بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 18:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمر السنوات، وتتغير الأجيال، وتغيب وجوه وتولد أخرى، لكن هناك تواريخ لا ينبغي أن تشيخ في ذاكرة الشعوب، لأنها لم تكن مجرد أيام عابرة في رزنامة الوطن، بل لحظات غيرت مجرى التاريخ وحددت مصير أمة بأكملها.
وليلة فاتح إلى ثاني أكتوبر 1955 واحدة من تلك الليالي المغربية التي يجب أن تبقى مضاءة في الذاكرة الجماعية، لأن رجالاً مغاربة قرروا خلالها الانتقال بالمقاومة إلى مرحلة جديدة، وجعلوا من جبال وقرى الشمال والأطلس المتوسط أرضاً تقول للمستعمر بلغة واضحة إن زمن الخضوع يقترب من نهايته.
ونحن نخلد سنة 2026 الذكرى الحادية والسبعين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية، فإننا لا نستعيد مجرد عمليات عسكرية، وإنما نستحضر محطة مفصلية في مسار تحرير المغرب واسترجاع استقلاله ووحدته وسيادته.
ليلة لم تكن وليدة الصدفة
لم تولد عمليات أكتوبر 1955 فجأة، ولم يكن الرجال الذين حملوا السلاح يتحركون خارج التنظيم والتخطيط. فمنذ أواخر سنة 1954 بدأت عملية تشكيل الخلايا والفرق، والحصول على السلاح، وإقامة مراكز للتدريب على حرب العصابات واستهداف المواقع العسكرية، وتحولت المنطقة الخليفية بالشمال، التي كانت خاضعة للحماية الإسبانية، إلى مجال مهم للتدريب والإعداد العسكري.
وفي ليلة فاتح أكتوبر 1955 انطلقت الهجمات ضد مراكز القوات الفرنسية بإيموزار مرموشة، قبل أن تمتد في اليوم التالي إلى بورد وأكنول وتيزي وسلي ومركز سيدي بوزينب، ثم تتسع رقعة المواجهات في مناطق أخرى.
لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: لماذا الشمال بالذات؟
والجواب لا يتعلق بالتضاريس وحدها. لقد كان الاختيار وراءه حساب جغرافي وسياسي وعسكري دقيق.
السبب الأول… مغرب موزع بين سلطات استعمارية يمكن استغلال تناقضاتها
كان المغرب آنذاك مقسماً عملياً إلى مجالات استعمارية مختلفة: منطقة واسعة تحت الحماية الفرنسية، ومنطقة شمالية تحت الحماية الإسبانية، بينما كانت طنجة تخضع لنظام دولي خاص. وتؤكد الوثائق التاريخية أن هذه المجالات كانت تدار بأنظمة منفصلة وبدرجة محدودة من التنسيق بينها.
ولذلك كان الشمال يمنح المقاومين هامشاً للمناورة.
فالانتقال بين المنطقة الإسبانية والمناطق الخاضعة للفرنسيين، والاستفادة من اختلاف أجهزة المراقبة والمصالح والحسابات بين مدريد وباريس، كان يوفر للمقاومة إمكانات لا تتاح بالسهولة نفسها داخل منطقة تخضع لسلطة استعمارية واحدة.
ولا ينبغي القول إن التنسيق الفرنسي الإسباني كان غائباً نهائياً، فقد حصل التنسيق الأمني في مناسبات عديدة، لكن تباين المصالح واختلاف سلطات المراقبة خلقا ثغرات استطاع رجال المقاومة استغلالها.
أما طنجة، بوضعها الدولي الخاص، فقد شكلت بدورها مجالاً للحركة والاتصال والنشاط الوطني، وكانت الوثائق الأجنبية نفسها تصفها آنذاك بمركز مهم لنشاط الوطنيين المغاربيين.
إذن لم يكن اختيار الشمال اختياراً عشوائياً، بل قراءة دقيقة لخريطة الاستعمار نفسه وتحويل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة للمقاومة.
