أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - علل العقل: من غريزة البقاء إلى وهم الأنا















المزيد.....

علل العقل: من غريزة البقاء إلى وهم الأنا


علي ماضي
كاتب

(Ali Madhi)


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 10:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قبل أن تقرأ هذه الجملة، كانت ثمة قرارات لا تعلم عنها شيئاً؛ قرار عضلات عينيك بالتحرك على السطر، وقرار رئتيك بالتمدد، وقرار ما لا يُحصى من خلاياك العصبية بأن تُطلق إشاراتها أو تصمت. السؤال الذي نادراً ما نطرحه رغم بداهته: من صاحب هذه القرارات فعلاً؟ لطالما سكننا يقين راسخ بأننا نملك ذاتاً واحدة موحدة تقود حياتنا بوعي تام، غير أن وضع الدماغ تحت مشرحة العلم يكشف أن هذا اليقين ليس سوى طبقة رقيقة فوق ماكنة بيولوجية وُجدت أصلاً لخدمة البقاء، لا للبحث عن الحقيقة. إن هذا المقال ليس مجرد سرد لمعلومات علمية، بل هو دعوة لمراقبة هذه الماكنة من الداخل؛ ليس بقصد إدانتها، بل لنفهم كيف تعمل حتى لا نظل رهائن لعللها دون أن ندري.

ثمة حقيقة بيولوجية قد لا تريحنا، وهي أن مهمة الدماغ الأساسية ليست البحث عن الحقيقة المجردة، ولا الإبداع، بل الحفاظ على الحياة وضمان التكاثر. فالدماغ يمثل نحو 2% من وزن الجسم لكنه يستهلك ما يقارب 20% من طاقته الكلية، وهذه التكلفة الهائلة جعلت التطور يُصمّمه على مبدأ الاقتصاد الصارم: لا تُنفق طاقة إلا على ما يخدم البقاء. لقد عاش الإنسان آلاف السنين إما مُطارِداً أو مُطارَداً، ولذلك فإن التفكير المجرد والعمليات المعرفية العليا ليست طبيعة الدماغ الأصيلة، بل هي قدرة نمت على متنه كـ ريش الطاووس؛ حاجة كمالية تتربع على قمة هرم الاحتياجات، ولا تُفعَّل بالكامل إلا حين يأمن الجسد. وهنا يكمن التناقض المؤلم لوجودنا: نحن كائنات تسكن في أجساد مُصمَّمة للصيد والهروب، لكنها تحمل في داخلها وعياً يسأل عن اللانهاية. ومع أن الدماغ شهد توسعاً هائلاً في القشرة الجبهية ليلبي احتياج الوعي، إلا أن هذا الجزء المتطور لا يزال يعمل فوق ركيزة بيولوجية قديمة، وهذا الاستخدام لآلة البقاء في البحث عن المعنى هو المصدر الأساس لعلل العقل.

أولى هذه العلل هي الاعتياد؛ فمن منظور بيولوجي، يعتبر الدماغ أي محفز حسي متكرر وغير مهدد بمثابة هدر للطاقة، فيقطع وعيك عنه ليوفر الوقود البيولوجي. المثال الأقرب إليك الآن هو أنفك؛ فرغم أنه يتوسط مجالك البصري، فإن دماغك يحذفه من مشهدك تماماً ولا تراه إلا حين تتعمد التركيز عليه، لأنه معلومة ثابتة وغير مفيدة. وبالمثل، فإن الدماغ الذي يملك صلاحية حذف المعلومة الحسية يملك أيضاً صلاحية حذف المراجعة الفكرية؛ فالإنسان المولود في بيئة معينة يتبنى قيمها تلقائياً، ثم يُحصّنها ضد النقد لأن مراجعتها تستهلك طاقة وتثير قلقاً، فيتعامل معها كما يتعامل مع أنفه: يُبقيها في المشهد دون أن يراها أو يراجعها حقاً.

وتتجلى علة التبرير الوهمي بوضوح مرعب في تجارب العالم مايكل غازانيغا على مرضى خضعوا لجراحة قطع الجسم الثفني الذي يربط نصفي الدماغ. في هذه الحالات الاستثنائية، عُرِضت صورة مخلب دجاجة للفص الأيسر الناطق، وصورة مشهد ثلجي للفص الأيمن الصامت، فاختارت اليد اليمنى صورة دجاجة، بينما اختارت اليد اليسرى مجرفة ثلج. وحين سُئل المريض: لماذا اخترت المجرفة؟ لم يقل بصدق: لا أعلم، بل انبرى فوراً ليختلق قصة منطقية تربط بين المعطيين الوحيدين اللذين يمتلكهما، قائلاً: الأمر بسيط.. لقد اخترتُ مخلب الدجاجة، ونحن نحتاج المجرفة لتنظيف قن الدجاج! لقد قام هذا المُفسِّر القابع في يسار رؤوسنا بتلفيق سردية كاذبة مفضلاً الكذب المُنسجم على الاعتراف بالجهل. وهذه الآلية تعمل في أدمغتنا جميعاً؛ فنحن لا نصدر قرارات ثم نبررها، بل كثيراً ما تصدر القرارات من مناطق لا وعي لها، ثم يأتي هذا الحكواتي ليلفق لها تبريراً منطقياً بأثر رجعي. وهذا هو المهندس الخفي للأسطورة والغيبيات في الوعي الجمعي؛ فالدماغ لا يحتمل فراغ المجهول، فيفرز الأساطير كـ جهاز مناعة نفسي يقتل قلق الغموض الذي قد يشل قدرة الكائن على الفعل والاستمرار.

