أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - التربية بين قيود الموروث وتحديات العولمة الرقمية















المزيد.....

التربية بين قيود الموروث وتحديات العولمة الرقمية


علي ماضي
كاتب

(Ali Madhi)


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 04:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن تناول موضوع ببالغ الأهمية مثل التربية يستوجب
بالضرورة العروج على محاور أساسية تشكل هيكل هذا المفهوم؛ تبدأ بضبط تعريف التربية والتمييز الدقيق بينها وبين الرعاية، لفك الاشتباك الحاصل لدى الكثير من الأسر التي تكتفي بتقديم خدمات الإعاشة ظناً منها أنها تربي أبناءها، ثم المرور بوسائل التنشئة الاجتماعية التي تصيغ الهوية، وصولاً إلى المقارنة التحليلية بين فلسفة التربية في المجتمعات المحافظة وتلك المنفتحة، لفهم مآلات كل منهما في ظل التحولات العالمية.
فالجذر اللغوي لكلمة تربية هو "ربا" التي تعني في أصلها الزيادة والنماء والعلو والارتفاع، ومن هنا نفهم أن الفعل التربوي في منطلقه الأصيل ليس مجرد حشو أو تلقين بل هو عملية إعلائية تهدف للارتقاء بالكائن البشري من مجرد وجود بيولوجي إلى أفق إنساني رحب. أما في علمي الاجتماع والنفس تتسع هذه الرؤية لتصبح التربية هي المنظومة المتكاملة التي تصقل شخصية الفرد وتحقق توازنه بين دوافعه الداخلية ومتطلبات المحيط، وفي عمقها الفلسفي فن تحرير الإرادة وبناء الوعي المستقل الذي يسمح للإنسان أن يرى خياراته بوضوح ويمتلك القدرة على اتخاذ قراره الخاص وسط زحام الآراء وتعدد المسارات.
وعندما نتحدث عن الرعاية فإننا نلمس الجانب المادي والخدمي من الوجود الإنساني وهي العملية التي تتركز بشكل كلي ومباشر في المستويات الدنيا من الاحتياجات البشرية المذكورة في أسفل هرم ماسلو، حيث تأمين الغذاء والكساء والمأوى وضمان الأمان الجسدي. فالرعاية هي في الحقيقة توفير الظروف الحيوية التي تبقي الإنسان على قيد الحياة وهي ضرورة قصوى لكنها تقف عند حدود الجسد والبيئة المحيطة. وهنا يبرز الفارق الجوهري الذي يقع فيه الكثير من الخلط؛ فالرعاية تحفظ الوعاء وتضمن استقراره بينما التربية هي التي تملأ هذا الوعاء بالمعنى والقيم. فالرعاية تُعنى بوجود الإنسان ككائن حي يحتاج للأمان والمؤونة بينما التربية تُعنى بماهية هذا الإنسان وكيف سيفكر وماذا سيختار حين يواجه اختبارات الحياة الكبرى.
إن الهدف الأسمى من التربية هو بناء إنسان متزن يمتلك بوصلة داخلية تمكنه من التمييز بين الغث والسمين، فالتربية تسعى لصناعة فرد قادر على التكيف دون ذوبان وعلى الانتماء دون تبعية عمياء. وهذه المهمة الصعبة تتقاسمها وسائل التنشئة الاجتماعية التي تبدأ من حضن الأسرة ثم المدرسة وصولاً إلى جماعة الأقران، غير أن هذه الوسائل تمارس نوعاً من البرمجة الذهنية التي تستغل ميزة الاعتياد المتأصلة في العقل البشري؛ حيث يميل العقل لتحويل الأنماط المتكررة كالشعائر الدينية والطقوس والقواعد الفكرية التي يتلقاها في صغره إلى ثوابت حتمية لا تقبل الجدل مما يسلب الفرد إرادته تدريجياً ويجعله منحازاً آلياً لقيم مجتمعه الذي ترعرع فيه، ظناً منه أن ما ألفه واعتاد عليه هو الحقيقة المطلقة وما سواها ضلال. وهذا التنميط الفكري يجعل الفرد يقاوم بشراسة أي تغيير يطال معتقداته التي تحولت بفعل الاعتياد إلى جزء من هويته.
لكننا نعيش اليوم اللحظة الأكثر حرجاً في تاريخ هذا التنميط مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي كلاعبين أساسيين ومؤثرين لا يمكن لجمهم. لقد أحدثت هذه الأدوات خرقاً هائلاً في حصن العزل الذي شيدته المجتمعات المحافظة طويلاً حول أفرادها، ذلك الحصن الذي كان يهدف لإيهام الفرد بأن ما يدور داخل أسواره هو الأفضل والوحيد ولا شيء خارجه. وسائل التواصل أزالت هذه الحدود الفيزيائية والنفسية وسارعت من عولمة القيم الاجتماعية بشكل قسري، مما جعل الفرد يقارن نمطه المعتاد بأنماط كونية أخرى وهو ما يمثل الخطر الوجودي الحقيقي الذي يهدد تماسك المجتمعات التقليدية؛ فالذكاء الاصطناعي اليوم يتجاوز رقابة الأهل وسلطة المجتمع محطماً جدران العزلة التي كانت تضمن الولاء الأعمى للموروث.
وفي قراءة مقارنة نجد أن المجتمعات المحافظة تنظر إلى قيمها الدينية والاجتماعية كحقائق مطلقة لا تقبل الجدل مما يدفعها لفرض هذه القيم على الأبناء بأساليب قسرية تفتقر للمرونة. وهذا الجبر يستدعي بالضرورة استخدام أدوات الضبط مثل العنف اللفظي والجسدي لضبط الأفراد ومنع أي انحراف عن الموروث، وهو ما ينتج منظومة تعليمية تعتمد بالكامل على منهج الحفظ والتلقين لا النقد والتحليل. هذا المسار يقمع التفكير الإبداعي ويسلب الفرد قدرته على اتخاذ القرارات التي تلائم فطرته مما يؤدي لإنتاج مجتمع يتسم بالركود ويقاوم التغيير، وتميل إلى الاحتفاظ بالنظام العشائري المتكاتف حيث تتقدم مصلحة الجماعة واللحمة الاجتماعية على حرية الفرد واستقلاليته.
على الضفة الأخرى نجد المجتمعات المنفتحة التي ترفع من شأن حرية الفرد واستقلاليته المطلقة كقيمة عليا ولو كان ذلك على حساب ذوبان القيم التقليدية وتراجع روابط اجتماعية أصيلة مثل بر الوالدين والامتثال للعائلة. في هذه المجتمعات يكون إحساس الفرد ومشاعره المركز الذي يدور حوله كل ما حوله، ويسود النقاش والإقناع محل العنف والترهيب، وتتبنى المؤسسة التربوية في هذه المجتمعات مناهج حديثة كمنهج المحور والنشاط والتجريب والمشاركة الفعالة للمتعلم الذي يكون محور العملية التعليمية، ومثل هذه المناهج مصممة للانتقال من الجزئيات للكليات لتنمي التفكير الإبداعي حيث يتعلم الفرد من خلال الممارسة والبحث مما يحفز النقد والابتكار. وما يعيب هذه المجتمعات وبسبب عدم ثبات القيم ضعف التماسك الأسري وتفقد الفرد بوصلة الانتماء للجذور.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم هو عدم وجود نموذج يوفق بين هذه المتناقضات بحيث يكسر قيود البرمجة القسرية والتنميط الجاهز دون السقوط في فخ الضياع القيمي؛ نموذج يمنح الأبناء أجنحة التحليق والابتكار في عالم مفتوح بلا حدود ويعلمهم أن الحقيقة تُكتشف بالتجربة والنقد والمشاركة لا بالاعتياد والوراثة والحفظ الأصم، مع الحفاظ على قيم الانتماء والوفاء التي تُعطى للحياة معناها الإنساني النبيل.
خلاصة القول، مررنا من خلال هذا المقال مروراً سريعاً من مفهوم الرعاية البيولوجية المرتبطة بأسفل هرم ماسلو إلى آفاق التربية التي تستهدف النماء والعلو اللغوي والفلسفي. لقد ميزنا بين توفير الحاجات المادية وصناعة الوعي، مفسرين كيف تتحول وسائط التنشئة إلى أدوات للبرمجة الذهنية والاعتياد الذي يقاوم التغيير. كما حللنا أثر الزلزال الرقمي والذكاء الاصطناعي في هدم حصون العزلة التي شيدتها المجتمعات التقليدية، منتهين بمقارنة بين قسوة التلقين في المجتمعات المحافظة وبين سيولة القيم في المجتمعات المنفتحة، لنؤكد في النهاية على ضرورة خلق نموذج تربوي يجمع بين حرية النقد وأصالة الانتماء.