السبب الثاني… البحر المتوسط كان طريق السلاح
الشمال المغربي ليس جبالاً فقط، بل هو أيضاً واجهة بحرية مفتوحة على المتوسط، قريبة من الجزائر ومن طرق الملاحة القادمة من المشرق.
وهنا تحول البحر من حاجز إلى طريق.
وكانت منطقة رأس الماء وكبدانة شرق الناظور إحدى أهم نقاط استقبال الأسلحة القادمة عبر المتوسط. ففي ليلة 30 إلى 31 مارس 1955 وصلت الباخرة «دينا» قادمة من المشرق محملة بالأسلحة، وجرى تفريغ حمولتها ليلاً في عملية شديدة السرية قبل نقل السلاح إلى شبكات المقاومة. وتذكر الرواية الرسمية أن المقاومين استخدموا حتى قطعان الأغنام لمحو آثار الأقدام على الشاطئ حتى لا تكتشف السلطات الاستعمارية عملية الإنزال.
ولم تكن «دينا» مجرد سفينة.
لقد كانت دليلاً على أن معركة التحرير أصبحت تمتلك شبكة إمداد إقليمية تمتد من المشرق إلى المتوسط ثم إلى الريف والأطلس والجزائر.
وتورد مذكرات المقاوم عبد الله الصنهاجي، كما نقلتها مصادر تناولت تاريخ جيش التحرير، أسماء «دينا» و«النصر» و«فخر البحار» ضمن عمليات نقل السلاح، وإن كانت بعض الروايات التاريخية تختلف في بعض تفاصيل أسماء السفن وهوياتها.
لكن الحقيقة الأهم ثابتة: الساحل الشمالي المغربي كان ممراً حيوياً لإدخال السلاح إلى المقاومة المغربية والثورة الجزائرية.
السبب الثالث… الشمال المغربي كان أيضاً خلفية للثورة الجزائرية
ولا يمكن فهم ما وقع سنة 1955 إذا قرأنا الأحداث داخل الحدود المغربية فقط.
فالتحرر في تلك المرحلة كان يحمل نفساً مغاربياً. وكانت الثورة الجزائرية التي اندلعت في فاتح نونبر 1954 في حاجة إلى السلاح والممرات والاتصال بالخارج، فتحولت مناطق من شرق وشمال المغرب، وخاصة الناظور، إلى فضاء مهم لتحرك كوادر جبهة التحرير الوطني الجزائرية.
وتشير وثائق ودراسات حول تاريخ الناظور إلى وصول وتحرك شخصيات جزائرية بارزة في المنطقة، من بينها محمد بوضياف والعربي بن مهيدي وأحمد بن بلة، إضافة إلى هواري بومدين الذي ارتبط اسمه بمسار نقل السلاح والتكوين.
كما شهدت منطقة رأس الماء تنسيقاً بين قيادات مغربية وجزائرية، ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت به من الجانب المغربي عباس المساعدي ومن الجانب الجزائري محمد بوضياف.
لقد كانت الناظور وتطوان والريف في تلك المرحلة أكثر من مجرد مدن مغربية واقعة تحت سلطة استعمارية مختلفة؛ كانت جزءاً من عمق مغاربي تتحرك داخله شبكات التحرير، وتتقاطع فيه طرق الرجال والسلاح والمعلومات.
ثلث للمغرب وثلثان للجزائر… صفحة يجب ألا تنسى
وهنا نصل إلى واحدة من أهم صفحات التضامن المغربي الجزائري التي تستحق أن يعرفها شباب البلدين اليوم.
فبحسب ما نقل عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير عند تخليد ذكرى باخرة «دينا»، فإن حركة التحرير الجزائرية استفادت من ثلثي الأسلحة التي نقلتها الباخرة، فيما خُصص الثلث الآخر للمقاومة المغربية.
وتتوافق هذه المعطيات مع رواية عبد الله الصنهاجي التي تحدثت عن اتفاق يجعل ثلث شحنات السلاح للمقاومة المغربية ويوجه الباقي إلى الجزائريين.
وهذا التفصيل ليس هامشياً.
كان المغرب نفسه يقاتل من أجل رفع الحماية ، وكان رجاله يحتاجون كل بندقية وكل رصاصة، ومع ذلك وصل جزء كبير من السلاح عبر الأرض المغربية إلى المقاومة الجزائرية.
