بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 21:25
المحور:
كتابات ساخرة
«فخامة بن بطوش» يراسل تبون : حان وقت إعلان «الجمهورية التندوفية الديمقراطية الشعبية»...مقالة ساخرة
نصف قرن من النفط والغاز لصناعة رئيس وحكومة وسفراء ودولة لا مكان لها على الخريطة… والآن حان وقت تطبيق «تقرير المصير» داخل الجزائر
بقلم: بوشعيب حمراوي
من فخامة بن بطوش رئيس جمهورية الوهم البوليساريو
إلى السيد عبد المجيد تبون،
رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة جدًا جدًا…
تحية نضالية نفطية غازية، وبعد،
يكتب إليكم أخوكم إبراهيم غالي، رئيس الجمهورية التي ما زالت تبحث عن جمهورية، والمعروف عند الضرورات العلاجية الإسبانية باسم محمد بن بطوش.
أكتب إليكم اليوم وقد بلغ المشروع من العمر ما يكفي للحصول على معاش التقاعد.
نصف قرن تقريبًا يا سيادة الرئيس.
نصف قرن من الاجتماعات والمؤتمرات والبلاغات والوزراء والسفراء والأعلام والأناشيد والوعود، وما زالت دولتنا كالعنقاء: الجميع يتحدث عنها، ولا أحد يستطيع أن يشير إلى مكانها الطبيعي فوق الخريطة.
لقد طال المسلسل يا سيادة الرئيس تغير رؤساء الجزائر.وتغير قادة الجيش. وتغير الوزراء. ومات هواري بومدين. وجاء الشاذلي. ثم زروال. ثم بوتفليقة. ثم جئتم أنتم.
ارتفع النفط. انهار النفط. ارتفع الغاز. اشتعلت أوروبا بحثًا عن الغاز.
وتغير العالم كله تقريبًا. إلا نحن.
ما زلنا في تندوف. نرفع العلم نفسه. ونردد الشعارات نفسها. وننتظر الدولة نفسها.
حتى كلمة «قريبًا» التي ظللتم تطعموننا إياها منذ السبعينيات أصبحت عجوزًا تحتاج بدورها إلى العلاج.
شكرًا للنفط والغاز… لقد صنعا لنا كل شيء إلا الوطن
ولن أكون جاحدًا. لقد بذلت الجزائر الكثير.
كان لديها النفط، فدخل القضية. وكان لديها الغاز، فسُخّر للدبلوماسية. وكان لديها الإعلام، فصنع لنا جمهورية كل مساء. وكان لديها السفارات، فدافعت عنا. وكان لديها الطائرات، فنقلت وفودنا. وكان لديها الفنادق، فاستضافت مؤتمراتنا. وكان لديها العسكر، فحرس المشروع.
فأصبح عندنا: رئيس.ورئيس حكومة. ووزراء. وبرلمان. وسفارات.
وجيش. وشرطة. وأعياد وطنية. ووكالة أنباء.وأختام رسمية. وقصور بروتوكولية. وكل مكونات الدولة تقريبًا.
إلا ذلك التفصيل المزعج: أرض الدولة.
إنها أعظم عملية بناء سياسي في المنطقة: بنيتم السقف، وعلقتم الثريات، واشتريتم الأثاث، وعينتم الحارس، ثم اكتشفتم أن المنزل نفسه غير موجود.
وحتى «الشعب» احتاج إلى صناعة سياسية
وهنا، سيادة الرئيس، لا بد أن نتحدث بصراحة عن أكثر أجزاء المشروع حساسية.
طوال عقود قدمنا سكان مخيمات تندوف للعالم باعتبارهم كتلة سياسية واحدة، وشعبًا واحدًا له إرادة واحدة، وله ممثل واحد اسمه البوليساريو. علما انه عبارة عن خليط من عدة أجناس ..لاجئون ومشردون ولقطاء من عدة دول افريقية عانت الحروب والجوع. يضاف اليهم صحراويون محتجزون بالقوة واخرون مغرر بهم ...
لكن الأمم المتحدة نفسها ظلت تطالب بتسجيل اللاجئين، أوالتسجيل الفردي الشامل لم يُنجز بالصورة التي تنهي الجدل حول عدد السكان وتركيبتهم.