يؤدي هذا الانقسام الوظيفي أيضاً إلى ظهور أنماط شخصية تختلف بحسب الفص المسيطر، وهنا نلمس أثراً فسلجياً خطيراً؛ فما نراه من أشخاص يكذبون ويبررون أفعالهم بشكل مفرط قد لا يكون سببه أخلاقياً فحسب، بل ربما يعود لخلل في كفاءة التواصل بين فصي الدماغ. فإذا صادف وضعف التواصل بين الفصين وكان الفص الأيسر هو المسيطر، فإنه ينفرد بصناعة التبريرات دون أن تصله إشارات الواقع الكلية من الفص الأيمن، فيتحول الشخص إلى سجين لسرديات دماغه الخاصة. وتمتد هذه العلل لتشمل عمى الاختيار؛ ففي تجربة شهيرة، طُلب من المشاركين اختيار الوجه الأكثر جاذبية من بين صورتين، ثم بخفة يد، أُبدلت الصورة المختارة بالمرفوضة، والمفاجأة لم تكن في عدم ملاحظتهم للتبديل، بل في انطلاقهم يسردون مبررات تفصيلية لجمال الوجه الذي رفضوه قبل ثوانٍ! إن عقلنا هنا ليس قاضياً نزيهاً، بل هو محامٍ بارع وظيفته الدفاع عن موقف موجود مسبقاً ليحافظ على اتساق الأنا أمام نفسها وأمام الآخرين.

إننا في الحقيقة لسنا كياناً واحداً مستقلاً، بل نحن مستعمرة سابحة؛ فأمعاؤنا تحمل تريليونات الميكروبات التي تؤثر عبر محور الأمعاء-الدماغ على مزاجنا وقراراتنا، حيث تُنتج هذه الميكروبات نحو 90% من السيروتونين في الجسم. ومع مراعاة الدقة العلمية في عدم نسب نية مقصودة لهذه الكائنات، إلا أن تأثيرها على الحالة العصبية يثبت أن الأنا ليست القائد المطلق، بل هي وهم وظيفي ضروري؛ هي نظام تشغيل يدمج صراعات الجينات والميكروبات والذكريات في سردية واحدة تُمكّننا من اتخاذ قرارات في هذا العالم. هي، باختصار، موظف علاقات عامة يعمل على صبغ صراعات البيولوجيا بصبغة القرار الشخصي الحر.

وإذا كان العقل الذي نستخدمه للفهم هو ذاته العقل المعلول، فكيف نثق بنتاجه؟ الرد يكمن في أن المنهج العلمي وُلد من رحم الاعتراف بقصور العقل الفردي؛ فالعلم هو منظومة تصحيح جماعي صُممت لتحييد علل الأفراد عبر التجربة والبرهان المادي، مما يمنعنا من التبرير السهل بالغيبيات التي تريح الدماغ وتجنبه مشقة البحث. إن التفكير الواعي والمنهج العلمي هما تمردنا النبيل والمأساوي على سجننا البيولوجي. والوعي بأن السجن سجن قد لا يمنحنا الحرية الكاملة، لكنه يمنحنا القدرة على التمييز بين اللحظة التي نختار فيها فعلاً، وتلك التي تختار فيها الماكنة البيولوجية نيابة عنا. ومن هذه المسافة الرقيقة يبدأ الإنسان الواعي؛ لا ذلك الذي يدّعي تجاوز بيولوجيته، بل ذلك الذي يراها ويتعامل معها بعيون مفتوحة



#علي_ماضي (هاشتاغ)       Ali_Madhi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التربية بين قيود الموروث وتحديات العولمة الرقمية
- زلزال دافوس 2026: حين يعلن ترامب وصايته على بقايا القارة الع ...
- اثر مفاهيم فيزياء الكم على نظرية المعرفة
- ساعة الأرض المناخية: بين إيقاع ميلانكوفيتش والعبث البشري
- المعجزة أم المحاولة: لماذا نفضل الوهم المريح على الحقيقة الم ...
- عاشوراء من احياء الذكرى الى احياء الامة
- هذا المساء
- نبوءة
- ارصفة الغربة
- انا وسيزيف ورجاء النقاش
- مخاوف بشان الديمقراطية في العراق
- قراءة في الانتخابات التمهيدية للتيار الصدري
- هوامش اجتماعية
- هوامش في التربية
- لا اريد ان اكون ملاكا
- وجهة نظر في جدل مظاهرة يوم الجمعة
- ملاحظات في مأزق تشكيل الحكومةالعراقية
- هم يبدعون ونحن نتعجب
- المنطق الثنائي وحملات الانتخابات الاعلامية.
- التاثيرات المحتملة لنتائج انتخابات مجالس المحافظات السابقة ع ...


المزيد.....




- رغم الظلام الدامس.. كيف تُحلّق الطائرات ليلًا؟
- مشهد غير مألوف في السعودية.. ماذا يفعل قطيع من الغزلان داخل ...
- -لم أقتل زوجتي-.. شاهد آخر ما قاله نجم -أمريكان آيدول- الساب ...
- مقتل شخصين وإصابة 9 آخرين في استهداف مسيرات أوكرانية لمقاطعة ...
- تحديات اليمن والعمق السعودي تعجل بهيكلة -حلف مكة-
- ترامب يقول إن -تهديداً- دفع الولايات المتحدة إلى سحب قاذفاته ...
- -التحالف- ينفذ عملية عسكرية في الحديدة لحماية الملاحة، وأنصا ...
- الشرق الأوسط على وقع تصعيد واسع: تهديدات بين واشنطن وطهران.. ...
- اجتماع أميركي استثنائي و-قرارات- خلف الكواليس.. ماذا يُحضّر ...
- غاز مسيل للدموع وخراطيم مياه في بريشتينا خلال صدامات بين محت ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - علل العقل: من غريزة البقاء إلى وهم الأنا