أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - انتهى حساب الصناديق وبدأ حساب 198… من سيحكم؟ ومع من؟















المزيد.....


انتهى حساب الصناديق وبدأ حساب 198… من سيحكم؟ ومع من؟


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 19:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأصالة والمعاصرة يفتح الأبواب، العدالة والتنمية يغلق بابه أمام حكومة يقودها «البام»، والأحرار والاستقلال والأحزاب المتوسطة تحتفظ بأوراقها… فهل تعود أغلبية 2021 بقيادة جديدة أم تفرض نتائج 23 شتنبر هندسة حكومية وبرلمانية مختلفة؟... ولا تنسوا الرد على آمنة بوعياش بخصوص الثقة وجدوى المشاركة وعلاقة المؤسسات التنفيذية والتشريعية بالانشغالات اليومية للمواطنين

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم تكن ليلة 23 شتنبر مجرد ليلة لفرز أوراق التصويت وترتيب الأحزاب من الأول إلى الأخير، لأن انتهاء عد الأصوات لم يكن سوى بداية عد آخر، أكثر صعوبة وتعقيدا وحساسية، لا تجري عملياته داخل مكاتب التصويت هذه المرة، وإنما داخل مقرات الأحزاب وغرف التفاوض وبين قيادات تبادلت قبل أيام قليلة فقط اتهامات سياسية وعبارات حادة، بعضها وصل إلى حد الحديث عن «الميركاتو» و«الفراقشية» واستمالة المنتخبين، وبعضها الآخر اقتحم قبل الأوان توزيع الحقائب الوزارية، حتى إن وزارة الاقتصاد والمالية نفسها تحولت إلى موضوع سجال قبل أن يقول الناخب كلمته وقبل أن يعرف أحد من سيكون الأول ومن سيحل ثانيا.

التوزيع المعلن للمقاعد وضع حزب الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، إضافة إلى باقي الأحزاب، فيما بلغت نسبة المشاركة المعلنة 38.08 في المائة.

وهكذا أصبح السؤال المطروح منذ صباح الخميس أكبر من مجرد معرفة هوية الفائز، لأن الحزب الذي فاز بالمرتبة الأولى لم يفز بأغلبية تمكنه من الحكم منفردا، والحزب الذي حل ثانيا لم يسقط سياسيا، والثالث لا يفصله عن الثاني سوى مقعد واحد، والرابع عاد بكتلة من 54 نائبا يمكن أن تمنح المعارضة وزنا مختلفا تماما، فيما تقف خلفهم أحزاب متوسطة قد تجد نفسها فجأة صاحبة مفاتيح لا يمكن فتح باب الأغلبية دون بعضها.
السؤال إذن لم يعد: من فاز؟
بل أصبح: من سيحكم؟ ومع من؟

198… الرقم الذي يبدأ عنده الحكم وتنتهي عنده حسابات ليلة الاقتراع

ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، بينما يقتضي الفصل 88 حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه بعد عرض البرنامج الحكومي؛ ومجلس النواب يتكون من 395 عضوا، وهو ما يجعل عتبة الأغلبية المطلقة 198 صوتا.

وهنا تظهر المسافة التي تفصل بين الفوز بالانتخابات والفوز بالحكم؛ فالأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعدا، لكنه يحتاج إلى 101 مقعد إضافي حتى يبلغ الحد الأدنى الضروري لتنصيب الحكومة.

وحين نضع الأرقام بجوار بعضها تتضح صعوبة المهمة؛ فالبام مع الأحرار يصلان إلى 163 مقعدا، ومع الاستقلال إلى 162، ومع العدالة والتنمية إلى 151، وبالتالي لا يستطيع أي حزبين فقط تشكيل الأغلبية، ويصبح لزاما البحث عن صيغة ثلاثية على الأقل، أو عن تحالف أوسع إذا أغلقت السياسة بعض الأبواب التي تفتحها الرياضيات.