قبل أن تصبح الحدود بين المغرب والجزائر عنواناً للخلاف، كانت ممراً للمقاومين.
وقبل أن تتراكم الحسابات السياسية، كان رجال من الشعبين يحملون الصناديق نفسها، ويخاطرون بحياتهم من أجل البندقية نفسها، في مواجهة استعمار لم يكن يميز بين مغربي وجزائري عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن وجوده.
وتلك صفحة ينبغي ألا يسمح لاختلاف الحاضر بمحوها من ذاكرة الشعبين.
أسماء القرى تحولت إلى عناوين في تاريخ المغرب
إيموزار مرموشة، بورد، أكنول، تيزي وسلي، سيدي بوزينب…
أسماء قد تبدو لبعض شباب اليوم مجرد نقط على الخريطة، لكنها سنة 1955 كانت عناوين لصفحات كتبت بالعرق والدم.
وعندما انطلقت العمليات واتسعت، لم تعد سلطات الحماية أمام أعمال متفرقة يمكن تطويقها بسهولة، بل أمام حركة مسلحة منظمة، تستفيد من الجغرافيا والحاضنة الشعبية وشبكات التسليح والتنسيق.
هؤلاء الرجال لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصي، ولم تكن تنتظرهم مناصب ولا امتيازات.
كان الواحد منهم يعرف أن خروجه للمواجهة قد يكون خروجه الأخير، ومع ذلك خرج.
وهذه هي المسافة الشاسعة بين من يقرأ كلمة الوطن في كتاب، ومن يقبل أن يدفع حياته ثمناً لكي يبقى ذلك الوطن حراً.
الاستقلال لم يصل في طرد بريدي
من أخطر ما يمكن أن يصيب ذاكرة الأجيال أن يختزل استقلال المغرب في وثيقة أو اتفاق أو إعلان رسمي، وكأن المستعمر قرر ذات صباح أن يجمع حقائبه ويغادر.
التاريخ أكثر تعقيداً.
فالاستقلال كان نتيجة تراكم طويل للمقاومة السياسية والمسلحة، وثورات القبائل، ونضالات الحركة الوطنية، وتضحيات الشهداء والمعتقلين والمنفيين.
وجاءت عمليات جيش التحرير في خريف 1955 لتضيف ضغطاً عسكرياً وسياسياً جديداً. وتربط الرواية الرسمية المغربية اتساع تلك العمليات بتزايد الضغط على سلطات الاستعمار وتسارع المسار المؤدي إلى إنهاء نظام الحماية.
ولهذا يجب أن نقول للأجيال الجديدة دون تردد:
استقلال المغرب لم يكن هدية من فرنسا ولا من إسبانيا، وإنما انتزعته تضحيات المغاربة.
محمد الخامس… عندما التقى العرش بالمقاومة
ولا يمكن استحضار تلك المرحلة دون العودة إلى نفي السلطان محمد الخامس يوم 20 غشت 1953، وهو الحدث الذي عمق القطيعة بين المغاربة وسلطات الحماية، وحول مطلب عودة السلطان والاستقلال إلى قضية وطنية جامعة.
وبعد 45 يوماً فقط من انتفاضة أكتوبر، عاد محمد الخامس والأسرة الملكية إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، لتدخل البلاد مرحلة جديدة انتهت باسترجاع الاستقلال وإنهاء نظام الحماية.
ولذلك فإن الحديث عن تلك المقاومة ليس حديثاً عن السلاح وحده، بل عن تلاقي إرادة شعبية واسعة مع شرعية وطنية رفض المغاربة أن يصنع المستعمر بديلاً عنها.
