أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - اثر مفاهيم فيزياء الكم على نظرية المعرفة















المزيد.....

اثر مفاهيم فيزياء الكم على نظرية المعرفة


علي ماضي
كاتب

(Ali Madhi)


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 20:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ثمة ثقوب خفية في حكاية الواقع الذي نعيشه؛ فجوات معرفية عميقة تدفعنا دوماً للتساؤل: هل هذا العالم المحيط بنا موجود فعلاً بماديته المستقلة، أم أننا نحن، وبطريقة ما، من نمنحه هذا القوام المادي؟
من المثير حقاً أن نرى فيزياء القرن الحادي والعشرين وهي تعيد الاعتبار لرؤية الفيلسوف اليوناني أفلاطون قبل أكثر من ألفي عام. فقد تعرض أفلاطون قديماً لـ نقد تلميذه أرسطو، ومن فلاسفة العصر الحديث الذين تلوه، حين افترض وجود "عالم للمُثل" يختبئ خلف ستار عالمنا المادي المحدود، واتهموه آنذاك بأنه يضاعف العوالم بلا مبرر منطقي. غير أن العلم اليوم، بكفتيه الكلاسيكية والكمومية، يبدو وكأنه يصطف لإنصاف أفلاطون؛ فالعالم ليس كياناً واحداً ماديّاً كما توهمنا، بل هو "حالة تراكب" وجودية لا ندرك منها إلا قشرة رقيقة للغاية.
أولاً: سجن الحواس.. حين أنصفت الفيزياء الكلاسيكية أفلاطون
قبل أن نغوص في غرابة ميكانيكا الكم، يجدر بنا الاعتراف بأن الفيزياء الكلاسيكية نفسها قد وجهت صفعة قوية لغرورنا الحسي منذ أمد بعيد. فقد كشفت لنا أننا نتحرك داخل "سجن مادي" محكم المديات؛ حيث لا يمثل إدراكنا نافذة مفتوحة على الحقيقة المطلقة، بل هو عملية تصفية قاسية واختزال للواقع يمر عبر ثلاثة مستويات بنيوية معقدة:
1. الفلترة في المستقبلات: تبدأ الرحلة هنا، حيث صُممت حواسنا بنيوياً لتتجاهل معظم ما يحيط بها. فالعين مثلاً تفتقر تماماً للمجسات اللازمة لالتقاط الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء، كما أن الأذن لا تملك القدرة الفيزيائية على التحسس بالترددات الفوق صوتية أو التحت صوتية؛ وبذلك تظل تلك الإشارات ميتة ولا تتولد فيزيائياً من الأساس في عالمنا الخاص.
2. الفلترة في المسارات العصبية (تصفية الناقل): وحتى تلك الإشارات التي تنجح الحواس في اصطيادها، لا تصل برمتها إلى الوعي. فهناك خلايا وسيطة تعمل كحارس للمسارات العصبية، تقوم بكبح الإشارات الضعيفة أو المتكررة، كي لا يغرق الدماغ في "ضجيج" البيانات الهامشية.
3. الفلترة في الدماغ (الفلتر الواعي): وفي المرحلة الأخيرة، يمارس الدماغ انتقائية برمجية؛ فيركز على بيانات محددة ويهمل الباقي تماماً. وخير دليل على ذلك هو غياب شعورك بملمس ملابسك على جلدك طوال اليوم، رغم أن الأعصاب تنقل تلك الإشارة بلا توقف، إلا أن الدماغ يصنفها كمعلومة "غير هامة" ويحجبها عن وعيك.
إن هذا الاستعراض يقودنا لنتيجة واحدة: فنحن محجوبون عن عوالم كاملة بسبب قصور بيولوجيا الدماغ. والأهم من ذلك، أن هذه التصفية تجعلنا نعيش في مديات ترددية محددة سلفاً قبل أن تبدأ معالجة الأفكار في أذهاننا. وهنا ينفتح الباب أمام حقيقة مذهلة؛ إذ لا يوجد أي مانع علمي يحول دون وجود عوالم متداخلة نعيش في قلبها دون أن نبصرها، وهو بالضبط ما تومئ إليه نظرية الأوتار الفائقة بوجود أبعاد كونية إضافية تظل متوارية خلف قضبان سجننا الحسي.
ثانياً: نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا)
حين نتحدث عن نظرية المعرفة، فنحن نطرق باب "الإبستمولوجيا"؛ ذلك الفرع الفلسفي الذي ينقب في أصل المعرفة وطبيعتها وحدودها. إنها المحاولة البشرية المستمرة للإجابة عن أسئلة كبرى: كيف نعرف ما نعرفه؟ وهل هذا الواقع حقيقة موضوعية قائمة بذاتها، أم أن فعل الإدراك والرصد هو الذي يشكله ويمنحه وجوده؟
ثالثاً: فيزياء الكم.. الثورة التي هزت أركان اليقين
إذا كانت الفيزياء الكلاسيكية هي علم الأجسام الكبيرة والنتائج الحتمية، فإن فيزياء الكم هي الرحلة في عالم المادة والطاقة في أبعادهما المتناهية الصغر. في مطلع القرن العشرين، وجد العلماء أن القوانين التي تفسر سقوط التفاحة تقف عاجزة تماماً أمام سلوك الإلكترون. في هذا العالم المجهري، يتبخر اليقين ليحل محله الاحتمال؛ فالجسيم لا يملك مكاناً ثابتاً، بل يوصف بـ "الدالة الموجية" التي تعبر عن سديم من الاحتمالات الوجودية، ولا يستقر في حالة محددة إلا عند لحظة الرصد. وبما أن كل ما يحيط بنا يتكون من ذرات، فنحن بالضرورة خاضعون لقوانين الكم.