والمفارقة أن الحساب الثلاثي الأبسط والأكثر راحة عدديا يعيدنا مباشرة إلى الأحزاب الثلاثة التي حكمت معا خلال الولاية السابقة: الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بمجموع 228 مقعدا.

لكن هل تكفي آلة حاسبة لصناعة حكومة؟

228 مقعدا على الورق… وذاكرة ثقيلة على طاولة المفاوضات
لو كانت السياسة مجرد أرقام لكان السيناريو واضحا منذ صباح الخميس؛ نجمع 97 إلى 66 إلى 65 ونعلن ولادة أغلبية من 228 نائبا، بفارق مريح يبلغ ثلاثين مقعدا فوق عتبة التنصيب.
لكن هؤلاء لم يغادروا قبل أشهر اجتماعا وديا ليدخلوا اليوم اجتماعا وديا آخر؛ لقد خرجوا للتو من حملة انتخابية شهدت واحدة من أشد المواجهات الكلامية بين مكونات الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، وخصوصا بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، حتى إن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في البرامج والحصيلة، وإنما انتقل إلى اتهامات مباشرة ومكتوبة تتعلق باستمالة المنتخبين والضغط عليهم.

ففي 25 غشت أصدر المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار بلاغا رسميا اتهم فيه الأصالة والمعاصرة بممارسة استمالات وضغوط استهدفت، حسب روايته، برلمانيين ومنتخبين وقيادات من الحزب، وذهب إلى تسمية عدد من الأسماء التي قال إنها كانت مرتبطة به قبل انتقالها أو ترشيحها من طرف البام.

وفي اليوم التالي رد الأصالة والمعاصرة رسميا، نافيا ممارسة الضغط أو الإكراه، ومعتبرا أن اتهامات الأحرار تتضمن «مغالطات»، ومذكرا في المقابل بأن الانتقالات بين الأحزاب ليست ظاهرة اكتشفها الأحرار عشية انتخابات 2026.

هذه لم تكن مشادة عابرة بين ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما مواجهة رسمية بين مكتبي حزبين كانا يجلسان معا داخل أغلبية حكومية واحدة، وهو ما يجعل عودتهما المحتملة إلى الطاولة نفسها ممكنة سياسيا بطبيعة الحال، لكنها تستوجب قبل ذلك الإجابة عن سؤال الانسجام والثقة بين الشركاء.

لقجع يدخل «البام»… فتخرج الخلافات من الظل

التحاق فوزي لقجع بالمكتب السياسي للأصالة والمعاصرة في يوليوز لم يكن حدثا تنظيميا عاديا، لأن الرجل كان يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية داخل حكومة يقودها الأحرار، ويحمل في الوقت ذاته ثقلا مؤسساتيا وإعلاميا ورياضيا جعل دخوله الحزبي موضوعا سياسيا قائما بذاته.

منذ تلك اللحظة بدأت حرارة العلاقة بين الحزبين ترتفع، وظهر في خطاب الأحرار حديث عن الانتخابات باعتبارها ليست «ميركاتو»، ثم جاءت الاتهامات المتعلقة باستقطاب المنتخبين، قبل أن يبلغ السجال مستوى أكثر حدة مع التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للأحرار، والذي تداولت عدة منابر مقاطع منه تضمنت موقفا صريحا من احتمال تولي لقجع وزارة الاقتصاد والمالية، بعبارة قصيرة لكنها شديدة الدلالة: «والله لا شافها».

لا يوجد، طبعا، ما يثبت أن لقجع طالب بهذه الحقيبة أصلا، ولا أن توزيع الوزارات قد أصبح موضوع تفاوض رسمي؛ ولذلك لا ينبغي تحويل التسجيل إلى خبر عن حقيبة حُسمت أو مطلب وُضع على الطاولة، لكن أهميته السياسية تكمن في أنه كشف حجم الاحتقان داخل العلاقة بين الحزبين، بل وكشف أن التفكير في الحكومة المقبلة وتوزيع مراكز القوة داخلها كان حاضرا قبل أن تفتح صناديق الاقتراع.