أي أننا صنعنا الحكومة قبل الإحصاء. وعينّا الرئيس قبل أن ننجز لائحة دقيقة ومعلنة لمن يحكمهم.
وصنعنا «الشعب السياسي» قبل أن نتفق حتى على سجله المدني.
وتوجد داخل المخيمات عائلات صحراوية لاجئة، وأجيال ولدت في الجزائر ولم تعرف وطنًا آخر في حياتها اليومية، وأشخاص لهم أقارب في المغرب وموريتانيا وأوروبا، وحركة خروج ودخول وهجرة وعودة صنعت خلال نصف قرن مجتمعًا أكثر تعقيدًا بكثير من الصورة البسيطة التي تقدمها بياناتنا الرسمية.
ومع ذلك كنا بارعين في شيء واحد: نتحدث باسم الجميع.
من وُلد معنا، نتحدث باسمه.
ومن هاجر، نتحدث باسمه.
ومن اختلف معنا، لا نسمعه في الوكالة الرسمية.
ومن عاد إلى المغرب، نفضل ألا نتذكره.
ومن انتقد القيادة، يصبح صوته نشازًا في أوركسترا «الإجماع الوطني».
هكذا تُصنع الشعوب في المختبر السياسي يا سيادة الرئيس: قليل من الشعارات، كثير من الإعلام، وعقود طويلة تجعل المؤقت يبدو وكأنه قدر أبدي.
خمسون سنة كافية لصناعة مجتمع مخيمات… لكنها لم تصنع دولة
هناك اليوم أشخاص ولد آباؤهم في المخيمات، وربما ولد أجداد بعض الصغار فيها أيضًا.
أجيال كاملة تعرف أسماء مزيفة لمخيمات السمارة والعيون وأوسرد وبوجدور والداخلة والرابوني أكثر مما تعرف المدن التي تحمل بعض هذه المخيمات أسماءها.
هذا وحده مأساة. ولكننا حولناه إلى مؤسسة سياسية.
بدل أن يكون المخيم حالة مؤقتة تنتهي، جعلناه عاصمة انتظار.
وبدل أن يكون اللاجئ إنسانًا ينتظر حلاً، جعلناه جزءًا من ديكور دولة معلقة.
ثم سمينا هذا كله «جمهورية».
صنعتُم لي جمهورية… ثم صرت «بن بطوش»
لكن أعترف لكم بأن أجمل لحظات المسلسل كانت سنة 2021.
كنت إبراهيم غالي عندما غادرت الجزائر.
الرئيس. القائد. الأمين العام. فخامة الرئيس...
لكن ما إن احتجت إلى مستشفى إسباني حتى ظهر اسم آخر:
محمد بن بطوش. يا لها من قفزة دستورية.
في الصباح رئيس جمهورية. وفي المساء اسم آخر في ملف استشفائي.
فهمت يومها أن الجمهورية التي لم تستطع أن توفر لي مستشفى رئيس، استطاعت على الأقل أن توفر لي اسمًا احتياطيًا.
ولهذا أقترح عليكم، في الدستور المقبل، إضافة مادة تقول:
«للرئيس الحق في اسم ثانٍ عند الضرورة الطبية».
ثم جاء القرار 2797… وبدأتُ أقلق على الوظيفة
سيادة الرئيس،
بعد نصف قرن من انتظار الاستقلال، جاء القرار الأممي 2797 ليجعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمناقشات، ويضع الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية في قلب الحديث عن الحل القابل للتحقق.
هنا بدأ القلق. ليس فقط على الدولة. بل، اسمحوا لي بالصراحة، على منصب الرئيس نفسه.
فأنا رئيس منذ سنوات. ولي حكومة.و وزراء. ومستشارون. وبروتوكول..
فإذا انتهى الأمر بحكم ذاتي تحت السيادة المغربية، فماذا سأفعل بكل هذا الجهاز؟
هل أصبح رئيس جمعية؟.. أم رئيس جماعة؟
أم أحتفظ بلقب «الرئيس السابق للجمهورية التي لم تصل»؟
لذلك بدأت أفكر في الحل الواقعي.
الخطة ب: نريد وطنًا داخل الجزائر
سيادة الرئيس،
إذا كان الوطن الذي وعدتمونا به جنوب المغرب أصبح بعيد المنال، فلا تتركونا بلا وطن.