رابعاً: أهم مفاهيم الكم
أولاً: التراكب الكمومي - التعددية قبل التجسد والدماغ كصانع للواقع: على مستوى الجسيمات دون الذرية، يشغل الجسيم كل الأمكنة الممكنة في آن واحد طالما لم يرقبه أحد. وخير شاهد على ذلك هو "تجربة الشق المزدوج" التي أثبتت أن الإلكترون يمكن أن يتصرف كموجة تمر من فتحتين في وقت واحد وتتداخل مع نفسها. ولا يخرج الجسيم من هذه الحالة الضبابية ليتجسد في نقطة محددة إلا عند لحظة "القياس"، فيما يُعرف بانهيار الدالة الموجية.
وهنا نصل إلى استنباط جوهري يكتسب شرعيته من مبدأ هايزنبرغ لعدم اليقين؛ والذي ينص على أن عملية القياس بحد ذاتها تتدخل في تحديد خصائص المادة وتغير من حالتها. فإذا كانت أداة القياس تؤثر في المقاس حسب تصريح علماء فيزياء الكم، وبما أن ما نسميه "واقعاً" هو في جوهره "مقاس"، والدماغ البشري هو وسيلة القياس الوحيدة المتاحة لنا، فإن الدماغ يمتلك تأثيراً تكوينياً على هذا الواقع ويساهم بفاعلية في إنتاجه. الواقع إذاً ليس معطىً جاهزاً، بل هو نتاج تفاعل أداة الرصد (الدماغ) مع موضوع الرصد (عالم الاحتمالات).
ثانياً: التشابك الكمومي - الترابط المجهري العابر للمسافات: إن هذه الخاصية المذهلة ليست سمة للأجسام الكبيرة، بل هي حكر على المستوى الذري وما دون الذري (لحد الآن، لعل الأرض متشابكة كموميّاً مع نظير لها في مكان ما من هذا الكون المترامي الأطراف)؛ حيث يترابط جسيمان (كالفوتونات أو الإلكترونات) في نظام واحد يفقدان فيه استقلاليتهما تماماً. المثير هنا أنه مهما تباعدت بينهما المسافات، فإن أي تغيير يطال أحدهما ينعكس على الآخر فوراً وبلا زمن، مما يثبت أن الكون في جوهره المجهري ليس شظايا منفصلة، بل هو نسيج واحد "مضفور" بعناية تتجاوز مفاهيم الزمان والمكان التقليدية.
خامسا: خريطة النظريات الكمومية للوعي والمعرفة
لقد تشعبت التفسيرات العلمية لهذا الواقع، ويمكننا حصرها في ثلاث مجموعات كبرى يمثلها أعتى علماء الفيزياء:
1. النظريات المركزية للوعي (الوعي كخالق للواقع): ومن أهم روادها جون فون نيومان ويوجين ويغنر. ترى هذه المجموعة أن الوعي هو الكيان الوحيد القادر على حسم خيارات المادة؛ فبدون وعي راصد، يظل الكون مجرد ضباب من احتمالات لا تتحقق أبداً. المعرفة هنا ليست اكتشافاً، بل هي فعل "خلق" يتم في لحظة الرصد.
2. النظريات البيولوجية-المادية (الوعي كشرارة وانسجام حسي): ويتصدرها عالم الفيزياء الشهير روجر بنروز وطبيب التخدير ستيوارت هاميروف. ترى أن عصبونات الدماغ "مجبورة" على إحداث الانهيار الكمومي داخل هياكل دقيقة في الخلايا العصبية؛ حيث تعمل الحواس (بمستوياتها الثلاثة التي ذكرناها) كفلتر بنيوي يوجه هذه العمليات الكمومية ويقيدها في حالة تتوافق مع ذاك المدى الضيق الذي سمحت به المستقبلات.
3. النظريات المعلوماتية والبنائية (الواقع كخريطة معلوماتية): ورائدها الكبير هو جون ويلر صاحب مقولة "الكون التشاركي". تعيد هذه النظرية تعريف الوجود بوصفه "معلومات" لا مادة؛ فالوعي هنا مترجم بارع، وما نراه ليس العالم الحقيقي، بل "خريطة معلوماتية" نبنيها لنستطيع التحرك في كون سيّال ومتغير.
سادساً: نظرية الأوتار الفائقة
ومن رحم مفاهيم الكم، ولدت "نظرية الأوتار الفائقة"، التي تقترح أن اللبنات الأساسية للكون ليست جسيمات مادية مصمتة، بل أوتار طاقة دقيقة تهتز بترددات متباينة، وما المادة في النهاية إلا "نغمات" لهذا الاهتزاز الكوني. تؤكد هذه النظرية أن وجودنا محصور في شريحة ضيقة تتكون من أربعة أبعاد؛ وللتقريب، فإن عالمنا هذا ما هو إلا صفحة واحدة في كتاب ضخم، بينما تمثل العوالم الأخرى باقي صفحات الكتاب التي لا نراها. وبذلك تظل تلك الأبعاد المتعددة (التي قد تصل لأحد عشر بُعداً) متداخلة معنا لكنها محجوبة عن مداركنا.
الخلاصة
لقد حطمت فيزياء الكم المنطق القديم الذي يرى الإنسان مجرد متفرج. أفلاطون كان محقاً منذ البداية، والفيزياء الكلاسيكية أكدت رؤيته عبر سجن الحواس المطبق بمستوياتها الفيزيائية والعصبية، لتأتي فيزياء الكم وتختم الحقيقة بمبدأ هايزنبرغ الذي جعلنا شركاء أصيلين في إنتاج هذا الواقع. نحن لسنا عابري سبيل في هذا الكون، بل نحن الكُتّاب