واليوم أصبحت المفارقة أكثر إثارة؛ فالأحرار حل ثانيا بالفعل، والبام حل أولا، ولقجع أصبح قياديا داخل الحزب المتصدر، والحزب الذي صدر عنه ذلك الموقف قد يصبح، بالأرقام نفسها، أحد أهم الشركاء اللازمين لبناء أغلبية مريحة.

فهل تحولت عبارة «والله لا شافها» إلى مجرد صفحة من صفحات الحملة، أم أن وزارة الاقتصاد والمالية ستعود فعلا كواحدة من أعقد نقاط التفاوض إذا جلس الطرفان إلى الطاولة نفسها؟

ذلك سؤال سابق لأوانه، لكنه لم يعد سؤالا بلا سياق.

المنصوري تفتح الأبواب… وكأنها تقول إن الحملة انتهت
وسط هذه الذاكرة الساخنة، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري في أول تصريحاتها بعد إعلان النتائج لغة مختلفة تماما عن لغة الحملة، فأعلنت أن حزبها لا يضع خطوطا حمراء في التحالفات وأنه منفتح على النقاش مع مختلف الأحزاب، مؤكدة أن مسألة التحالفات ستناقش داخل مؤسسات الحزب.

هذه اللغة ليست تفصيلا، لأنها تعني أن الحزب المتصدر يريد الفصل بين زمن المنافسة وزمن بناء الأغلبية، وهو موقف تفرضه الأرقام أيضا؛ فمن يحتاج إلى 101 مقعد خارج كتلته لا يستطيع أن يدخل المفاوضات وهو يغلق الأبواب الواحد تلو الآخر.
لكن المشكلة أن فتح البام أبوابه لا يعني أن الآخرين سيفتحون أبوابهم له بالشروط نفسها.
وأول من وضع حاجزا واضحا أمام ذلك كان عبد الإله بنكيران.

بنكيران يغلق الباب الذي فتحته المنصوري

بعد إعلان النتائج، استبعد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية مشاركة حزبه في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، وأعلن ميله إلى الاستمرار في المعارضة، مع الإقرار بأن المجلس الوطني للحزب هو الذي يملك الحسم المؤسساتي النهائي.
وبهذا الموقف تتحول خصومة انتخابية قديمة إلى معطى مباشر داخل حساب تشكيل الحكومة؛ فالعدالة والتنمية ليس حزبا يحمل بضعة مقاعد يمكن إخراجها من الحساب دون أثر، وإنما القوة الرابعة بـ54 نائبا.

وقبل هذا الموقف كانت الرياضيات تسمح بثلاث صيغ ثلاثية فقط يتجاوز فيها البام عتبة 198: البام والأحرار والاستقلال بـ228، والبام والأحرار والعدالة والتنمية بـ217، والبام والاستقلال والعدالة والتنمية بـ216.
فإذا أصبح تموقع العدالة والتنمية في المعارضة قرارا مؤسساتيا نهائيا، تسقط سياسيا صيغتان من أصل ثلاث، ويبقى التحالف الثلاثي الوحيد الممكن دون الحاجة إلى حزب رابع هو البام–الأحرار–الاستقلال. وهنا بالضبط تلتقي الحسابات مع ذاكرة الصراع.