أنتم من بدأ المشروع. وعليكم خدمة ما بعد البيع. نريد أرضًا بديلة.
ولا داعي لإرهاق وزارة الخارجية في البحث.نحن جالسون فوق الحل منذ خمسين سنة.
تندوف. وإن احتجنا إلى التوسع: بشار.
وإذا زاد عدد الوزراء والسفراء: أدرار واسعة، والحمد لله.
لماذا نواصل إنفاق النفط والغاز لإقناع العالم بمنحنا أرضًا على بعد مئات الكيلومترات، بينما توجد أرض تحت أقدامنا منذ نصف قرن؟
إنه تبذير للطاقة يا سيادة الرئيس.
ولدينا حجة ممتازة: خمسون سنة من الإقامة
لسنا سياحًا. ولا ضيوف عطلة صيفية. ولا وفدًا دبلوماسيًا انتهت مهمته.
مضى أكثر من نصف قرن. ولد أطفال هنا. وكبروا هنا. وتزوجوا هنا.
ومات آباء ودفنوا هنا. وأقيمت مؤسسات ومخيمات وإدارات هنا.
ألا يمنح كل هذا على الأقل الحق في أن نقول: نريد تقرير مصيرنا في تندوف؟
لقد علمتمونا خمسين سنة أن تقرير المصير حق مقدس لا يسقط بالتقادم.
جميل. الآن جاء وقت التطبيق العملي. لكن داخل الجزائر.
ولا تنسوا يا سيادة الرئيس أن تاريخ تندوف نفسه سيحرجكم
وهنا المفارقة التي قد تجعل الرسالة أكثر إزعاجًا.
فتندوف نفسها لم تكن دائمًا، حتى في الإدارة الاستعمارية الفرنسية، قصة حدود بسيطة كما تحب الكتب الرسمية الجزائرية أن توحي.
دراسات تاريخية تذكر أن تندوف ظلت مرتبطة بالمنطقة العسكرية لأكادير إلى غاية 1952.
بل إن الأرشيف العسكري الفرنسي يتحدث صراحة، بعد استقلال المغرب، عن إجراءات كان هدفها «تجسيد إلحاق تندوف بالجزائر» خلال 1956 و1957.
أي أن فرنسا كانت ترسم وتعيد رسم وتدير حدودًا بين مجال الحماية المغربية والجزائر الفرنسية وفق حساباتها الاستعمارية.
والمغرب، بعد استقلاله، دخل أصلًا في نزاع مع الجزائر حول الحدود والمناطق التي اعتبر أنها اقتطعت من مجاله التاريخي، قبل أن تتطور الأزمة إلى حرب الرمال.
لهذا أقترح، يا سيادة الرئيس، ألا تكثروا أمامنا من دروس «قدسية الحدود الموروثة».
فقد نطلب فتح الأرشيف الفرنسي. والأرشيف، كما تعلمون، شخص قليل المجاملة.
ما رأيكم في «جمهورية تندوف الديمقراطية الشعبية»؟
الاسم جاهز تقريبًا.
نأخذ من اسمكم «الديمقراطية الشعبية». ومن موقعنا «تندوف».
ونضيف كلمة «الصحراوية» حفاظًا على العلامة التجارية.
فتصبح: الجمهورية الصحراوية التندوفية الديمقراطية الشعبية.
وسيكون لدينا أخيرًا شيء لم يتوفر لنا طوال خمسين سنة:
عنوان بريدي واضح. يمكن لأي رئيس يريد زيارتنا أن يكتب في نظام الملاحة: تندوف – الجمهورية الجديدة. وينتهي الضياع.
سنطلب استفتاءً طبعًا… فنحن تعلمنا الدرس لا تقلقوا. لن نأخذ الأرض بالقوة. نحن ديمقراطيون جدًا عندما يتعلق الأمر بأراضي الآخرين. سنطالب باستفتاء. وندعو الأمم المتحدة. ونرسل المبعوثين. وننظم المظاهرات.
ونرفع لافتة: «لا حل دون تقرير مصير سكان تندوف».
وحين تقولون: «لكن تندوف أرض جزائرية!»