أخطر احتلال هو احتلال الذاكرة بالنسيان
بعد واحد وسبعين عاماً، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا وقع في أكتوبر 1955؟
بل يجب أن نسأل أيضاً:
كم تلميذاً مغربياً يعرف اليوم لماذا اختير الشمال؟
كم شاباً يعرف قصة «دينا»؟
كم واحداً يعرف أن السلاح كان يعبر الشواطئ المغربية نحو الثورة الجزائرية، وأن مقاومين مغاربة وجزائريين كانوا يفرغون الصناديق نفسها تحت جنح الظلام؟
وكم يعرف أسماء عباس المساعدي وعبد الله الصنهاجي ومحمد بوضياف وغيرهم ممن التقت مساراتهم في تلك الأرض؟
الاحتفال الحقيقي بالمقاومة لا يكون بخطابات المناسبات وأكاليل الزهور فقط.
إنه يبدأ من المدرسة، والكتاب، والفيلم الوثائقي، والمتحف، والإعلام، وفتح الأرشيفات أمام الباحثين وحفظ شهادات من بقي من شهود المرحلة.
فالأمة التي لا تحرس ذاكرتها تترك للآخرين فرصة كتابة تاريخها نيابة عنها.
تكريم مناطق المقاومة لا يكون بالذاكرة وحدها
الوفاء لإيموزار مرموشة وأكنول وبورد وتيزي وسلي والناظور والحسيمة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء حفل الذكرى.
فالقرية التي قدمت الشهداء تستحق طريقاً ومدرسة ومستوصفاً وفرص عمل لأبنائها.
والجبل الذي كان حصناً للمقاومين لا يجوز أن يصبح أبناؤه بعد سبعة عقود أسرى العزلة والهجرة والهشاشة.
التنمية أيضاً شكل من أشكال الوفاء.
ومن غير المنصف أن نستحضر بطولة المناطق في أكتوبر ثم ننسى احتياجات سكانها بقية السنة.
من التحرير إلى بناء الوطن
قال محمد الخامس بعد عودته إن المغرب انتقل من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، أي من معركة التحرير إلى معركة بناء الدولة.
وبعد أكثر من سبعة عقود ما زال المعنى قائماً.
فالأوطان لا تتحرر مرة واحدة ثم ينتهي الأمر.
إنها تحتاج في كل جيل إلى من يحمي وحدتها، ويصون مؤسساتها، ويواجه الفساد والجهل والفقر والهشاشة، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية والحزبية والفئوية.
لقد أدى رجال أكتوبر 1955 واجبهم بما كان يفرضه زمنهم.
ونحن لسنا مطالبين بحمل بنادقهم، ولكننا مطالبون بحمل قيمهم: الإخلاص والشجاعة والتضحية ونكران الذات والإيمان بأن الوطن أكبر من الجميع.
2 أكتوبر… هكذا كان المغرب سنداً لنفسه ولجاره
في الذكرى الحادية والسبعين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير، يجب أن ننحني احتراماً أمام أرواح الشهداء والمقاومين، وأمام الأسر التي تحملت الاعتقال والتشريد والخوف والفقدان.
لكن علينا أيضاً أن نستعيد الحقيقة كاملة.
فالشمال لم يختر مصادفة.
اختير لأنه كان منطقة تتقاطع فيها أنظمة استعمارية مختلفة، ويمكن للمقاومة أن تستفيد من تناقضاتها.
واختير لأنه يطل على المتوسط، ويمكن أن يستقبل السلاح القادم من المشرق.
واختير لأنه قريب من الجزائر، ولأنه تحول إلى قاعدة اتصال وتنسيق بين مقاومين مغاربة وثوار جزائريين كانوا يعتبرون تحرير المغرب العربي معركة مترابطة.
وفي تلك المرحلة، عندما كان المغرب لا يزال يقاتل من أجل حريته، عبر من أرضه وسواحله السلاح الذي قاتل به الجزائريون أيضاً.
تلك ليست منة على أحد، وإنما حقيقة تاريخية ينبغي حفظها.
ففي ليلة فاتح إلى ثاني أكتوبر 1955 لم تطلق فقط رصاصات في جبال المغرب، بل أطلقت رسالة إلى التاريخ:
إن شعباً يقرر أن يكون حراً قد يتأخر انتصاره، لكنه لا يقبل أن يعيش إلى الأبد تحت إرادة غيره.
وتلك ربما أبلغ رسالة يمكن أن تحملها الذكرى بعد واحد وسبعين عاماً.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