أحمد الشرعي… حين تحوّل «الدعم» إلى عبء انتخابي

..
لم تتوقف مواجهة بنكيران مع البام عند التاريخ الطويل من الخصومة بين الحزبين، وإنما دخل على خطها أحمد الشرعي بعدما نشر يوم 17 شتنبر افتتاحية بعنوان «خيار الحداثة»، أعلن فيها تفضيل مجموعته لمشروع حداثي وتقدمي اعتبر حزب الأصالة والمعاصرة الأكثر قدرة، من وجهة نظره، على تجسيده، وأضاف أن المغرب يمكن أن يبعث إشارة قوية إذا تولت امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة؛ لكنه أكد في الوقت نفسه أن ذلك التفضيل لا يمثل تعليمات بالتصويت.
بنكيران التقط الدعم وحمله إلى أرضية أخرى، مستحضرا مواقف سابقة للشرعي تجاه إسرائيل، وطالب المنصوري بأن تتخذ منه مسافة، وقال إنه إذا لم يحدث ذلك فسيفهم أنها، بحسب تعبيره، «مرشحة إسرائيل لرئاسة الحكومة»؛ وفي مناسبة أخرى تساءل عن وصول من وصفهم بمرشحي إسرائيل إلى تدبير الحكومة المغربية.
ولا بد هنا من التمييز بوضوح بين الاتهام السياسي والحقيقة؛ فهذه العبارة تعبر عن موقف انتخابي لبنكيران، ولا تثبت وجود أي ارتباط بين المنصوري أو حزبها وإسرائيل بسبب موقف ناشر إعلامي من خارج الحزب.

والمنصوري نفسها ردت بأن مواقف البام تُقرأ من وثائقه وبياناته، وأن الحزب غير مسؤول عن اختيارات ومواقف أشخاص من خارجه، فيما أفادت تغطيات أخرى بأنها قالت إنها لا تعرف الشرعي ولا تتبنى مواقفه.
لكن هذه المواجهة، بصرف النظر عن مضمونها، كشفت مستوى التوتر الذي وصلت إليه الحملة بين الحزبين؛ ولذلك يبدو انتقال العدالة والتنمية اليوم نحو المعارضة منسجما مع الموقف الذي عبّر عنه أمينه العام، دون أن يعني ذلك أن الحساب المؤسساتي للحزب قد انتهى قبل اجتماع هيئاته.

الأحرار… خسر الصدارة لكنه لم يخسر مفتاحا مهما من مفاتيح الحكومة

من الخطأ قراءة 66 مقعدا للأحرار باعتبارها هزيمة تخرجه من صناعة المرحلة المقبلة، لأن الحزب، رغم تراجعه مقارنة بانتخابات 2021، يظل ثاني أكبر كتلة، وأي قرار يتخذه بشأن الحكومة أو المعارضة سيعيد ترتيب الحسابات كلها.
إذا شارك مع البام والاستقلال نحصل على 228 مقعدا؛ وإذا رفض المشاركة، يصبح على الحزب المتصدر بناء صيغة أكثر اتساعا، لأن البام والاستقلال والحركة الشعبية مثلا يصلون إلى 191 فقط، أي أنهم يحتاجون إلى شريك إضافي، فيما البام والأحرار والحركة الشعبية يصلون إلى 192، ويحتاجون بدورهم إلى مكون رابع.
وهذا يجعل الأحرار في وضع مفارق؛ فقد فقد موقع قيادة الحكومة السابق، لكنه ما زال يمتلك كتلة تجعل تجاوزه في بناء حكومة محدودة الأحزاب أمرا صعبا.

والسؤال هو: هل يستطيع البام والأحرار طي صفحة «الميركاتو»، وبلاغات الاستمالة، وملف لقجع، والسجالات المتعلقة بالحصيلة الحكومية، ثم الجلوس معا للدفاع عن برنامج مشترك لخمس سنوات أخرى؟
الجواب لن تعطيه الحسابات، بل المفاوضات.

الاستقلال… 65 مقعدا وصمت قد تكون له قيمة أكبر من الكلام

بينما انشغل البام والأحرار والعدالة والتنمية بسجالات متتالية، خرج الاستقلال من الحملة بأقل قدر من المواجهة المباشرة مع الحزب المتصدر، ثم اختار نزار بركة بعد النتائج صيغة مفتوحة عندما تحدث عن استمرار الحزب في العمل «أينما كان موقعه».
وهذه العبارة قد تبدو دبلوماسية، لكنها تحافظ على جميع الأوراق؛ فالاستقلال لا يقول إنه يريد الحكومة، ولا يقول إنه اختار المعارضة، وفي المقابل يمتلك 65 مقعدا، أي مقعدا واحدا فقط أقل من الأحرار.