سنرد عليكم بالعبارة نفسها التي درّبتمونا عليها:
«لا يمكن للسيادة أن تلغي حق الشعوب في تقرير المصير».
فإذا غضبتم وقلتم: «الوحدة الترابية الجزائرية خط أحمر».
سنشعر بخيبة أمل. خمسون سنة وأنتم تعطوننا الدروس، وعندما جاء دور الامتحان غيرتم المقرر!
وإذا رفضتم تندوف… فبشار موجودة
لن نتشدد. نحن أهل تفاوض. يمكن إنشاء مائدة مستديرة.
تندوف. بشار. أدرار. نضع الخيارات الثلاثة.
ونعين ستيفان دي ميستورا جديدًا خاصًا بالنزاع.
ثم تبدأ المفاوضات. وإذا رفضتم، نقول إن الجزائر تعرقل حق تقرير المصير. ونطلب من مجلس الأمن قرارًا.
وحينها ربما يفهم العالم أخيرًا لماذا تبدو عبارة «تقرير المصير» جميلة جدًا في الخطاب الجزائري ما دامت الأرض المطلوبة موجودة داخل خريطة دولة أخرى.
سيادة الرئيس… النفط لا يستطيع شراء الجغرافيا إلى الأبد
لقد أنفقتم نصف قرن من الجهد السياسي.
واستهلكت القضية ساعات من خطابات رؤسائكم.
وتحرك سفراؤكم. واشتغلت وزارتكم. ودفعت دبلوماسيتكم.
وكان النفط والغاز وقودًا سياسيًا لمشروع لم يصل إلى المحطة التي وعدتمونا بها.
لكن العالم تغير. والدول غيرت مواقف. ومشروع الحكم الذاتي اكتسب دعمًا دوليًا أوسع. وحتى مجلس الأمن صار يتحدث عنه بلغة لم تكن موجودة بهذه القوة سابقًا.
أما نحن، فما زلنا في المخيم نفسه.
نغير الحكومة. ولا نغير الجغرافيا. نغير الوزراء. ولا نغير الواقع.
ونصدر البيانات.ولا تصدر الدولة. لذلك لا تتركونا بلا شيء
صنعتم لنا القيادة. فأكملوا الجميل وأعطونا الأرض.
صنعتم الجمهورية. فأوجدوا لها مكانًا.
صنعتم رئيسًا. فلا تجعلوه يتقاعد بلا وطن.
وإن كان نصف قرن من الإقامة لا يكفي، فأخبرونا كم يلزم.
ستون سنة؟.. سبعون؟.. مائة؟
نحن محترفون في الانتظار. لكنني أخشى شيئًا واحدًا:
أن ننتظر مائة سنة أخرى، ثم يقول لنا رئيس جزائري آخر:
«اصبروا… الدولة قادمة».
طلبي الأخير سيادة الرئيس تبون،
أقترح اجتماعًا عاجلًا.
أنا. وأنتم. وقائد الجيش. نضع خريطة الجزائر فوق الطاولة.
لا خريطة المغرب هذه المرة. خريطة الجزائر. ثم تقولون لي:
اختر يا بن بطوش. فأضع إصبعي على تندوف.وإذا رفضتم، أنتقل إلى بشار. وإذا رفضتم بشار، أتجه جنوبًا نحو أدرار.
فالصحراء واسعة. وحق تقرير المصير، حسبما علمتمونا، أوسع.
وتقبلوا، سيادة الرئيس، أسمى عبارات الامتنان على خمسين عامًا من صناعة الدولة التي لم تأت بعد.
أخوكم في الثورة والانتظار والإقامة الطويلة،
إبراهيم غالي
المعروف عند الضرورة بـ«محمد بن بطوش»
ملحوظة أولى:
المرجو عدم إحالة الرسالة على وزارة الخارجية وحدها، فالموضوع هذه المرة يتعلق بأرض جزائرية.
ملحوظة ثانية:
يرجى إخبار قيادة الجيش قبل الاجتماع، حتى لا تكتشف فجأة أن «حق تقرير المصير» وصل إلى تندوف.
ملحوظة ثالثة:
إذا رفضتم الطلب بدعوى الوحدة الترابية الجزائرية، فالمرجو إرسال تفسير مكتوب.
نحتاجه لإعادة صياغة خطاباتنا القديمة
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