#علي_ماضي (هاشتاغ)       Ali_Madhi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ساعة الأرض المناخية: بين إيقاع ميلانكوفيتش والعبث البشري
- المعجزة أم المحاولة: لماذا نفضل الوهم المريح على الحقيقة الم ...
- عاشوراء من احياء الذكرى الى احياء الامة
- هذا المساء
- نبوءة
- ارصفة الغربة
- انا وسيزيف ورجاء النقاش
- مخاوف بشان الديمقراطية في العراق
- قراءة في الانتخابات التمهيدية للتيار الصدري
- هوامش اجتماعية
- هوامش في التربية
- لا اريد ان اكون ملاكا
- وجهة نظر في جدل مظاهرة يوم الجمعة
- ملاحظات في مأزق تشكيل الحكومةالعراقية
- هم يبدعون ونحن نتعجب
- المنطق الثنائي وحملات الانتخابات الاعلامية.
- التاثيرات المحتملة لنتائج انتخابات مجالس المحافظات السابقة ع ...
- قراءة في خلاف مجلس النواب حول قانون الخدمة والتقاعد للعسكريي ...
- هل نجح المجتمع العراقي في تشكيل راي عام فاعل وموضوعي؟
- قراءة لدور المدرسة في منظومة التربية العراقية(1)


المزيد.....




- قفز وكأن شيئا لم يكن.. سائق طائش يخرج من مركبته ويبتعد بعد ا ...
- نجمات -غولدن غلوب- 2026 يُعدن تعريف الأزياء في العصر الحديث ...
- عودة مسؤولين فنزويليين إلى -إكس- تُعلن نهاية الحظر على المنص ...
- وصفه ترامب بـ -المؤثر العظيم-.. وفاة سكوت آدامز مبتكر سلسلة ...
- نظرة أولى داخل منزل روماني قديم يزيد عمره عن 2000 عام
- عام واحد من حكم ترامب.. غارات جوية تعادل حصيلة ولاية بايدن ك ...
- تجدد القتال بين الجيش السوري و-قسد- شرق حلب.. وإسرائيل تتوغل ...
- أخبار اليوم: عام 2025 كان أكثر ثالث عام حرارة على الإطلاق
- الجيش يطالب القوات الكردية في حلب بالانسحاب لشرق الفرات ومظا ...
- -نحن جزء من وجود إسرائيل-.. تصريحات الهجري تثير غضب المغردين ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي ماضي - اثر مفاهيم فيزياء الكم على نظرية المعرفة