وفي مشهد شديد التقارب بين الثاني والثالث، يصبح الاستقلال شريكا له قدرة كبيرة على تغيير شكل الحكومة المقبلة، سواء عاد التحالف الثلاثي السابق، أو اتجه البام إلى صيغة مختلفة تحتاج إلى الحركة الشعبية وحزب رابع.

الأحزاب المتوسطة… قد لا تصنع الحكومة وحدها ولكنها قد تمنع قيامها دونها

29 مقعدا للحركة الشعبية، و26 للاتحاد الاشتراكي، و19 للتقدم والاشتراكية، و17 للاتحاد الدستوري تبدو أرقاما بعيدة عن 97 و66 و65، لكنها تصبح مختلفة تماما حين نبدأ تركيب التحالفات.
البام والاستقلال والحركة الشعبية يصلون إلى 191، أي سبعة مقاعد فقط تحت الأغلبية.
والبام والأحرار والحركة الشعبية يصلون إلى 192، أي ستة مقاعد فقط دونها.
عند هذه النقطة يصبح حزب من ثمانية مقاعد، أو حزب متوسط آخر، قادرا على نقل ائتلاف كامل من خانة الأقلية إلى خانة الأغلبية.
لهذا لا ينبغي أن تختزل المفاوضات المقبلة في لقاء بين الثلاثة الأوائل، لأن أي تعثر في العلاقات بين الكبار سيرفع تلقائيا القيمة التفاوضية للأحزاب التي توجد وراءهم.

198 ليست فقط لتنصيب الحكومة… بل لضبط خمس سنوات من البرلمان

ثم إن جمع 198 نائبا يوم التصويت على البرنامج الحكومي لا يكفي وحده لضمان حكومة مستقرة، لأن البرلمان لا يغلق أبوابه بعد منح الثقة؛ هناك قوانين مالية سنوية، ومشاريع قوانين، ولجان دائمة، وأسئلة ومساءلات، ورئاسة مجلس النواب ومكتبه، وتوزيع رئاسة اللجان، وعلاقة مستمرة بين أغلبية مطالبة بالدفاع عن قراراتها ومعارضة مطالبة بمراقبتها.
ولهذا فهناك فرق سياسي كبير بين أغلبية تتوفر على 228 نائبا وأخرى بالكاد تجمع 198 أو 199؛ فالأولى تمتلك هامشا لمواجهة الغياب والاختلاف الداخلي، بينما يمكن أن تحول الثانية كل خلاف بين مكوناتها إلى اختبار للأغلبية نفسها.

والحكومة المقبلة لن تحتاج فقط إلى جمع النواب، وإنما إلى جمع روايات سياسية مختلفة داخل برنامج واحد؛ فإذا عاد الأحرار والبام معا مثلا، فكيف سيصوغ الطرفان تقييما مشتركا لخمس سنوات كان أحدهما يقودها فيما خاض الآخر جزءا من حملته تحت شعار تغيير المسار؟ وكيف ستوزع الحقائب الثقيلة؟ وكيف ستدار علاقة الأغلبية برئاسة مجلس النواب؟ وكيف ستُسوّى آثار المواجهات الشخصية التي سبقت الانتخابات؟
هذه ليست أحكاما على إمكانية نجاح هذا التحالف أو فشله، وإنما أسئلة تفرضها الوقائع التي سبقته.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان يضع رقما آخر أمام الأحزاب: 38.08

وسط انشغال القيادات بالرقم 198، جاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان ليذكر الجميع بأن هناك رقما آخر لا يجوز أن يختفي وراء مفاوضات الوزارات، هو 38.08 في المائة، نسبة المشاركة المعلنة في الاقتراع.
رئيسة المجلس آمنة بوعياش قالت إن نسبة المشاركة لا تقتصر دلالتها على الجانب العددي، وإنما تسائل الثقة وجدوى المشاركة وعلاقة المؤسسات التنفيذية والتشريعية بالانشغالات اليومية للمواطنين، واعتبرت أنها ينبغي أن تكون بمثابة إنذار يدفع المؤسسات المنتخبة إلى مراجعة خطاباتها وأساليب عملها.

