب وفرنسا لتعزيز الشراكة بين البلدين في م ...
- -سي إن إن-: ترامب روج لشركات بعد شراء أسهم فيها


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مرهف فهد - اقتصاد الظل في سورية