#علي_ماضي (هاشتاغ)       Ali_Madhi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زلزال دافوس 2026: حين يعلن ترامب وصايته على بقايا القارة الع ...
- اثر مفاهيم فيزياء الكم على نظرية المعرفة
- ساعة الأرض المناخية: بين إيقاع ميلانكوفيتش والعبث البشري
- المعجزة أم المحاولة: لماذا نفضل الوهم المريح على الحقيقة الم ...
- عاشوراء من احياء الذكرى الى احياء الامة
- هذا المساء
- نبوءة
- ارصفة الغربة
- انا وسيزيف ورجاء النقاش
- مخاوف بشان الديمقراطية في العراق
- قراءة في الانتخابات التمهيدية للتيار الصدري
- هوامش اجتماعية
- هوامش في التربية
- لا اريد ان اكون ملاكا
- وجهة نظر في جدل مظاهرة يوم الجمعة
- ملاحظات في مأزق تشكيل الحكومةالعراقية
- هم يبدعون ونحن نتعجب
- المنطق الثنائي وحملات الانتخابات الاعلامية.
- التاثيرات المحتملة لنتائج انتخابات مجالس المحافظات السابقة ع ...
- قراءة في خلاف مجلس النواب حول قانون الخدمة والتقاعد للعسكريي ...


المزيد.....




- تركيا تنجح في حجز مقعدها في قلب العالم الجديد
- الجيش السوداني والدعم السريع يتبادلان القصف في دارفور وكردفا ...
- قادما من اتحاد جدة.. بنزيمة إلى الهلال السعودي
- الاحتلال ينفذ حملة اعتداءات جديدة ضد سكان الضفة
- دعوى قضائية ضد الخارجية الأمريكية بسبب تعليق تأشيرات الهجرة ...
- بين القوة والردع.. السيناريوهات البحرية المحتملة ضد إيران
- دراسة جديدة: خطر النوبات القلبية لدى الرجال يبدأ في هذا السن ...
- أول فوج من العائدين يدخل قطاع غزة عبر معبر رفح
- ملامح ما بعد سيطرة حكومة اليمن المدعومة سعوديا على الجنوب
- ماكس كليمنكو.. صانع محتوى حوّل سلّما خشبيا إلى منصة عالمية


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - التربية بين قيود الموروث وتحديات العولمة الرقمية