كما خلص التقرير الأولي للمجلس إلى أن يوم الاقتراع مر في أجواء وصفها بأنها «قد تكون عادية»، مع تسجيل بعض التجاذبات التي لم تؤثر، بحسب المجلس، على السير العام للعملية، وإشارته إلى واقعتين قال إنه سيحيل بشأنهما تقريرا على النيابة العامة.
وهنا يتسع سؤال تشكيل الحكومة؛ لأن الأغلبية المقبلة لن تكون مطالبة فقط بجمع 198 نائبا تحت قبة البرلمان، بل ستكون مطالبة أيضا بفهم لماذا لم يشارك جزء واسع من الجسم الانتخابي، وكيف يمكن إعادة بناء الثقة في الأحزاب وفي جدوى المشاركة وفي قدرة الصندوق على تحويل انتظارات المواطنين إلى سياسات عمومية ملموسة.
فالنجاح في جمع 198 مسألة برلمانية. أما النجاح في توسيع الثقة، فهو امتحان سياسي واجتماعي أطول بكثير.

من سيحكم؟ ومع من؟… أسئلة أكثر من الأجوبة

لم تمنح صناديق 23 شتنبر حزبا واحدا تفويضا عدديا يتيح له أن يقرر بمفرده، بل وزعت القوة بطريقة تجعل كل طرف في حاجة إلى طرف آخر، ووضعت الحزب المتصدر أمام مفارقة واضحة: لقد فاز بالمرتبة الأولى، لكنه يحتاج إلى أكثر من ضعف المسافة المتبقية تقريبا بين مقاعده والأغلبية المطلقة، ولذلك سيكون مجبرا على التفاوض مع أحزاب كان بعضها إلى حدود أيام قليلة خصما شديدا له.
فهل تعود أغلبية 2021 نفسها، لكن بقيادة جديدة وتوازنات مختلفة، وكأن المعركة التي سبقت 23 شتنبر لم تكن سوى حرارة انتخابية تنتهي بانتهاء التصويت؟
وهل يستطيع الأحرار والأصالة والمعاصرة تجاوز بلاغات الاستمالة والضغوط وعبارات «الميركاتو» والسجال الذي وصل إلى لقجع ووزارة الاقتصاد والمالية، ثم الظهور أمام الرأي العام كأغلبية منسجمة؟
وإذا جلس لقجع إلى طاولة حكومة تضم الأحرار، فهل ستعود عبارة الطالبي العلمي «والله لا شافها» إلى الواجهة عندما يبدأ التفاوض الحقيقي حول وزارة الاقتصاد والمالية، أم أن الحقائب ستوزع وفق توازنات جديدة تلغي كل حسابات ما قبل الانتخابات؟
وهل يثبت المجلس الوطني للعدالة والتنمية خيار المعارضة الذي عبر عنه بنكيران، لتبدأ المعارضة بكتلة من 54 نائبا قبل معرفة مواقع باقي الأحزاب، أم تفرض التطورات قراءة أخرى داخل مؤسسات الحزب؟
وأين سيضع الاستقلال مقاعده الـ65؛ إلى جانب شريكيه السابقين، أم في تركيبة مختلفة، أم في موقع آخر لم تكشف عنه عبارة «أينما كان موقعه»؟
وهل تتحول الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري من أحزاب توصف بالمتوسطة إلى مفاتيح حقيقية عندما تتعقد حسابات الكبار؟

ثم، وهو السؤال الذي قد يكون أهم من كل أسماء الوزراء والحقائب: هل تنجح الحكومة المقبلة، أيا كانت تركيبتها، في تجاوز معركة 198 داخل البرلمان إلى معركة استعادة الثقة خارجه، بعدما لم تتجاوز المشاركة المعلنة 38.08 في المائة؟
صناديق الاقتراع قالت كلمتها في ترتيب الأحزاب، لكنها لم تقل بعد كلمتها في شكل الحكومة.
انتهى حساب الأصوات، وبدأ حساب 198؛ وبعد أن يُحسم هذا الحساب سيبدأ الحساب الأصعب بكثير: حساب الانسجام داخل الأغلبية، وقوة المعارضة داخل البرلمان، والثقة خارج البرلمان.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يعلم الاسبانيون أن ملك إسبانيا السابق كان يقر عمليًا بمغر ...
- بوريطة من منبر الأمم المتحدة: الأمن والمناخ وفلسطين وإفريقيا ...
- اليوم الدولي للسلام… واقعٌ يُنهي الكلام ..... العالم يرفع شع ...
- «فخامة بن بطوش» يراسل تبون : حان وقت إعلان «الجمهورية التندو ...
- الرياضة الجامعية تساءل الجامعات المغربية في يومها العالمي .. ...
- العدالة والتنمية والتطبيع… من توقيع 2020 إلى بلاغ «لا تخوضوا ...
- مجرد سؤال لهؤلاء المدافعين الشرسين على قضايا خارجية .. من يس ...
- «فخامة بن بطوش» يراسل تبون : حان وقت إعلان «الجمهورية التندو ...
- من شبح المسيرة الخضراء إلى قمصان «كلنا سبتاويون»… ماذا تخشى ...
- المغرب والسيادة الرقمية.. الذكاء الاصطناعي يفرض امتلاك مفاتي ...
- النفط والغاز مقابل البوليساريو… هل عادت الجزائر إلى سوق شراء ...
- 15 شتنبر… الديمقراطية تسائل العالم وتختبر المغرب في يومها ال ...
- «تجديد الثقة»… الجملة التي تفقد الشباب الثقة ....... حين يبق ...
- هل أصبح المغرب شريكًا في الأمن وخصمًا في الانتخابات؟ …... إل ...
- أخلاقيات المهنة تذوب وسط ركام الوثائق.. واللجنة المؤقتة تقضي ...
- جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ.. بين شرعية التمثيل وفوض ...
- شتّان بين المعارض والمُغرِض.. ... ين نقدٍ يبني الوطن وحقدٍ م ...
- هل أصبح المغرب شريكًا في الأمن وخصمًا في الانتخابات؟ … إلى م ...
- أخلاقيات المهنة تذوب وسط ركام الوثائق.
- قلمٌ يُنصف وقلمٌ ينسف… والمدادُ ضميرُ مَن يمسكه .... الصحفي ...


المزيد.....




- بناء على طلب من برلين.. لافروف يلتقي بوزير خارجية ألمانيا لأ ...
- من سرقة الينابيع إلى -جنة عدن-.. كيف يستولي المستوطنون على م ...
- قبل أيام من هجوم 7 أكتوبر.. تقرير يتحدث عن زيارة سرية وتحذير ...
- هجمات حوثية جديدة تستهدف السعودية.. وتحليل إسرائيلي يتحدث عن ...
- العراق يتحرك لدى واشنطن لاستثناء بعض مطاراته من حظر الرحلات ...
- -قناة اتصال- بين الولايات المتحدة والصين لمعالجة حوادث الذكا ...
- تقييم استخباراتي أميركي يثير قلقًا بشأن نوايا السعودية النوو ...
- وثيقة أميركية تكشف تحضيرات محتملة قرب كوبا.. هل تستعد واشنطن ...
- طهران تحسم الجدل بشأن ردّها على القيود الجوية: خيارات غير عس ...
- الرئيس الإيراني يعرض الوساطة بين الرياض وصنعاء


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - انتهى حساب الصناديق وبدأ حساب 198… من سيحكم؟ ومع من؟